المجلة الثقافية الجزائرية

سياسة المحو في غزة… أرشيف الموت بديلًا من أرشيف الحياة

كريم أبو الروس*

خلال كتابة هذا التقرير، كنت أبحث في معنى الفصل بين العام والخاص عند النظر إلى صورة قصر الباشا في مدينة غزة، بعد أن دمرته طائرات الاحتلال الإسرائيلي في حربها الجارية على قطاع غزة.

يعود بي المعنى الخاص إلى رحلة مدرسية في الصغر رفقة أستاذ الجغرافيا وهو يشرح لنا إلى جوار القصر عن تاريخه وأهميته. بينما يقول العام إن هذا المكان صار رماداً وخبراً على التلفاز، وربما صورة نشاهدها على منصة “إكس”.

إن العطب الذي أحدثته الحرب في الذاكرة الجمعية الغزية، لا يمكن تفسيره مطلقاً في سياق الفصل بين العام والخاص، مثلما لا يمكن فصل العلاقة بين المكان والذات.

فخلال حربها الانتقامية، هدفت إسرائيل إلى ترسيخ سياسة الإلغاء للبشر والحجر، فخطفت حياة زهاء 35 ألف فلسطيني، وشردت ما يقارب مليون ونصف من بيوتهم الآمنة. لكنها نفذت، في الوقت نفسه، تدميراً ساحقاً للعمران الذي يحتضن معالم الحياة الحضرية، متبعةً سياسة مقصودة وممنهجة لطمس أرشيف غزة، الذي يدلل على الهوية الجمعية للفلسطينيين ويجمع هوياتهم الشخصية في فسيفسائه القديمة والمتراكمة.

تلك الهوية، التي يُعجن منها ماضي وحاضر ومستقبل هذا الشعب، باتت تمظهرات كثيرة منها تحت الركام.

الأرشيف المركزي لبلديّة غزة بعد الاستهداف الإسرائيلي (أرشيف المؤرخ حسام أبو النصر)

مسح التاريخ… مسح الوجود

لقد حولت الحرب الإسرائيليّة مدينة غزة إلى خراب كبير. فأتت آلاتها على إخراج نحو 40 مستشفيات ومركزاً طبياً عن الخدمة، وقصفت أو خربت نحو 300 مدرسة، ودمرت ست جامعات وما يزيد عن مئتي معلم تاريخي وأثري، و7 متاحف، بالإضافة إلى المساجد والكنائس والمسارح والمراكز الثقافية ومباني الأرشيف المركزي في غزة.

ولا يمكن اعتبار هذه السياسة إلا سياسة مقصودة تصب في نيّة وتنفيذ لحرب إبادة جماعية، من خلال منهج العقاب الجماعي ومحاولة إلغاء الهوية والتاريخ الفلسطيني وتدمير الأرشيف الفلسطيني الحي الذي سار مع الفلسطينيين منذ النكبة.

وعلى الرغم من أن حصر الضرر الواقع على القطاع الثقافي والأثري والممتلكات التاريخية في قطاع غزة ليس مكتملًا بسبب استمرار الحرب، إلا أن تقريراً أعدته مؤسسة “خزائن” و”مكتبيون ومؤرشفون من أجل فلسطين”، تحت عنوان “التدمير الإسرائيلي للأرشيفات، المكتبات، والمتاحف في غزة، تشرين أول 2023- كانون ثاني 2024″، وثق حجم الدمار الذي نفذه جيش الاحتلال بحق هذه المعالم.

وجاء في مقدمة تقرير المؤسستين أن “طمس التاريخ والثقافة الفلسطينية كان وما زال تكتيكاً تتبعه آلة الحرب والاحتلال الإسرائيلية على مر السنين كوسيلة للحد من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، فخلال النكبة عام 1948، نهبت العصابات الصهيونية ثلاثين ألف كتاب ومخطوطة من بيوت الفلسطينيين. وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، نهبت قوات الاحتلال الإسرائيلي وصادرت أرشيف منظمة التحرير الفلسطينية ومكتبتها. وخلال الانتفاضة الثانية، تضررت المكتبات والأرشيفات واستهدفت بشكل متكرر في قطاع غزة”.

ويقول الكاتب والباحث في التاريخ السياسي والآثار عزيز المصري لرصيف22: “إن تدمير الأرشيف المركزي لمدينة غزة هو بمثابة مسح لتاريخ مدينة غزة، لأن الأرشيف يمثل كنزاً ومستودعاً للمعلومات والوثائق التي تؤرخ لسنوات وعصور طويلة من تاريخ المدينة، من سجلات المحاكم الشرعية إلى وثائق ملكية الأراضي وشهادات المؤرخين، عدا عن آلاف السجلات النادرة”.

*رصيف 22