المجلة الثقافية الجزائرية

“شجرةُ نَبق تحت البروج”

عاطف سليمان*

حين بلغ نيكوس كازنتزاكيس عمرَ الثامنة والخمسين كان قد كتب مسرحيات كثيرة ومقالات ونصوص ورواية واحدة هي “الزنبقة والثعبان”.

    ((يا أخي، أيها الترابُ؛ إنْ أنت إلَّا سماء

كانت “هيلين ساميوس”، التي غدت “هيلين كازنتزاكيس” أو “إيليني كازانتزاكي” بزواجها من “نيكوس كازنتزاكيس”، قد تلقّت منه، بالنص، ذلك الرجاء: 

– عندما أموت اكتبي كتاباً عني.

– لا، لا، لا! فلا بد (لذلك) من كاتبٍ موهوب.

– سوف تضعين كتاباً عني، يا لينوتشكا، عليكِ أن تفعلي ذلك، لأن الآخرين سوف يقولون عني أشياءَ كثيرة غير دقيقة. أنتِ الوحيدة التي تعرفني جيدا. 

غريبٌ وموجِعٌ أن كازنتزاكيس قد دامَ متشكِّكاً حتى النهاية في حُسن فهْم الآخرين له، شاعراً بالحاجة إلى إيضاح حقيقة نفسه أمامهم، على الرغم من تقريره العلني الحارِّ المرفوع منه إلى “إل جريكو”، ومن صفحاتٍ مطوَّلةٍ كتبها هو عن حياته وأسفاره وأفكاره، وعلى الرغم كذلك من عناية أهل الأدب ووسائط الإعلام به وبشؤون آدابه أثناء سنوات حياته الأخيرة. أتُراهُ كان يتدلَّلُ هوناً ما، إلى زوجته وحبيبته، برجائه ذاك! فيا له من تدلُّلٍ -إنْ كانَ- يستبقي به وجودَه، بعد الممات، برفقة لينوتشكا، استبقاءً يماثل الحياة.

“الـمُنشق”؛ بمعنى هذا الذي أخرج نفسَه عن مجاراةِ عصرِه، هو عنوان الكتاب الذي أوفت به هيلين الرجاءَ، واعتمدت لأجله على رسائل كتبها نيكوس إليها وإلى آخرين، وكان يدرك أن رسائله، يوماً ما، ستُنشَر على الملأ، بل كان يأمل ذلك، وأوردت أيضاً بكتابها نِتفاً من مذكراتٍ ونصوص لنيكوس غير منشورة، وانتهت منه، دونما تجميلٍ أو تقبيحٍ، حسبما تعهَّدت، في مدينة جنيـﭫ سنة 1967، وانتهى “محمد علي اليوسفي”، بإتقانه، من ترجمته عن الأصل الفرنسي في فبراير 1994. وقد تحسُن الإشارة، في هذا السياق، إلى أن شاباً، مصري المولد، اسمه “عزيز عزت”، كان يعيش في فرنسا ويحرِّر مجلة فرنسية بعنوان “الدلافين الأربعة”، التقى نيكوس وهيلين في صيف 1954 بفرنسا، ثم كتب دراسةً بعنوان «نيكوس كازنتزاكيس، سيرة حياة»، صدرت عن منشورات بلون، باريس، 1965، وأثنت هيلين عليها.

كتابُ هيلين عن نيكوس، زوجها وحبيبها، الإنسان والكاتب، هو كتابٌ يندُّ فيه حضورُها الفائق، ككاتبة، رغماً عن اقتصار نصوصها الخاصة على فقراتٍ قليلة قصيرة خادمة للوثائق وموضِّحة لملابساتها، وهو كتابٌ تطلُّ إشراقتُه من الحب الذي تآلفا فيه من قبل لقائهما حتى، وتسترجع هي له الذكرياتِ بقلبها، وكذلك هو كتابٌ تتبدّى كشوفُه في إظهار قسماتٍ من شخصية نيكوس لا تُستشَف من خلال مؤلفاته، وهو كتابٌ يمكِّن قارئــَه من حظوةَ المكوث هناك؛ قربهما؛ حيث يقعدان هما على صخور حادة محترقة بالشمس تحت صنوبرةٍ أمام بحرٍ هادر، فيما يستلقي هو تحت شجيرة لَوزٍ قُبالة نهرٍ رقراق، يستقرئ ويناظرُ ويرقُب، ويرجو لو أن نيكوسمو كان قد كتبَ هو أيضاً كتاباً جميلاً عن لينوتشكا؛ الرفيقة الوفيّة المتفانية التي له أنْ يُغبَط حقاً عليها.

وكان أنْ وُلِدَ طفلٌ، على جزيرة كريت، في 18 فبراير سنة 1883، سرعان ما سيغدو متشدِّداً؛ يُلاحِق الكمالَ، بل الكمالاتِ، ويهتف صوب سمائه ويتحرَّق: «يا إلهي، صغ مني إلهاً! يا إلهي، صغ مني إلهاً!»، ويتفكَّر: «اللعنة، اللعنة على مَن لا يحترم الصوْمَ»، ويُسائل أمَّه “ماريجو”: «أماه! هل أنا رضعتُ بأيام الأربعاء والجمعة أيضاً؟» ثم يشرع في البكاء على تفريطه في الصوم ما إنْ ترد أمُّه بالإيجاب!

ارتاح ضميرُه إلى اعتبار جزيرة “كريت”، ذات القداسة، أرضاً إفريقية، على نحوٍ ما، مثلما ارتاح إلى اعتبار نفسِه مُنحدِراً من سُلالة العرب ومن أجدادٍ صحراويين، وإلى أن قطرةً كبيرة من الدم اليهودي قد ضخّها قلبُه الإفريقي فدارت مع دمائه الكريتية، التي سيعطبها، في آخر العمر، خبثٌ من السرطان، على أية حال. وفي وجدانه تحدَّد معنى الغُربة في ابتعاده فحسب عن كريت، حتى لو كان ذلك سفراً صغيراً إلى أثينا لا أكثر. وفي كريت اعتادت أمُّه أن تطلي له ثيابَه الداخلية بالقطران من أجل أن تصدَّ عنه سائرَ الأمراض، ولقد داومَ هو على ارتداء الثياب المطليَّة بالقطران حتى بعد تخرجه في جامعة أثينا وسفره إلى فرنسا وإيطاليا لدراسة الفلسفة والتجوال وكتابة القصص والمسرحيات والدراسات، ومن إيطاليا كتبَ إلى أهله هذه الرسالة وهو في الثانية والعشرين: «أنا سعيد جداً، وكثيراً ما أقول إنه لولا القطران لما توصلتُ إلى شيء! ما همَّني إذا كانت ثيابي الداخلية سوداء ورائحتي مثل رائحة رصيف أو ميناء تملأه براميل القطران وحبال المراكب»، وكانت أوربا، يومذاك، على بُعد خمس سنين لا غير من نشوب حربها العالمية الأولى، التي سيتداعى بسببها ذلك العالَـم القديم بتقاليده وخيراته وشروره جميعاً بما في ذلك طرائق الأمهات لِصوْن أطفالهن بمزيّة القطران.

تعرَّفت هيلين على “غالاتي”، ذات الطلعة الجميلة والبديهة الحاضرة، زوجة نيكوس الأولى، قُبيل أيام قليلة من تعرُّفها على نيكوس في يوم 18 مايو 1924، وتذكر هيلين أن غالاتي دأبت طيلة حياتها على مداومة الحديث عن نيكوس؛ تبثُّ صورةً كريهةً ومشبوهةً عنه في نفوس الذين لا يعرفونه، غير أنها بقيت ملتزمة بتوبيخ كل مَن يتجرّأ على الإساءة إليه في حضورها! ربما كان اختلاف طباع الاثنين، نيكوس وغالاتي، وتلاشي الانسجام بينهما بعد الزواج هو ما أدّى إلى انفصالهما، لكن تُوجد ثمة إشارة مبثوثة عن غيرة غالاتي من اتساع النجاحات الأدبية الأولى في حياة نيكوس، وعن إهمالها له أثناء مرضه في ﭬـيينا. ومن ناحيته هو فكان يدرك أنها تشعر معه بالملل، وأن أعصابَها تثور من الضجر في رفقته. وكتابُ المنشق يطعن غالاتي طعنةً؛ إذْ في إحدى الحادثات أرسلَ إليها كازنتزاكيس بالبريد المسجل بعضَ مؤلفاته في التاريخ، التي أعدَّها ككُتب مدرسية، لتوصيلها إلى الناشر، غير أنّ مصيراً غامضاً قد حاقَ بتلك المخطوطات حيث أكدت غالاتي عدم وصولها إليها. وكان نيكوس، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، قد تزوج غالاتي، عن غرامٍ، سنة 1911، ثم انفصلا لسنواتٍ، وتطلَّقا رسمياً سنة 1926.

ويبدو أن نيكوس وهيلين قد تحابّا من دون أن يتوصَّلا، لسنواتٍ، إلى التيقُّن من قُدرتيْهما على العيْش سوياً تحت ميثاق الزواج، فاتفقا على أن يظلا حُريْن، على أن يلتزما بـ«ميثاق الأيام العَشَرة» الذي وضعه نيكوس منذ أن تعارفا؛ والذي تعيَّن عليهما، بموجبه، أن «ينتزعا» من «إلهِهما» عشرةَ أيام كل سنة لكي يعيشاها معاً «وحيديْن متواجهيْن». كانت هي تعلمُ ما يُشاع عن نهمِهِ ومغازلاته للنساء وما يُشاع أيضاً عن تقشُّفه، وتقول عن علاقتهما: «معلمٌ وتلميذة. أخٌ بِكـرٌ وأخت أصغر منه. عاشق وعاشقة»، «أشعر بالراحة إلى جانبه كما لو كنتُ في مأمنٍ تحت سنديانة كبيرة قُرب نبْع»، ويقول هو: «لَوْزتان في قشرة واحدة»، ويخبرها: «إذا وافقتِ على أن تصيري زوجتي فإنني أعدكِ بوضْع حدٍ لماضيَّ، ولن تكون هناك امرأةٌ أخرى»، لكنه لا يتأخّر عن إخبارها بأنه «قوي جداً، ومستعد دائماً لمواجهة الطوارئ»، ويستطيع أن يتحمّل قرارَها إنْ هي فارقته. ولقد عاشا معاً ثلاثين سنة؛ وإنه لَيتهلَّل: «ما هذه المعجزة إذاً؛ الغريبُ مع الغريبة، يصيران أهلاً، وحبيباً لحبيبة»، ويبوح بامتنانه: «لو لم تكوني لمتُّ ألفَ مرة، لأني مللتُ بني البشر»، «لولاك لَكانت حياتي صحراء»، وكانت هيلين، تقدِّم أفضلَ ما لديها في بساطة وسلاسة وتفاهمٍ عميق وبغيرما ضجة. وفي 1945، بعد ثمان عشرة سنة من المعاشرة الحرة، حلَّ اليومُ الذي وقَّعت فيه هيلين ساميوس مع نيكوس كازنتزاكيس على أوراق الزواج الرسمي، بعدما اُختير كازنتزاكيس وزيراً لإعمار اليونان بعد الحرب العالمية الثانية، حتى يتحاشيا أيةَ تعقيدات قد تترتّب على بروتوكولات الوظيفة الرسمية.

شمله حبٌ أخوي رقيق مع شقيقتيْه “آنستازيا” و”هيلينا”، وبدا أن وجود الأب، القبطان، “ميخاليس” في الحياة قد جثمَ بمثابة كابوس على الابن نيكوس؛ يثبط قدرتَه على التنفس، يعوقه، يُوهِن روحَه، ويحبط حريتَه الذاتية. وحين مات ميخاليس؛ كان نيكوس في مدريد، يناهز الخمسين من عمره، فكتب إلى حبيبته هيلين، في باريس، رسالةً أفضى فيها ببعض أحاسيسه، وتمنّى أن تحرقها بعد أن تقرأها؛ «الآن، وقد غاب الذي أتى بي إلى العالَـم، أُولد في العالـم»، «لقد تعزَّيتُ وتحرَّرتُ، وسوف تتقوّى روحي». ما كان ذلك البوح قسطاً من صنوف الكراهية ولا من صنوف الحب ولا التمرد، إنما هو تعقيدٌ وَسَمَ علاقته بأبيه، بخلاف حاله مع أمِّه، التي ماتت قبل ذلك بسنوات، فشعر إذ ذاك بالفقْد، بالوحشة والحزن، وبأنه طفلٌ يضيع في العتمة بانفلات يدها من يده، أمَّا موت أبيه فأشعرَه بالترنُّح والتمزُّق والزعزعة والإرهاق الملازمين للإحساس بذلك النوع من التحرُّر.

اعتقدَ بأن خلاص الإنسان؛ خلاصَه الوحيد، لا يأخذ بالتحقق إلا حين تعمُرُ حياةُ المرء بحبٍّ وشغفٍ خارجيْن عن نطاق كيانه الشخصي. وقد وَصفَ نفسَه بأنه غير رومانسي، وأقرَّ بأنه “رجلٌ ناسكٌ” يرغب في عيْش حياةِ شظفٍ وزُهْدٍ لولا أن قلبَه، ذاك الذي في صدره، ذاك النهم جداً، يناوئه. وآمنَ بأن الزهد لا يتأتَّى بإنكار الجسد والروح، بل بإشباعهما لغاية الانتصار عليهما. على ذلك لم يهمد حلمُه بالثراء الذي من شأنه أن يجنِّبه الشقاوات ويتيح له الطمأنينة والانطلاقَ والسفرَ مثلما يمكِّنه من المساهمة في تحقيق أمنيات أحِبائه. كتب عن نفسه: «أتمنى أن تصير حياتي كلها، كما يقول المتصوِّفةُ البيزنطيون، “وحدةً متنوعة”؛ ما مِن وَهْمٍ، ما مِن جُبْنٍ. أريدُ التحديقَ في السديم بلا اضطراب». يسند الكتابُ -ومعظمه تآليف من تحاريرٍ ورسائل، هو كاتبُها أصلاً- إليه صفاتٍ وسماتٍ؛ فهو ممتلئ بتوتر روحي وقلق نفسي، وهو صادقٌ، يعشقُ الجَمالَ ويرغبُ في خدمته بقدر ما يستطيع، ويشمئز من المرض. لم يتوانَ إذاً عن إشباع رغائبه؛ وتنمُّ بعضُ رسائله عن أنه كان قد تخلَّى أثناء سنواته الأخيرة -على الأقل- مع غالاتي عن إخلاصه لها؛ وبدا مثل بندولٍ يشدُّه تارةً سلطانُ ديونيسيوس (باخوس) الـمُوعِز بطقوس الابتهاج والطافِر بآلائه الحِسيّة ونشواته، ويشدُّه تارةً سلطانُ بوذا بصرامته التقشُّفية وزهده، فيتأرجح بينهما ويساوره الندم. وشرَحَ: «عندما أموتُ سوف يدَّعي أحدُ مؤلفي سيرتي، ويا له مِن أحمقٍ، بأنني كنتُ زاهداً، قليلَ الشهوات، رجلاً يستمرئ العيْشَ في الإهمال والفقر، ولن يدرك أحدٌ أنني اكتفيتُ بحياة “الزاهد” لأنه استحالَ عليَّ العيْش وِفق طبيعتي الحقيقية». وبما أنه كان مُعجباً بالشريعة اليهودية فقد ازدهر محصولُه من الحبيبات اليهوديات، وكأصحاب المقتنيات تراكمت لديه “مجموعته من اليهوديات”، واشتملت قائمتُه على هذه التشكيلة من النساء؛ «راحيل» «روزا» «دينا» «إلسَّا» «ليَّا» «إيتكا»، وقد استطاعت هيلين -لاحقاً- أن تحبَّ حبيباتِه السابقات وتتفهّم شغفَه بهن. ومن تحت سطور مذكراته ورسائله تُلاحَظُ وتنكشفُ جعبةُ الإغواء التي قارَبَ بها النساءَ؛ وهي خليطٌ من قدْرٍ محسوب ومتتالٍ من الإبهار الفكري يناوشُ به المحبوبة المحتمَلة، تُصاحِبه دفقاتٌ ساحرةٌ مُنتقاة من التعبيرات الفلسفية المنعِشة للروح والخيال والمحفِّزة للمغامرة، مع بَثِّ زخاتٍ من تملُّقٍ رصين ودقيق يخلُب به المحبوبة. ولم يستصغر على نفسه أن يكتب، مثلاً، في رسالة منه إلى هيلين، قبل الزواج، يستحثها على اللحاق به: «سعدت برؤيتك في الحلم؛ حلمتُ أنكِ كتبتِ قصيدة جميلة جداً، عنوانها “كيف نمتُ معه”، وما زلتُ أتذكر كل التفاصيل التي سأحدثكِ عنها عندما نلتقي»، وكتبَ إليها بعد سنوات: «ما من خطرٍ إذا ارتبطتُ ببعض العلاقات، لا تقلقي فأنتِ آخر فرحة في حياتي». وفي زمن العشرينات، وقتما كان تبادُلُ الصور الشخصية بمثابة إخطار بالهوى؛ كتبَ إلى صديقته اليهودية “ليَّا”: «رفيقتي، العزيزة،،، لقد صرتُ صهيونيا. لماذا لم أكن يهودياً؟ لا أشعرُ بأية صلة تربطني بشعبي. أشعر بأنني في بيتي وفي مناخي عندما أكلمُ يهوديين ويهوديات،،، أنا أخ، رفيق حقيقي،،، ارسلي لي صورتكِ»! وكان ذلك في مارس 1925، وهو في الثانية والأربعين من عمره، منفصلاً عن غالاتي، وحبيباً لهيلين، التي زارَ بصُحبتها البلادَ التي أسماها هو «أرضَ إسرائيل» وأسمتها هي «فلسطين». وفي هذا السياق يلزم التشديد على أن كلمة “صهيوني” لم تكن في ذلك التاريخ تحمل كل الإحالات والدلالات التي حملتها في سنواتٍ تالية. فيما بعد، تلقى دعوات رسمية لزيارة المزارع الجماعية (الكيوبتزات)، وشَهَدَ في إحدى المناسبات بأنّ المسرح العبري هو المفضّل لديه.

أحبَّ “القدس” و”موسكو” وجزيرة “ميكونوس” اليونانية، وكان شغفُه بالمدن الشرقية مبهِجاً، وقد آلَمه فقدانُها لطابعها وهويتِها تحت حجة التقدم، ويبدو أن إعلانه عن حبه لليهود وللمسلمين كان إيجازاً عن افتتانه بالشرق، وكتبَ حين زارَ كازخستان: «فجأة لمحتُ، في قرية على يميني، قُبةَ مسجد، خضراء. وثبَ قلبي فرحاً؛ نحن في بلدٍ إسلامي». واشتكى مراراً من اضطراره إلى العيْش في أثينا، هو المحِب للتطواف حول العالـم، ولمراتٍ صرَّح بأن اليونان، أرض الزيتون والتين ذي القطرات العسليّة، لا تني تناديه، ويشتاق إلى الأماكن التي يحبها فيها، وقد داومَ مع ذلك على الرحيل عنها، بلا رجوعٍ إليها إلّا لنُقصان مؤونته المالية. وبقيت أوربا، خاصةً لندن، حيث شعرَ بطمأنينته وحلُمَ بالعيْش فيها، هي البراح المفضل لإقاماته مهما بدا من شعوره في النهاية بالضجر من فتورها.

ظل تأمين الدخل المادي اللازم للمعيشة عِبئاً عليه ومُرتهَناً بأجورٍ يتلقّاها مقابل عمله؛ سواء في الترجمة أو كتابة المقالات والتحقيقات الصحفية. وقد كُلِّف أحياناً بتأليف كتب مدرسية لصالح وزارة التربية القومية اليونانية بمردودات مالية كبيرة، وشارك في امتلاك بعض المناجم، وسعى كذلك لإبرام صفقات تجارية ضخمة، بمئات الأطنان من نبات الـخرُّوب مع سويسرا. وحين كان في السادسة والثلاثين عُيِّن مديراً عاماً بوزارة الإسعاف الاجتماعي، بعد وساطة أحدِهم لصالحه. واختارته الصحفُ، مرةً بعد مرة، للسفر إلى مواقع الأحداث العالمية الكبرى، مثل الحرب الأهلية الإسبانية، لإمدادها بتحقيقاته الصحفية النزيهة والوافية والموضوعية، تلك التي ألَّبت عليه قلوبَ أصدقائه وأعدائه. وفي بدايات خمسيناته تمكّن، مع هيلين، من بناء بيت كبير لهما يطلُّ على البحر في جزيرة إيجين. وبعد الحرب العالمية الثانية؛ اُختير وزيراً في حكومة اليونان إلى أن استقال منها. وفي بعض الفترات شغل منصب رئاسة “جمعية أدباء اليونان”. وعمل لعدة شهور في “منظمة اليونيسكو” بباريس.

كالصاعد إلى جبل «آثوس»؛ تولى كازنتزاكيس تأديبَ نفسِه وتنويرَ طريقِه المأمول، فدأب على تطهير ذاته وإخلائها من العيوب، مستمسكاً بما يراه طيباً في نوازعها؛ مُيمِّماً شطْر القمة البعيدة، المتحركة دوماً، التي توخَّى الصعودَ إليها، نظيفاً وخفيفاً بقدر الإمكان؛ «رائياً كل شيء، طارِحاً كل شيء، سيداً على نفسي،،، وحيداً قُرب ذاتي»، متشبثاً بماهية الحرية التي أقرَّها كأعزِّ مَداركِ العائلة الإنسانية حين تبلغ منتهى نبالتها، وذائباً في النشوة: «أريدُ الإنصاتَ إلى الإنشاد كله، والشعورَ بالدوَار كله، ولذا يتوجَّب عليَّ أن أكون حراً». ولقد كتبَ الأدبَ بينما هو يتطلَّع إلى أمميةٍ روحية وينشدُ تأسيسَ مُعتقَدٍ ديني يكفي الروحَ ويحتويها ويُشْبِعُها، وعلى أية حال فإنه قد وجدَ سبيلَه إلى دَسِّ آياتِه وخُلاصاتِه ودينِه كله في كتبه ورواياته الكبرى وبخاصةٍ “الإغواء الأخير”.

كان كازنتزاكيس يتمثَّل مدارجَ “تولستوي” ويرنو بإعجاب إلى ارتقاءاته الروحية. ولَطالما ردَّد أن الحرية واللّذة، بالنسبة إليه، تكمنان في العمل، وأن سعادتَه لا تنبثق له مطلقاً إلا في ذروة اليأس. غير أن تصريحات له هنا وهناك تحنُثُ بمبدأ الزاهدين، ذلك أن فيها ما فيها من ضجةٍ مفتقِدةٍ للتواضع، ولا يُستساغ كذلك ما بها من حماسةٍ تشارِف التبجُّحَ أو الادعاءَ أو الحذلقة؛ إذْ يجاهر، وكأنه يفاخر، بمجاهداته واحتشاداته لأجل إجبار روحه على ارتقاء ذُرى جديدة، وتراه يكتب عن نفسه: «لم أعد قادراً على القيام بما هو مؤقت وزائل، وإني أهِبُ نفسي كاملةً في كل خطوة»، أو يزعق: «أبذلُ دمي من أجل وطني،، أعملُ تحت جناح الإله العظيم،،، أعملُ كثيراً بينما يلمع في أعماقي وجهُ الإله»، أو يصك شعاراً: «ليس هدفي هو المجد أو الشهرة، ولا حتى الرفاهية والثرثرة المطمئنة، بل هو تحويل الطين إلى صرخة». كتبَ إلى صديقٍ له: «راسِلني كثيراً، أرجوك، وسامحني إذا كنتُ متحفِّظاً في كلامي وفي رسائلي. أريد، ولا أستطيع، كسْرَ القشرة الصلبة التي تلفُّ قلبي… وهكذا أعددتُّ قناعاً خدعَ كلَّ الذين عرفوني تقريباً، وسوف أتركُ أسطورةً مختلفة تماماً عن وجهي الحقيقي الجامع بين القسوة واللين وبين العناد واليأس». كان مثابراً، وكتبت عنه هيلين: «كان يتمتع، في أحرج الأوقات، بِردِّ فعلٍ غير متوقَّع؛ فيمطُّ شفتيْه اشمئزازاً، أو ينطق بكلمات مؤثرة، أو يتحول إلى خيميائي فينكبُّ على تحويل المعادن العادية إلى ذهب، ويصعدُ في الدرب العسير صارخاً: “مباركٌ هو العائق، مباركةٌ هي المحنة التي تمكننا من محاكمة روحنا، والحكم لها بالجدارة”».

كان هو “الوحْش”، بقلبه المقدود من صخرٍ، حسبما ارتآه أقرانُه من المثقفين والكُتَّاب اليونانيين، وبغطرسته التي لم يتحقّق منها أحدٌ عن قُرب، لأنها لم تكن سوى المظهر البعيد الهشّ للنبالة والطِّيبة، ولطالما نَبَذَه الكتَّابُ الآخرون والناشرون، ورَاقَ لليمينيين أن يصنِّفوه كشيوعي ويحْذَروا منه، ولليساريين أن يصنِّفوه كمتصوِّف وينفروا منه، ناهيك عن التقوُّلات عليه بالعمالة، لصالح هذه الجهة أو تلك، التي طالته أثناء كروب الحرب العالمية الثانية، ووصل الأمرُ إلى أنْ أُنكِر عليه حقُّه في أن ينالَ نصيبَه من الطعام! ويا للوشايات والاغتيابات التي تعرَّض كازنتزاكيس من زملائه، حتى إنهم اتهموه بالعدمية وعزلوه إلى هذا الحد أو ذاك، وفي أحد الأيام؛ علِم نيكوس، وكان في إسبانيا، بوجود شهودٍ في أثينا مستعدين لإثبات أنه لا يُجيد الفرنسية وأنّ ترجماته من هذه اللغة ليست جيدة، متجاهلين أنه أجاد الفرنسية وكتبَ بها مباشرةً بعض مؤلفاته. وبدوره بادلهم المنشقُ نيكوس البغضَ والازدراءَ، ورآهم قطيعَ قرودٍ وزُمرةً كريهةً في أثينا تناصبُه المقْتَ.

لم يسأم طوالَ نصوصه وعرضها، الرسمية وغير الرسمية، من التصدُّح بتعبيراتٍ حارَّة مُدغدِغة وكلماتٍ كبرى تأتلقُ بالعظمة مثل”الجسد هو حمارٌ تركبه الروحُ لِتسعى”، “الإله”، “الروح”، “الأرض”، “الإنسان”، “الصرخة”، “الشجرة”، “الكفاح”، “الخلاص”، “الموت”، “القمة”،،، غير مكترثٍ لإفراطِه في تكرارها بتنويعات تصاريفِها، وغير آبهٍ بإلحاحِه وهو يدقُّها فوق سطوره وكأنها إمضاؤه وطغراؤه الخاصة. وقد تعالى إيمانُه بحُميا الإنسان؛ بهذه الحُميا الموصولة بالإرادة الكُليّة للكون. وعلى ذلك؛ تعالى إيمانُه بالكفاح والمسؤولية والبطولة والحرية والحب والفرح وتفتُّح الحياة، وكرَّس كتاباتِه للتعبير عن صراع الإنسان، هذا الماثل كالدودة، ضد القوى المتسلِّطة عليه، سواء من خارج نفسه أو من داخلها، تريده أن يذوي في ظلاميتها، ولَطالما بانت قدرتُه، الشبيهة بالسِّحر، على فتْح النفوس المنغلقة لمن يتعامل معهم، حتى مجانينهم، فسهُل عليهم التعبيرُ عن أنفسهم معه. ومع ذلك فإنه لم ينكر أن في داخله ميْلاً إلى كراهية البشر، وكَتَبَ: «ليس البشر هم الذين يهمُّونني، بل الشعلة التي تحركهم»؛ ولقد نَسَبَ كلَّ ما حققه إلى فضل هذه العبارة التي اشتغلت معه كشعارٍ ينير روحَه ويسهِّل عليه اختيارَ طُرِقِه وسُبلِه وأهدافه، صوب ما كان يهمُّه؛ الذي هو الاتصال بجوهر الناس، بصرف النظر عن الاتصال الخارجي بهم، منتصراً لوِحدته، هو الـمُحب للعزلة، وهو الذي ينشرح حين يأوي إلى مكانه في المساء، ويغلق بابَه ويسمع صرير مزلاجه، واعداً نفسَه بأنْ يأخذ المزلاجَ معه عند مماته ويحاول إدخاله الجنة برفقته. ولعل مَرَدُّ ذلك إلى أنه قد ابتهج بالفكرة فأحبَّ الإنسانَ، وامتعض من تجسُّدها فعافَ البشرَ. «ألَّا أرى أحداً، وألَّا أعيش بين البشر. كل اتصالٍ مُضنٍ -وأسوأ- إنه غير مجدٍ»، أمَّا رائحة التُّربة، وهي تتلقى حبات المطر، فلها المجد إذْ بعثت دوماً الانشراحَ في حناياه.

عاش عمرَه كله وقد أحاط روحَه بأحب ممثلي الفضيلة إليه؛ المسيح، بوذا، مايكلأنجلو، بيتهوﭬـن، أفلاطون، دانتي، تولستوي، مثلما حَصَّن نفسَه بأبطاله؛ هرقل، ديونيسيوس، القديس فرانسيس، نيتشه، إل جريكو، طاغور، برجسون، لينين، زوربا، كلوديل، وكاﭬـافيس. إنّ هذا لَمبهر، فقد يطيبُ لقلبِ امرئٍ واحدٍ أن يتسع لهم جميعاً، لكنما كيف يتسنَّى له أن يمضي فعلياً مع بوذا وباخوس سوياً إلى الأبعد! كيف له أن تنسجم خلجاتُه وهو يريد أن يتبع زوربا والقديس فرانسيس معاً! كيف سيفعلها فيصادق الحمامةَ مع فرانسيس في الصباح ويلتهمها بصحبة زوربا في العشية؟! قد لا تنطوي النفسُ إلّا على طمعٍ ولا تتقصَّد غيرَ قشورٍ حتى يرغب امرؤٌ واحدٌ في مسايرة السُّبُل المتعاكسة ومطاردة المباهج والمسرّات المتباينة والتماس الوعودِ الكامنة في كل واحدةٍ منها، بينما يتغافل عن الالتزام الجوهري القاضي بأنه يتوجَّب عليه إعطاء نفسِه وشغفِه بالكامل للسبيل الواحد المراد، حتى تنفتح له أسرارُه التي تغدق نورَها وخيرَها على المتأهلين. وإنّه -نيكوس- يفضي: «لو انتشرت الأفكارُ الأساسية للقديس فرانسيس الأسيزي -الفقر، العفة- في العالم كله، وصار العالـمُ فرانسيسكانياً، لَذهب إلى خسارته، ولو أن القديس فرانسيس بشَّرَ بفضائل سهلة الممارسة لَكان تأثيرُه صفراً»؛ فعساه رغِب في أن يمحِّص حُكْماً له على العالَـم أو على فرانسيس أو على كليهما. ولعله صفّق بيديْه، في خمسينات عُمرِه، وقد تصيَّد مبتغاه، واهتدى إلى ما يلائم قدميْه، بمحاذاة خُطى يوليسيس (أوديسيوس)؛ حيث لا يكون ابنُ الأرض فاسداً ولا قديساً، لا مُتخَماً ولا محروما.

ابتهج لقيام الثورة البلشفية في روسيا القيصرية، واستُدعِيَ للمثول أمام السلطات اليونانية بجريرة مناصرته لها. وسافر إلى الاتحاد السوﭬـييتي ثلاث مرات، وكتب انطباعاته عن مشاهداته فجلبت له سُخط اليسار واليمين والوسط. وكتابُ هيلين لا يلُمُّ بدقائق آرائه في الشيوعية وفي الاتحاد السوﭬـييتي، لأن نيكوس نفسَه أوردَ ذلك بالتفصيل في كتاب له، شبه روائي، كتبه بالفرنسية، عنوانه «تودا-رابا»، وواجهته صعوبات في نشره، وكان هو الكتاب البديل بعدما تراجع عن مشروعه في كتابة الكتاب الذي ابتغاه عن الـ”ميتا شيوعية”. لقد ظلَّ غيرَ راضٍ عن مضمون الشيوعية المكتفية بماديّتها الصارمة، على الرغم من إقراره بإنجازاتها، لَكأنه كان يأمل في أن يغتني مضمونُها -على شاكلة كازنتزاكيس نفسه- بتلك الوتيرة من القلق النفسي وبذلك النسغ من التوتُّر الروحي؛ المحفِّزيْن للإبداع. التقى “موسوليني” بإيطاليا يوم 13 أكتوبر 1926، ثم إنه كان هو الوحيد من اليونان الذي دعته الحكومة السوﭬـييتية سنة 1927 لحضور احتفالات الذكرى العاشرة لثورة أكتوبر الاشتراكية، وفي تلك الزيارة التقى الكاتب الفرنسي “هنري باربوس”، والكاتب الروماني “باناييت إستراتي” الذي ارتبط معه بصداقة. وفي تلك الزيارة رأى أنّ الثوريين قد أضحوا «أُناساً مستقرين في الرفاهية، ومتحوّلين بسرعة إلى محافظين، وبالتدريج إلى رجعيين».

زارَ مصرَ في فبراير 1927، ونزل بالقاهرة في “Palace Hotel”، وكتبَ في وصفِها: «هذه المدينة أعجوبة»، وأشادَ بالكنوز الذهبية للملك توت عنخ آمون وبالفن المصري القديم، وافتتن بتمثال أبي الهول، بينما رأى أن الأهرامات “سخيفة”، وذهب إلى الأقصر وأعجبه النيل وراقته الحقول وأبهرته الصحراوات. وبشغفِه اليهودي ارتحلَ في رحلة شاقة إلى سيناء، وحَرَصَ على صعود الجبل الذي كان يثق بأن الربَّ سلَّم موسى وصاياه العشر فيه. وفي الصحارى المصرية جاءه الإحساسُ بالغضب إزاء المصير المتواضع للإنسان وباتَ يَكْره أنْ يَقبلَ به، وفي الختام وصل إلى الإسكندرية، وكتبَ: «إحساسي بمصر حاد جداً، ولا أريد الحديثَ عنه مع الناس»، وفي وصف تلك الرحلة تتبدّى عباراتٌ وعباراتٌ له وقد تجنَّبت الوضوحَ.

كان لدى كازنتزاكيس بُرهانٌ شخصي: «كل ما رغبتُ فيه، في هذه الحياة الشرسة والمتوحشة، حصلتُ عليه، لأنني طلبتُه بطريقة شرسة ومتوحشة»، وعلى ذلك مَكَث يتفحَّص عزيمةَ “كريستوفر كولمبس” وإيمانَه بحُلمه، ويفكر بأن كولمبس لم يكن أبداً يمتلك أدلة كافية على وجود الأرض الجديدة التي أراد السعي لاستكشافها، وبأنه امتلك فحسب يقيناً روحياً بوجودها، ومضى كازنتزاكس يتفكّر أيضاً بأن قباطنة سُفن كولمبس أنفسَهم كانوا قد باتوا متشكّكين، قبل الإقلاع، في حقيقة المرفأ المقصود، حتى إن الملكة “إيزابيل” غدت متراجِعة عن تأييدها لحملة الاستكشاف تلك. ويتصوّر كازنتزاكيس أن كولمبس قد أفلح في استرداد استمساكِها بحملته بعد أن سَرَّبَ إليها إيمانَه: «إذا كانت تلك الأرض غير موجودة فلماذا وُلِدتُّ أنا؟ إنها موجودة لأنني موجود». وكان كازنتزاكيس يريد، باستقراء ذلك الموقف، دعْمَ فكرتِه الأعمّ: «إذا عرف المرءُ كيف يريد شيئاً فإنه يحصل عليه، بل يستطيع حتى إيجاده من العدم».

في الحياة، كان قديراً على أن يتلقَّط الحكاياتِ من الهباء! ولو أنه نهضَ فقط لينشر جوربَه على حبل الغسيل فسيعود من ذلك بحكاية حلوة طليقةٍ لبقةٍ حقيقية يرويها لهيلين. وفي الكتابة، أمضى إحدى وخمسين سنة؛ من 1906 إلى 1957 ممسِكاً بقلمه في تواضع، وأحرزَ قدرتَه الفذَّة على جلْب الحرارة والروْنق وبثِّهما في عباراته ونصوصه، وما كان يكتب إلّا للهرب من الاختناق، وإلا تلبيةً لاحتياجٍ ينبعث من دواخله، واثقاً بما يقدمه اللاشعورُ إلى الكاتب، ومستهيناً بـ”المنطق” الذي يعتبره بائساً وضيقاً ومتعجرِفا. وقد كتبَ هو عن نفسه: «منذ الفجر، أنحني على الورق وأكتب وأصارعُ كي أنقذ روحيَ، ولَسوف أفعل ذلك ما دمتُ قادراً، ليس من أجل أن يعرف الناسُ بوجود رؤيا مشبوبة ومتموِّجة في ذلك الرأس الأسود، بل من أجل إنقاذ روحي حقاً، وذلك بعد أن يختفي جسدي الزائل»، وكتبت عنه هيلين: «من أجل كتابة بيت شعري جميل؛ رأيتُه يضحِّي تباعاً بكل ما يفضله بنو البشر؛ العِزّة، السفر، الراحة، الصداقة، الأهل، الموسيقى، الكتب، وصولاً إلى طموحه الأشد حرقة من أجل بلوغ صنوه: “نبي ما وراء الشيوعية”»، «اقرأي يا لينوتشكا؛ وأخبريني إذا كانت ذات قيمة». لقد قَـرَّ المنشقُ، في الكتابة، بمقام الأتقياء، وصانَ عهدَه؛ مُبتهِلاً إلى الإتقان، وممسوساً بالتهيُّب والارتياب والقلق.

هو، وقد اعتبرَ بوذا وعوليس قائديْه الكبيريْن في الحياة، أراد أن تكون له “أوديسته” الخاصة به؛ ولسنواتٍ طويلة جداً عاش في رِفقة البطلَ الملحمي عوليس؛ يحبُّ أن يستشفَّه ويستشيره ويتمثَّله في مختلف أحاسيسه وحوادثه، ويقيس لحظاتِ حياته على قناعات بطلِهِ، وفي وقائع الحياة المتجدِّدة يحلو له تخيُّلُ أنهما يتبادلان الحلولَ محل بعضهما البعض، كأنهما في جلدٍ واحد يعيشان، وكان له بذلك أنْ عثرَ على وسيلته الممتازة لحماية سِجلات أعمق وأروع لحظات حياته من الانهدار والتلاشي إذْ راح يُحيلها سطوراً شعرية، بمثابرةٍ شبه يومية، ويُودِعها في «الأوديسة»؛ قصيدته الأهم، التي أتمَّ صياغتَها النهائية وهو في الخامسة والخمسين، في 33333 بيتاً شعرياً، مبتدِعاً لها نغمةً جديدة في الشعر اليوناني موفورة السعة والرحابة والمهابة والعمق، متسائِلاً ومهموماً عمنْ سيفهمها في اليونان، اللهم إلا صديق واحد فقط. كان يحتج على نفسه: «كيف اقتصرتُ على أن أكون عالِماً؛ يؤلف الكتبَ، وأنا رجلُ اللمْس الذي لا يصدِّق سوى الأشياء التي يلمسها، والذي ركَّز كل قيمة الحياة في يديْه»، لكنه، مع الوقت، ازداد ارتياحُه إلى تكريس جهده في كتابة أعمال كبيرة لها سمات ملحمية، وكان قد عرف أنه تهيَّأ لمشوار الكتابة البعيد العميق، مُبدياً استعدادَه بل أملَه في أن يحطَّ عليه نسرُ زيوس وينهش كبدَه؛ فكتبَ: «المهم هو تقديم نفسي طعاماً لحيوان مفترس من الحجم الضخم، فبهذا وحسب أتخلص من الحشرات الصغيرة».

قُدِّم إلى المحاكمة بجريرة نشْر كتابه «تصوُّف» (أو «زُهـْد»)، وابتغت الكنيسةُ الأرثوذكسية اليونانية معاقبتَه بالحرمان الكَنَسي، بينما دبَّجت له المحكمةُ اتهاماتٍ بتخريب الدين والأخلاق والوطن، ولم تُستكمَل تلك المحاكمة، ولم تُقفَل نهائياً، إنما أُبقيَ عليها كتهديدٍ لا يزول. لم يتحمس له ناشرٌ يونانيٌّ واحد فعانى من صعوبة نشْر كتبه داخل اليونان، واضطر، هو عاشق اللغة اليونانية، إلى الكتابة بالفرنسية نظراً لتوافر ثلاثة ناشرين فرنسيين لديه. ومبكراً، قبل ظهور رواياته الكبرى في الوجود، كان قد كتب العديدَ من الكتب الأخرى والمسرحيات، فسعى، نوعاً ما، إلى الترشُّح للفوز بجائزة نوبل، طمعاً في الثروة المضمونة بها، لا من أجل المجد الأدبي والشهرة. وبعد انتشار رواياته لقي تكريماً من النرويج، التي رشَّحه أدباؤها بالإجماع، وهو في التاسعة والستين، لنيْل جائزة نوبل، ووافقت سلطاتُها على منحه جواز سفر نرويجي حين تعنّتت سلطاتُ اليونان في تجديد جواز سفره، بل وافقت على منحه الجنسية النرويجية إذا هو طلبها، وعلى التكفُّل أيضاً بمتطلبات علاجه. وفي سنة 1956، مُنِح بإجماع الأصوات، بل بإلحاحها، جائزة اللجنة العالمية للسلام، ورُفِضت محاولتُه في التنحّي عن قبولها كيما يوفِّرها لغيره؛ ربما لصالح أي شيوعي يكون قد لقي الويلَ في كفاحه لإقرار السلام، ويكون أجدر منه بها.

تخوَّف من كتابة الرواية متوَّهِما أنْ ليس لديه الصبر الضروري لذلك، وظل يعتقد بأنه قد وُلِد ليكون كاتباً مسرحياً، وبأنه لا يستطيع «الكتابة على غرار “أنَّا كارينينا”»، فلم يكتب -على الأرجح- قصصاً منذ قصته الطويلة الأولى «الثعبان والزنبقة»، التي كتبها سنة 1906 أثناء دراسته الجامعية، وتنصَّل منها لاحقاً، إلى أن حلَّت سنة 1941، وبينما الحرب العالمية في عصْفِها وهوْلِ مجاعتها، بدأ نيكوس في كتابة رواية «زوربا»، وهو في الثامنة والخمسين؛ مستلهِماً “جورج زوربا” الشجاع، الحقيقي، هذا الذي أُعطي في الرواية اسم “أليكسيس زوربا”، والذي لا يخشى إلهاً ولا موتاً، ويفضِّل أن يكون موتُه عنيفاً؛ ممزّقاً بين أنياب ذئابٍ ودِببة؛ ويرتعب فقط من الشيخوخة، التي تُفقِد المرءَ حريتَه وتضطره إلى قبول ما يكره. في سنوات عمره الأخيرة ازدادت لهفتُه على العمل، وشملته الغبطةُ من تعب الكدّ، فتتالت رواياتُه الكبرى، وواتته خصوبةٌ عارمة، فكان ما إنْ ينتهي من كتابة رواية حتى تتدافع إلى سِنِّ قلمه روايتان أو ثلاث فيشرع فوراً في الكتابة، وازدحمت رواياتٌ وكتبٌ أخرى داخل عقلِه ووجدانِه، متسارعةً فيما بينها لأجل الخروج من داخله، ولم يسعفه مرضُه ولا شيخوختُه في الإبرار بها جميعاً، ومات وهو يشعر بأنه لا يزال ممتلئاً بالقدرات والرغبات والكتب الكامنة في داخله. في سنته الخامسة والستين؛ بدأ في كتابة «المسيح يُصلَب من جديد»، ثم في «الإغواء الأخير»، وفي السادسة والستين أنهى المسودةَ الأولى من «الأخوة الأعداء» وبدأ في «الحرية أو الموت» (بعنوانها الأول؛ «الكابتن ميخاليس»)، وفي الثامنة والستين أنهى «الإغواء الأخير»، وفي التاسعة والستين بدأ «فقير الله فرانسيس الآسيزي»، وقد ظلَّ أثناء مرضه يكتبُها في قلبه، ويُهلْوسُ بمقتطفات منها، وأتمَّ نَسخَها على الورق وهو في الحادية والسبعين، ثم بدأ في «تقرير إلى جريكو» وانتهى منه وهو في الثالثة والسبعين، وقد آثر أن يختتم كتاباتِه قاطبة بتلك الرسالة الوافية عن حياته إلى “إل جريكو”، الفنان الذي وُلِدَ في كريت باسم “دومينيكوس ثيويوكوبولوس”، ونزحَ من اليونان إلى إسبانيا، والذي حَلُمَ نيكوسُ بزيارة لوحاته ومثواه في طُليطلة، وكان هو مُرشِده وقدوته ومِثاله، ومُحِبّاً أيضاً لليهود من قَبله. إبّان ذلك حظي كازنتزاكيس بالألق السامي بين القراء في أرجاء العالـم، وبات هانئ الخاطر على الرغم من فورة كهنة الدين عليه واضطهادهم له بسبب تأويلهم الجائر لمحتويات كتبه، واعترفت به أوربا وترجمت أعمالَه، وكثُرت ألقابُه ككاتب ذي أعمال عديدة رفيعة، وأظنُّ أن أحبَّ تلك الألقاب إليه هي أنه صاحب الأوديسة الجديدة.

استوفى السماويُّ، ابنُ التراب، أيامَه؛ هو الذي توقَّع في سنة 1929 أن يعيش حتى سنة 1969، ثم عاد في سنة 1933 فاسترقَ التنبؤَ بأنه سيعيش حتى مارس 1966، غير أنه مات في فرايبورج بألمانيا يوم 26 أكتوبر 1957؛ بعد ثلاثة أيام من إعلان اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب، وكان منه لحظتذاك أنْ أبدى رضاءَه وأنعشَ جسدَه وبَارَحَ فراشَ المرض الثخين حتى يُملي، بحيوية، على هيلين، برقية تهنئته السَّارّة إلى الفائز ألبير كامي، ولم يكن من صَدْعٍ يومذاك يُوهِنُ سلامَه، وما من صدع. «لا أخشى شيئاً، لا آملُ في شيء. أنا حُر.» ذلك هو شعاره المختار، عن الجسارة والاستغناء، وقد أراده نهجاً لحياته، ومبدأً يكْرُزُ به، ونقشاً يُنحَت في الختام على شاهِدة قبرِه. أحبَّ نيكوس شهرَ أغسطس، الذي دارَ عليه أكثر من سبعين دورة، ولقد أحبَّه إلى حدِّ أنه تفكَّر في تطويبه كقديس! مثلما أحبَّ كوميديا دانتي الإلهية، فلازمته في كل سفرٍ وفي كل إقامة، وعساه متمدداً الآن في قبرِه، يتصفّحُ نسختَه منها، بين آنٍ وآخر، ويُطالع فيها الأبياتِ التي توافق مزاجَه وتروقه في يومِه وساعتِه.))

“شجرةُ نَبق تحت البروج”- “دار أزمنة” الأردن

 * من صفحة المبدع عاطف سليمان على الفيسبوك