حاتم الأنصاري
(1)
سبتمبر 1642، وكينونة رطبة عزلاء تشهر صرخة ميلادها الجديد في وجه المحيط بعد أن وُصِمَتْ بعنوان السلالة الفرنسية الموغلة في تهويمات الفراهةِ؛ استشرافًا لتَرتيلَةٍ من هجائنَ تقتات على بذورٍ مختلفة الألوان والموائل، بذورٍ موشومة بالأغلال شُحِنَت في غيهب القَسْرِ على متون مواخرَ تتهادى كنَحيب..
بعد أن أُعلن عن ضم جزيرة بوربونl’île Bourbon ، التي كانت أرضا بكرا حتى ذلك الحين، إلى ممتلكات ملك فرنسا عام 1642، حطَّت أول شحنة من العبيد رحالها على أرض الجزيرة عام 1687. جاء هؤلاء العبيد من أراضٍ شاسعة: من مدغشقر وأفريقيا وشبه القارة الهندية. بعد تقنينها من خلال إجازات التملك Lettres patentes، المحررة عام 1723 (المعادل المحلي للقانون الأسود Code Noir)، تَمَأسَسَت السلوكيات التي تحكم الخصومة الاجتماعية-العرقية بين الأسياد والعبيد. في عام 1779، قبل أن تصل أولى الشائعات الثورية والمناهضة للعبودية إلى هذه المستعمرة البعيدة، بلغ إجمالي عدد السكان 37120 نسمة، بنسبة شخص واحد أبيض إلى ما يقرب من خمسة سود. جسّد الأبناء غير الشرعيين والأحرار من ذوي البشرة الملونة تناقضًا متناميًا داخل إطار هذه المنظومة الثنائية، التي صانت وجودها من خلال تكريس التمييز على أساس اللون(1).
(2)
يناير 1794، وتدشين عملية فرز البذور..
بين عامي 1794 و1848، شرع مُلاك الأراضي، في ضوء التمثيلات التي اصطنعوها عن “الأمزجة العرقية”، في توزيع التخصصات وفقًا لـ”المزايا والعيوب” التي نسبوها إلى “الأعراق” المختلفة. وبما أن الكافير Cafres [أو الكاف، مصطلح كان يُطلق على كل من ولد في جزيرة بوربون من أصول أفريقية، وهو مشتق من المفردة العربية “كافر”؛ والتي كان تحيل إلى السود في شرق أفريقيا على وجه التحديد- الكاتب] كانوا يُعتبرون أكثر “خضوعًا” و”سلبية” و”طواعية”، وأشدّ صلابة في الوقت نفسه، وبالتالي أقرب إلى الطبيعة “الوحشية” التي تُروّض بالشغل، فقد اختيروا لأداء أشق المهام في المصانع والشغل الحقلي. أما الملغاشيون (أبناء مدغشقر)، فقد كُلّفوا بأداء مهام النقل وتفريغ البضائع. وبما أنهم كانوا “دهاةً” و”شديدي البأس”، واشتهروا بالهروب والأبوق، فقد خافهم المستوطنون بشكل خاص وفضّلوا “الأفارقة”. أما الهنود، وإذ استفادوا من تحيزات وتمثيلات أقل سلبية، لا سيما بسبب قلة أعدادهم في ذلك الوقت، فقد تم تكليفهم بأنشطة تُقرّبهم من أسيادهم، مثل الخدمة المنزلية والطبخ والبستنة (…) في عام 1847، بلغ إجمالي عدد الشغيلة بالسخرة في جزيرة بوربون 6508 شغيلة: منهم هنود، وصينيون، وأفارقة، وكريولون سود. مع ذلك، ظلت القوى الشغيلة الحرة قليلة جدًا مقارنةً بعدد العبيد (65915 عبدًا)(2).
(3)
ديسمبر 1848، وبوربون، بعد بونابرتيةٍ وجيزة، استحالت إلى ريونيون: لا عبيدَ بعد الآن، ولا بدّ من توفير بذورٍ أخرى إضافية..
بدأت موجة استيطان ثانية عام 1848، مع إلغاء العبودية (…) ولتلبية الاحتياجات الفورية للشغل في المزارع، وظّفت السلطات الفرنسية بين عامي 1848 و1860 ما يقرب من 65,000 شغيل أجنبي، معظمهم من أفريقيا والهند. يُشكّل أحفاد العبيد الأفارقة والملغاشيين والشغيلة بالسخرة جماعة الكاف، وهي جماعة تختلف عن تلك المعروفة باسم مالبار، أي أحفاد الشغيلة بالسخرة الهنود، المنحدرين أصلاً من منطقتي مدراس ومالابار. هؤلاء الشغيلة “الأحرار”، الذين تم توظيفهم بموجب عقود مدتها خمس وعشر سنوات على التوالي، واجهوا عمليًا ظروف عمل ومعيشة مماثلة لتلك التي سادت قبل عام 1848. وبالتالي، يظل نظام الشغل بالسخرة هذا، الذي انتهى عام 1933، في نظر العديد من المؤرخين، نظام عبودية مقنعًا (3).
(4)
يونيو 1976، ومرور أكثر من ثلاثين عاما على إقرار نظام التقسيم الإداري، ولكن السجال لم يزل على أشدّه بين اليمين المحافظ الحاكم من جهة، والتنظيمات اليسارية -وفي مقدمتها الحزب الشيوعي الريونيوني PCR المنادي بالاستقلال عن فرنسا- من جهة أخرى..
بطبيعة الحال، لم تقف الموسيقى مكتوفة الإيقاع حيال استقطاب كهذا؛ فالسجال ثقافيٌّ في صميمه..
حتى ستينيات القرن الماضي، كانت الموسيقى الريونيونية تُمثَّل بشكل أساس، إعلاميا ورسميًا، من خلال موسيقى السيغا séga (موسيقى كريولية تُعزف على آلات حديثة) وذخائر الرقص الفلكلوري. وكما هو الحال اليوم، لم يكن للسيغا أي دلالة عرقية أو مجتمعية حقيقية؛ بل كانت تندرج ضمن جملة من الممارسات، ولا سيما الرقصات وبرامج المواهب الإذاعية، التي كان من المرجح أن تصل إلى جميع الطبقات الاجتماعية في ريونيون. أما المالويا maloya، فقد ارتبطت بشكل أوضح بشغيلة مزارع قصب السكر، وأحفاد العبيد والشغيلة بالسخرة من ذوي الأصول الأفريقية والملغاشية، وبدرجة أقل، الهندية. كان لها حضور إعلامي ضئيل للغاية، ولم تكن موجودة إلا بشكل غير مباشر وحكائي في المجال العام. كان وجودها في ذلك الوقت مجتمعيًا وعائليًا في المقام الأول (…) في سبعينيات القرن الماضي، اتخذ الحزب الشيوعي الريونيوني PCR من المالويا رمزًا موسيقيًا له. أصدر الحزب تسجيلين للمالويا خلال مؤتمر الحزب عام 1976. ومنذئذ، بدأ تنافس واضح إلى حد ما على التمثيل بين السيغا والمالويا، والذي اشتد مع اكتساب الحزب الشيوعي حضورًا سياسيًا ودخول المالويا إلى المجال العام. في خطابات النشطاء اليساريين المتطرفين، أصبحت السيغا رمزًا للاستيعاب الثقافي والكياسة، بل وحتى للتواطؤ مع السلطة الإدارية (وما حملته من أيديولوجيا استعمارية جديدة)، بينما مثّلت المالويا المقاومة الثقافية، والريفية، وصوت الفقراء، وإحياء “شعب ريونيون”(4).
(5)
أكتوبر 2009، واليونسكو تعلن عن إدراج “المالويا” ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية بناءً على طلب مقدم من الجمهورية الفرنسية. صحيفة تموانياج Témoignages، المقربة من الحزب الشيوعي الريونيوني، تزف النبأ لقرائها في مانشيتها الرئيس:
“بعد 33 عامًا، “يا شعب جزيرة ريونيون، يا شعب المالويا”. انتصار جديد لمعركة ريونيونية: المالويا من جزيرة ريونيون في التراث العالمي”(5) .
ولكن، لماذا يخالج اللوم ضمير غيوم سامسون Guillaume Samson، الأكاديمي المتخصص في علم الموسيقى الإثنية، حينما يستحضر هذا الاحتفاء وإسهامه الشخصي في تكريس المالويا عالميًا بوصفها الفن المعبر عن الثقافة الريونيونية؟
كان الملف الذي سلمته الدولة الفرنسية إلى اليونسكو قد أُعِدّ وحُرّرَ خلال العام 2008 على يد الفريق العلمي التابع لدار الحضارات والوحدة الريونيونية (MCUR)، وهي مؤسسة متحفية كان يموّلها آنذاك المجلس الإقليمي لجزيرة ريونيون، والمركز الإقليمي للموسيقات المعاصرة (PRMA) في جزيرة ريونيون. وبما أني كنت أعمل في المركز الإقليمي للموسيقات المعاصرة، فقد طُلب مني في مايو 2008، أثناء عملي الميداني في موريشيوس، توثيق بعض الجوانب العلمية للملف. قمتُ بذلك طواعيةً قبل استئناف أبحاثي بسرعة. في المركز الإقليمي للموسيقات المعاصرة، شارك مسؤول التراث أيضًا في تحرير الملف، الذي قام فريق دار الحضارات والوحدة الريونيونية بمراجعة نسخته النهائية وتصحيحها. عندما علمتُ بعد عامٍ بإدراج المالويا ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، شعرتُ بشيء من الرضى عن فكرة المساهمة، ولو بشكل متواضع، في إنجاح طلب الإدراج والاعتراف بواجهة مهمة من واجهات التراث الريونيوني الموسيقي. ولكن، إزاء الزخم الذي اكتسبه قرار الإدراج هذا في ريونيون وإزاء السجالات الحادة التي أثارها، برزت سلسلةٌ من التأملات والتساؤلات حول الأثر الذي يمكن أن يخلفه هذا التصنيف على التنوع الموسيقي والحياة الثقافية في الجزيرة، مما خفّف بشكل كبير من حماسي الأولي (6).
***
لم يكن سامسون سوى صوت واحد بين مئات الأصوات التي انخرطت في الجدال الساخن الذي ثار على خلفية إعلان اليونسكو المذكور داخل الأوساط الثقافية والاجتماعية في ريونيون، جدال لم يقتصر فحسب حول مدى أحقية المالويا بتمثيل الموسيقى الريونيونية على إطلاقها، بل امتد ليفرز استفهامات معقدة حول مفاهيم الهوية، والانتماء، واللغة، والثقافة، والجماعة والمجتمع كذلك.
وإذا كان سامسون نفسه يرى أن إحدى فضائل الاستذكار الثقافي وإحياء التراث تتمثل في اتسامهما بالإشكالية؛ إذ يغدوان كاشفين للتوترات الاجتماعية والثقافية(7)، فإن الكتابة الجارية بدورها تنشغل بتوترات ذات صلة، بالنظر إلى تعلّقها بمحدداتٍ مُدْغَمةٍ في صميم مشروع تَشَكّلِ الكينونة المعنيّة هُوَويَّا، وفي خِضمّ تعريفها اجتماعيًا وثقافيًا وإبداعيا.
تتمثل المحددات التي تفترضها هذه الكتابة بداية في الجُزُرية بوصفها، أولا، “كل ما يُشكل جزيرةً… [بما في ذلك] أيّ شكلٍ مُحددٍ من التنظيم السياسي، والتعبئة السياسية، والفكر السياسي”، خاصٍ بتجربة الجزيرة (8)؛ ما يعني بالتبعية “عدم إمكانية أن تكون هناك جزريةٌ عالمية”(9). وبوصفها، ثانيا، مفهوما إشكاليًا، من جهة أن “الجزر المعزولة ليست معزولة في واقع الأمر (10)، وأن “التواصل، لا العزلة، قد يكون المفتاح لاستيعاب هذا المفهوم”(11). وبوصفها، ثالثا، “صِغَرًا”(12)، وبوصفها، رابعا، تجسيدا للاستقرار الثقافي النسبي(13). وبوصفها، خامسا، مجلّىً لإدراك الاختلاف والشعور بالتفرد(14).
تلي ذلك الكريولية بوصفها، أولا، خلقًا متواصلا متأصلاً في الصميم الإيتمولوجي لمصطلح “كريول”، كما سيتضح لاحقا. وبوصفها، ثانيا، مرادفًا للتعددية و”سيرورة دمج وتمازج لعناصر ثقافية متنوعة من مختلف أنحاء العالم”(15)؛ سيرورة موئلها القسر وجوهرها التأقلم وديدنها التباين. وبوصفها ثالثا، “ديناميكية عملية غير مُنجَزَة ومعرضة للطفرات والفقدان، لا تراكمًا أو احتشادا للاختلافات”(16). وبوصفها، رابعا، لغةً من شأنها أن تجسد تكيفًا براغماتيا، وإن كان “تكيفًا يقاوم التماهي مع اللغة السائدة، وذلك من خلال الحفاظ على عناصر من قواعد اللغة والنحو الأفريقية [أو أيًا كانت]، وتزويد متحدثيها بوسائل التعبير عن هياكل السلطة”(17). وبوصفها، خامسًا، وحين حملها على الجزرية، “موقعًا لتقاطعات وتقاربات متعددة لا تُنتج الشعورَ الراسخَ بالارتباط بالمكان الذي قد يُعبّر عنه سكان الجزر الأصليون، ولكنها، مع ذلك، تُنتج جذورًا، وإن كانت جذورًا غواصة… تطفو بحرية، غير ثابتة… بل تمتد في جميع الاتجاهات في عالمنا”(18).
ينضاف إلى هذين المحددين محدد ثالث، لنُسَمِّه مَهنَنة الذاتية: اختزال التعريف الوجودي الذاتي في المهنة/الشغل. إنها الخاصية التي وسمت مجتمعات الجزر-المزارع بوجه عام؛ حيث ظل التعريف الأوليّ لغالبية سكانها، حتى بعد إلغاء العبودية، متمحورا حول دورهم كشَغّيلة/مزارعين(19). إن المزرعة والشغل يفيضان خارج سياقهما الأصلي، بوصفهما مكانًا (المزرعة) ودورًا (الشغل/الزراعة)، ويتقاربان من أجل “إنتاج شعور بالوجود”(20). الواقع أن محورية (الذات المُمَهْنَنَة) في هذا السياق تحديدا ناجمةٌ عن زعم يقول بنفي الوشيجة السببية المباشرة بين الجزرية والكريولية، ويعزو مكمن الصلة بين هذين المحددين إلى واقع الاستعمار الزراعي، عبر افتراض أن استجلاب القوة الاستعمارية للأيدي الشغيلة (الرقيق/الشغيلة بالسخرة) من بقاع مختلفة ومتنائية حول العالم من أجل الشغل في المزارع كان السبب وراء ظهور الكريول اجتماعيًا وثقافيًا داخل تلك المساحات الجزرية المحددة(21).
إذن، تفترض هذه الكتابة أن المحدِّدَين ذوَي الكُنْهين الجغرافي (الجزرية) والثقافي (الكريولية) يندغمان في المحدد ذي الدافع الاقتصادي (المَهنَنَة)، ولا يني هذا الاندغام يتشكّل من الواقع التاريخي والسياسي ممثلا أساسًا في (الظرف الكولونيالي المستدام) للكينونة المعنية، كما لا يني يتشاكل معه. بطبيعة الحال، لم تزل تُحايثُ تلك العملية، على المستوى الهُوَوِيّ-الثقافي، تفاعلاتٌ تَؤول غالبًا إلى توترات تراوح بين تَمَظْهُرات الاختزال المجاوز، أحيانا، حدّ الأيْقَنَة، وتجلّيات الانتحال الغافل، كثيرا، عن سرديات التأصيل.
يجدر بنا، أولا، أن نساور تلك المحددات، واحدًا واحدًا، من جهة علاقتها التكوينية بمشروع تعريف الكينونة المعنية على خلفية الظرف الكولونيالي المستدام، قبل الشروع، ثانيا، في مقاربة التفاعلات والتوترات المحايثة ببعض تجلياتها وتمظهراتها الاختزالية والانتحالية..
أولا: الجزرية/الكريولية/المَهْنَنَة: محددات هُوَويّة مفترَضَة على خلفية الظرف الكولونيالي المستدام
1. الجزرية
مع صرف النظر عن كون الجُزُرية مفهومًا مُتنازعًا عليه بين التخصصات والثقافات(22)، يمكن استكناه بعض الملامح العمومية التي تَسِم جُزُريّة ريونيون على وجه التحديد.
تمثل الجُزُريّة الريونيونية خصوصية متضمنة داخل الخصوصية التي تميز التجربة الجُزُرية بوجه عام. لا يتعلق الأمر بخصوصية جغرافية (بوصف ريونيون، برغم وقوعها في الرف القاري الأفريقي، واحدة من أبعد جزر القارة عن برها الرئيس)، أو جيولوجية (بوصف ريونيون جزيرة بركانية نشأت قبل نحو 3 ملايين عاما)(23)، أو جيوبوليتيكية (بوصف ريونيون البقعة الوحيدة ضمن الرف القاري الأفريقي، جنبا إلى جنب جزيرة مايوت القُمُرية، اللتين لم تزالا تخضعان للإدارة الفرنسية في إطار ما يعرف بأقاليم ما وراء البحار France d’outre-mer)(24). كما لا يتعلق الأمر حتى بخصوصية ثقافية، بقدر ما يتعلق بخصوصيةٍ أنطولوجية.
وفق منظور مركزي-بشري anthropocentric، لم تدخل هذه الكينونة العزلاء حيز الوجود الفعلي إلا في القرن السابع عشر، إذ ظلت -كما سلف الذكر- أرضا بكرا لم تعرف الاجتماعية الإنسيّة قبل ضمها إلى ممتلكات ملك فرنسا عام 1642. يحيلنا ذلك، أولا، إلى فرادةٍ نادرةٍ تتمثل أساسًا في انتفاء جدلية السكان الأصليين/السكان الوافدين التي لا تني تبذل نفسها، في بقاع شتى حول العالم، كميدان لسجالات هُوَوية وسوسيو-سياسية فاصلة؛ إذ لا يزال غياب الماضي الأصلي، بحسب الباحث لورون ميديا Laurent Médéa ، “يميّز، حتى اليوم، التقصي الهووي لدى المجموعات التي أسست مجتمع ريونيون”(25). كما يحيلنا، ثانيا، إلى ما يشبه تجربةً كروزويّةً جماعيةً خاضها المستعمر وأخلاط الثقافات التي حطّت رحالها في الجزيرة مع وصول أول شحنة من الرقيق عام 1687 (كما سلف الذكر أيضا).

خريطة تبين موقع جزيرة ريونيون حيال مدغشقر والبر الأفريقي الرئيس (المصدر: www.britannica.com)
أما ثالث الحقائق التي تحيلنا إليها الملاحظة السابقة فتتصل بإشكالية العزلة الجزرية. إن جزيرة ريونيون، الواقعة في المحيط الهندي (إلى الشرق من جزيرة مدغشقر، والتي تفصلها عنها مسافة تناهز الـ700 كيلومتر)(26)، قد تعد ابتداءً أنموذجًا مثاليًا للعزلة من المنظور الجغرافي، حيال الكتل الجغرافية القارية بوجه عام وحيال البر الأفريقي الرئيس على وجه التحديد (كما يظهر في الخريطة أعلاه). غير أن الجزيرة نفسها قد لا تعدّ كذلك، من المناظير السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيال المحيط الأوروبي والغربي على وجه العموم.
تمتلئ عبارة “إن الجزر المعزولة ليست معزولة في واقع الأمر” بمعناها الحرفي حينما يتعلق الأمر بمساورة الجُزُرية الريونيونية، والتي يمثل الانفتاح، بضُرُوبه المختلفة، مفتاحًا أساسًا لقراءتها: فمنذ دخولها المُرَسْمَنِ إلى حيز التاريخ الإنساني قبل نحو أربعة قرون، وجدت هذه الكينونة العزلاء نفسها وقد سبقت العديد من بقاع البر الأفريقي الرئيس إلى الاتصال بالحداثة الغربية في كثير منذ تجلياتها، وإن ظلت ترزح تحت وطأة البيئة الكولونيالية “المتخلفة” حتى إقرار نظام التقسيم الإداري للمستعمرات الأربع (المارتينيك، الغوادلوب، غيانا الفرنسية، ريونيون) في 16 مارس 1946، وهو النظام الذي طرحته الدولة بوصفه سياسة تنمية ومساواة مع فرنسا القارية(27). لقد أفضت هذه الخطوة، في واقع الأمر، إلى تنمية اجتماعية واقتصادية ملحوظة، لا سيما على صعيد البنية التحتية، لتتحول ريونيون فجأةً إلى كيانٍ متطور إلى حد كبير مقارنةً بالكيانات الأخرى في محيطها الجغرافي(28).
كما يتمظهر انفتاحٌ ما، برغم جبريةٍ عتيدةٍ كامنةٍ في جذوره، في ذلك الاحتضان المُطّرد للملل والنحل على اختلاف ألوانها وموائلها: انفتاحٌ قسريُّ الأساس حيال الإنسانيّة برمتها هذه المرة. ولعل تعددية الخلفيات العرقية والثقافية (وما تنطوي عليه، مثلا، من غيابِ قوميةٍ أغلبيةٍ من شأنها إثارة القلاقل)، كانت العنصر المُيسّر لتكريس هذه الكينونة امتدادًا سياسيًا واقتصاديًا وشبه اجتماعيٍّ (أبديًا، ربّما) لفرنسا القارية. يضاف إلى ذلك، بطبيعة الحال، البكارة والانعزالية. غير أن ثمة عنصرا آخر يعد بمنزلة المكمل لثلاثة العناصر هذه. يتمثل هذا العنصر في الصِغَر.
عادة ما يستخدم مصطلح الجُزرية للدلالة على الصِغَر(29)، ومع غض النظر عما قد يخالج ذلك الزعم من اعتراضات، يظل الصِغَر عاملا محوريا في تسليس القياد وفرض النفوذ، فضلا عن تقليص المسافة بين الحاكم والمحكوم(30). يسري هذا بامتيازٍ على حالة ريونيون، بالنظر إلى مساحتها التي بالكاد تتجاوز الـ2500 كيلومتر مربع، وتعداد سكانها الذي لم يتخط، حتى الآن، المليون نسمة (بلغ تعداد سكان جزيرة ريونيون، في يناير من العام 2025، 896.175 نسمة فقط)(31).
وإذا كان الأنثروبولوجيون لطالما قد نظروا إلى الجزر الصغيرة بوصفها حاضنات طبيعية للتطور الثقافي(32)، فإن الجزرية بوجه عام تنطوي، كما يُزعَم، على استقرار ثقافي داخلي قوي مقارنة بالقاريّة(33). كما أن الجزر عادة ما تعد بمنزلة مستودع للسمات الثقافية القارية التي ضعفت أو اختفت(34). لا تمثل ريونيون استثناء هنا، لا سيما في ظل التنوع اللافت لتركيبتها العرقية (من ملغاشيين/ أفارقة زنوج/ هنود/صينيين/فرنسيين/برتغاليين ..إلخ)، الأمر الذي لربما استدعى من كل قومية، وتحديدًا خلال البدايات، التشبث بثقافتها الأصلية إزاء كرنڤال الأجناس هذا.
بحسب لورون ميديا، ظلت المجموعات العرقية المختلفة في ريونيون، بعد جيلين من الاستيطان، تتعايش دون أي تبادل ثقافي عميق، و”إن تشكلت بعض الزيجات المختلطة بين العبيد الملغاشيين والأفارقة وبعض الهنود”(35). فقد كان مجتمع تلك الكينونة، ولم نزل مع ميديا، “مجتمعا ذا خصائص متعددة، ولكن بلا مجتمع تعددي”(36).
لعلنا إزاء تجلٍّ من تجليات الهوية الدفاعية defensive identity أو حتى الانفصال separation الذي تناوله جون بيري John Berry في معرض تفصيله لنموذج التثاقف acculturation المقترح لتصنيف استراتيجيات التكيف، إذ أشار إلى أن الانفصال “يحدث عندما يرفض الأفراد الثقافة السائدة أو المضيفة لصالح الحفاظ على ثقافتهم الأصلية (….) وغالبًا ما تُسهّل الهجرة إلى المناطق العرقية المنعزلة هذا الخيار”(37).
يتصل بتلك العزلة المزدوجة أن يُنظر إلى جميع سكان الجزر على أنهم -حتى وإن كانوا يرون في البحر رابطا لا مفرّقًا(38)- يدركون اختلافهم، وأن شعورهم بالتفرد جانبٌ مهمٌ من هويتهم الجزرية(39). لنتوقف قليلا، قبل أن نتحول إلى مساورة مستفيضةٍ على نحو مستحقٍ للمحدد الثاني، أمام الكلمات الشجينة التالية:
“ماذا يعني أن تكون “ريونيونيًا” في عالم اليوم؟ (…) هل يعني “أن تكون ريونيونيًا” أن تكون وارثًا لتاريخ مشترك معقد؟ هل يحمل إرثًا مشتركًا ذا مصادر متنوعة؟ معقدٌ أصلًا، لأنه دائمًا ما يكون متناقضًا أو مزدوجًا. وهكذا، فإن وجودنا لا ينفصل عن الاستعمار، وحركاته، وأحلامه، ولكنه أيضًا لا ينفصل عن ألمه وعنفه. ألم المنفى الاختياري، لمن حلموا بحياة أخرى، بعالم جديد، أو المنفى القسري، للعبيد تحديدًا، ولكن أيضًا “للمتطوعين الزائفين” القادمين من جميع الآفاق… متناقض أيضًا لأنه يجعلنا من هنا ومن مكان آخر في آن واحد. الجزيرة هنا، متجذرة في هذه الأرض التي ابتكرنا فيها، من خلال الهجرات وضمن إطار سياسي فرنسي “أجنبي”، طريقتنا الخاصة في العيش معًا، بل وفي النظر إلى العالم أيضًا، وفي الكلام، وفي التفكير، وفي الحب والكراهية، وفي الضحك، وفي الأكل (…) أسلوب حياة “مُصمم” على غرار “مدينة أوروبية كبرى”، بينما جزيرتنا راسخة في حوض المحيط الهندي، تحمل في طياتها ذكريات وتاريخًا ولغات”(40).
2. الكريولية
تأثيليًا، يكمن الخلق في صميم “الكريول”؛ لمّا كانت المفردة الإسبانية (criolo) مشتقة من الفعل criar “يُنشِئ، يربي”، والذي اشتق بدوره من الفعل اللاتيني creare “يخلق، يبدع”(41).
يتجلى ضرب من فيضيّة الخلق وسيرورته في مسيرة تطور المصطلح نفسه، بل وفي تعدد دلالاته وتعريفاته، إذ يتمتع الكريول بتاريخٍ غنيٍّ ومتنوعٍ يمتد إلى القرن السادس عشر(42). كان مصطلح كريول، في بادئ الأمر، يحيل إلى أبناء أسلاف العالم القديم الذين وُلدوا ونشأوا في العالم الجديد(43)، وهو ما يتماشي مع التعريف الأول الوارد لمفردة créole في معجم لاروس Larousse الفرنسي: “شخص من أصل أوروبي ولد في مستعمرات المزارع الأوروبية السابقة (جزر الهند الغربية، غيانا، ريونيون، إلخ)”(44).
بمعنىً أوسع، استُخدم مصطلح كريول للإشارة إلى تقاليد المستوطنين الفرنسيين والإسبان الأوائل في بلدان ساحل خليج الولايات المتحدة الأمريكية(45). ولكن من الضروري التنويه بأن الإرهاص الإسباني بالمصطلح لم يحل دون اكتسابه صدىً خاصًا في العالم الاستعماري الفرنسي(46).
مع صرف النظر عن الدلالات السلبية التي كان يحملها الكريول في البداية، إذ كان يُعتقد أن الهجرة إلى بيـــــــــــــــئةٍ بعيــــــــــــــدةٍ تُحوّل الأوروبييــــــــــــــن إلى نوعٍ مختلفٍ من البشر(47)، فإن المصطلح قد بات، لاحقا، يُطلق على جميــــــــــــــــع السكــــــــــــــان الأصلييــــــــــــــــن في المستعمرات من ذوي سلاسل النسب المُغايرة، “سواء أكانوا بشرًا أم حيـــــــــــــــــــــوانات أم نباتات”(48)(!!). يعيدنا ذلك ثانية إلى معجم لاروس، والذي يضـــيف (امتدادًا تعريفيًا) لـ créole مفاده: “أي شخص من سكان هذه المناطق (جزر الهند الغربية، غيانا، ريونيون، إلخ)، مع غض النظر عن أصوله”(49).

لوحة للفنان الإيطالي أغوستينو برونياس تصور امرأة كريولية من أصول أوروبية في جزر الهند الغربية (ثمانينيات القرن الـ18 تقريبا)
ذلك يعني أن مفردة “كريول” قد باتت تومئ أيضًا إلى العبيد السود، ولكن ليس كل العبيد السود:
كانت وثائق مزارع القرن الثامن عشر، التي تُدرج العبيد المشتغلين في ضيعةٍ أو ملكية لمالك عبيدٍ مُعين، تميز بين “الأفارقة” و”الكريول”: توقف الأمر كثيرا على مدى “تأقلم” العبد مع الظروف المحلية، ومدى تأقلمه مع الظروف القاسية وطقوس حياة المزرعة. كان “الأفارقة” هم العبيد الذين وُلدوا في أفريقيا ونُقلوا إلى المستعمرات؛ أما “الكريول” فكانوا عبيدًا وُلدوا في الإقليم أو الجزيرة، ما يعني أنهم “سكانهـ/ـا الأصليون”(50).
ينطبق الأمر ذاته على ريونيون، حيث كان مصطلح “كريول” في أول الأمر يحيل إلى العبيد الأفارقة الملغاشيين المولودين في مستوطنات الجزيرة، والذين فضّلهم أسيادهم على أولئك المولودين في أفريقيا ومدغشقر، لكونهم “مُغرَّبين ومسيحيين”(51).
أما على المستوى اللغوي، فقد بات مصطلح “كريول” يُطلق على اللغات المختلطة، أو النسخ غير القياسية من لغة “مقبولة”، ابتداء من أواخر القرن السابع عشر فصاعدا (52). وبوجه عام، يجادل ستوارت هول Stuart Hall بأن مفهوم “كريول”، في سياق البحر الكاريبي مثلا، لم يكتسب المعنى الأكثر تحديدًا ومعاصرة، وهو “الاختلاط العرقي”، إلا في وقت متأخر(53). ولكن هول وإذ يؤكد أن المصطلح لم يزل يحمل دلالة قوية، فإنه يشير إلى أن هذه الدلالة:
تظل مراوغة جدا، إذ يبدو من المستحيل تجميد هذا المصطلح في معناه، أو منحه أيَّ نوعٍ من الدلالة العرقية الثابتة أو الدقيقة (54).
في مقدمة الكتاب المهم الكرولة: التاريخ، الإثنوغرافيا، والنظرية Creolization: History, Ethnography, Theory، يزعم تشارلز ستيوارت Charles Stewart أن مجتمعات الأمريكتين تحديدًا، وخلال الفترة التي سبقت الاستقلال:
استحوذت على عملية الكَرْوَلَة creolization وأعادت صياغتها كعملية أكثر نجاحًا تُنتج ثقافات وقدرات فردية مميزة عن تلك الموجودة في العالم القديم، وربما تفوقها(55).
تدفعنا ملاحظتا هول وستيـــــورات الســـــابقتان إلى التمـــــــعن في الكَــــــــروَلَة/التَكَرْوُل بوصـــــفها “عملية دمج وتمازج لعناصر ثقافية معينة” اتخذت مسارات ووتائر تباينت تبعًا لتباين الظروف والسياقات، بل وتبعًا لتنويعة العناصر الثقافية نفسها داخل هذه السياقات.
حينما أشارت سوآن جي. ويت SueAnn G. Waite إلى أن مصطلح “كريول” في ريونيون، وخلافا لما هو الحال عليه في كل من موريشيوس وجزر غرب أفريقيا، يُستَخدَم “بوصفه مرجعيةً ثقافية”(56) لا مرجعية عرقية، لم تكن تحيل، فقط، إلى التوظيف الراهن لذلك المصطلح في الكينونة المعنية للإشارة إلى كل من وُلد على أرضها أيًا كانت خلفيته العرقية(57)، بل كانت تومئ أيضا وأساسًا إلى تلك الخصوصيات التي تَسِم عمليات الاستحواذ المذكورة آنفا، أو بالأحرى، ومجددًا، إلى ذلك الخلق الدائم الكامن في صميم المفهوم، إذ ينطوي الكريول على:
تغايرية تسود على تطوره؛ تغايرية تنبثق في تقاطعات واستحواذات.. تنبثق في مالويا لفيرمان ڤيري Firmin Viry، حيث تلتقي بطلة ملحمة هندية، سيتا Sita في الرامايانا Ràmàyana، بعد أن تحولت إلى شغيلة في مزرعة، روايةً رومانسيةً فرنسيةً قديمة..(58).
نحن إزاء مواشجة ثقافية كلاسيكية بامتياز: بين ملحمة تاريخية شرقية ورواية رومانسية غربية..
ولكننا، وقبل كل شيء، إزاء عمليةٍ يكمن العنف في أساسها: “الكريول، كصفة، يحيل إلى المجتمعات التي نشأت من موروثات ثقافية وجينية متوارثة عبر الأجيال، استنادًا إلى تاريخ (يمتد أحيانا إلى أكثر من 500 عام) من الاستغلال والعنف والتهميش العنصري”(59). بحسب داعية الكرولة المرموق، الكاتب والمفكر المارتينيكي إدوار غليسون Édouard Glissant ، يومئ مصطلح (كريول) إلى العلاقة بين ثقافات مختلفة (أُجبِرَت) على التعايش في السياق الاستعماري(60).
الواقع أن تعريف الكرولة كان في الأصل قائمًا على “اعتبار أولي لآليات الهيمنة والمقاومة المرتبطة بتجربة العبودية”(61). وقد مثلت تجربة العبودية (أو، بالأحرى، تجارة الرقيق) أولى الأشكال الجذرية لذلك العنف (أو، بالأحرى، السلب) الكامن في صلب هذه العملية(62).
يقترح ستوارت هول ثلاثة تجلياتٍ للحضور تمثل الأساس لظهور الثقافة الكريولية. أول هذه التجليات هو المشهد البدائي للمواجهة (النهب والغزو العنيف). أما الحضور الثاني فيتمثل في الصوت الذي يتحدث طوال الوقت (الصوت الاستعماري). في حين يمثل العنصر المغمور صاحب الصوت المغموط (العرقيات المهمشة) الحضور الثالث(63).

لوحة يعود تاريخها إلى خمسينيات القرن الـ19 تصور زمرة من العبيد في جزيرة بوربون (ريونيون حاليا) وهم في طريقهم إلى الشغل.
تتساجل ضروب الحضور هذه ضمن عمليةٍ تتشكّل في الزمان والمكان بقدر ما يتشكّل الزمان والمكان من خلالها. هنا يتجلى التباين مجددا: هذه المرة داخل السياق المجتمعي الواحد، حيث السياسي-الاقتصادي مرآة الاجتماعي، وحيث لا يعدو السجال الطبقي أن يكون تنويعة من تنويعات السجال العرقي (64). كتب بنجامين لاغارد Benjamin Lagarde:
في مجتمعات الكريول الحديثة، حيث قد تكون مسألة الذاكرة أكثر حيوية من أي موضع آخر، يَتَشَكّل المكان والزمان من خلال أيديولوجيات مختلفة (65).
إنها، أيضا، عملية مواءمة براغماتية بحق: حيال واقعة اجتثاث-ازدراع مباغتة، وتحت وطأة القسر المستدام، وفي خضم فتورٍ ناجمٍ عن فقدان الأمل في العودة، لم يكن ثمة مناص من “التفافٍ مَا un detour” (66): “تعكس سرديات سكان جزر الكريول موضوعات متعددة، أهمها البقاء والمرونة، اللذان يُتاحان من خلال التكيف”(67). بالعودة إلى الماهية الثقافية للكريولية الريونيونية، فإن التكيّف هنا، لمَّا كان ثقافيا على الأغلب وقابلا للتغيير، يسفر عن “معارف وهويات ورؤى عالمية جديدة”(68).
أو، بالأحرى، لا تني تتجدد، ذلك لأن الكرولة سيرورة، مشروع في طور التنفيذ، “تجربة حية للتعددية “(69)، “ديناميكية ترفض أن تُترجم إلى لغة الماهية الأبدية، أو إلى لغة الجوهر الذي يضمن دوامه وثباته الهوية”(70). الكرولة، على حد تعبير إدوار غليسون، هي “الامتزاج الذي لا يمكن التنبؤ بنتائجه”(71). لعل هذا هو ما يميز الكرولة عن “الهجائن البسيطة”(72): الانفتاح اللانهائي على الاحتمالات كافة!
في مقالهما الذي نشر مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، اقترح الناشـــــطان الريونـــــــــيونيّان البـــــــــــــــارزان، فرانســـــــــــواز ڤيــــــرجس Françoise Vergès وجان-كلود كاربنــــــــــــان ماريموتو Jean-Claude Carpanin Marimoutou ، استعارة المراسي amarres لتوصيف تصورهما للكرولــــــــــة التي تربط أبناء شعبهما، انطلاقا من الجزيرة، بجزر وقارات أخرى(73).
قد تكون إحالة إلى انفتاح لانهائي موازٍ يتيحه، أساسا، ذلك المحيط الذي “يربط ولا يفرق”. غير أن ثمة إحالة أخرى -أشد جوهرية- لتلك الاستعارة البحرية: إحالة إلى الجذمورية التي تَسِم عملية الكرولة.
لمَّا كان مصطلح الجذمور يومئ، فلسفيًا، إلى بنية مجردة من المستويات تتطور باستمرار في جميع الاتجاهات الأفقية(74)، فقد جرى سلفًا استخدامه لوصف تجارب مجموعات ثقافية بعينها بغية الإشارة إلى “فقدانها جزيرتها، واقتلاعها من جذورها، وتشتتها، وإعادة تجذرها في مكان آخر”(75). هنا تطل واقعة الاجتثاث-الازدراع برأسها ثانية، لتسوّغ هذه المرّة ابتكار سرديات وجودية لانهائية تعويضا عن الأسطورة المؤسسة الضائعة، وكما كتبت مانولا أنطونيولي Manola Antonioli، لم يكن ذلك:
محض تهجير (إلى المنفى أو الشتات) لشعب كان من شأنه، إلى حد ما، الاحتفاظ بلغته وثقافته في مكان آخر، ونقل تاريخه، بل كان أيضًا نقلا لشعب يصبح معطى آخر في العالم. وبالتالي، فإن الأصل (أصل مفقود ومُبهم، يُفترض أن يُصبح ضمانًا للهوية الفردية والجماعية) ليس “نشوءا genèse “، بل ما يُسميه غليسون “النشوء المزدوج digenèse “، وهو شكل من أشكال التباين، أصل متعدد يمكن أن يُصبح نقطة انطلاق لشكل جديد من العلاقات(76).
ولكن ثمة خسارة أخرى، بخلاف خسارة الأصل، تكمن هذه المرة في صميم عملية الكرولة ذاتها.. فماذا يخسر المُتَكروِل؟
خلافا لغليسون الذي افترض أن الكريولية ليست خليطا جامدا موحدا “يفقد” فيه الجميع ذواتهم، وأن مبدأها السيال هو “أنا أتغير، بالتبادل مع الآخر، دون أن أفقد ذاتي أو أُنزَعَ من طبيعتي،”(77) وأن الاقتراض لا يعني الاغتراب (78)، يرى الناشطان الريونيونيان البارزان أن ديناميكية كرولة المحيط الهندي محكومة بالتفاوض:
حيث تُفقد الأشياء أو يُتخلّى عنها بالضرورة، فلا كرولة دون خسارة (….) يجب التخلي عن شيءٍ ما لإيجاد مساحةٍ للآخر، للغريب، لمشاركة الأرض، الجزيرة (79).

فرانسواز ڤيرجس
لعلهما يلمّحان إلى خسارةٍ للاتساق الذاتي، على غرار “التأرجح بين كون المرء لا هذا ولا ذاك وكليهما في آن واحد”(80)، أو حتى إلى فقدانٍ للأصالة يوازي في ضراوته فقدان الأصل.. ولكن، ألا يعكس فقدانٌ كهذا صورةً من صور الإيثار.. بل، ومجددا، آيةً من آيات الخلق الكامن في صميم المصطلح؟ لنتذكر ما قاله جيل دولوز لـكلير بارنيه: “لكي يبدع المرءُ، عليه أن يفقد هويته ووجهه”(81).
وعلى ذكر دولوز، وإذ نساور الكريولية بوصفها لغةً من شأنها أن تجسد “تكيفًا يقاوم التماهي مع اللغة السائدة”، لنستحضر أيضا ما كتبه، رفقة فلكس غوتاري هذه المرة، في خضم تناول مسألة الأغلبية والأقلويّة:
ليست المسألة في إعادة التوطن في لغة محلية أو لهجة، وإنما هي في إخراج اللغة الأغلبية عن توطنها. لا يرفع الزنوج الأمريكيون لغة الزنج ضد الإنجليزية، وإنما يجعلون من الأمريكية التي هي لغتهم إنجليزية زنوج. لا وجود في ذاته للغة الأقلية. بما أنها لا توجد إلا نسبـــــــــــة للغـــــــــة أغلبية، فإنها تشكل استثمارات لهذه اللغة كي تغدو هي ذاتها لغة أقلية. سيتجه كل واحد نحو اللغة الأقلية، اللغة المحلية أو اللهجة، وينطلق منها بحيث يجعل من لغته الأغلبية لغة أقلية(82).
بداهةً، توقف ظهور الكريولية، كأداة تواصل متداولة شعبيًا في الجزر المستعمرة، على عاملين رئيسين اثنين؛ تمثل أولهما في وجود لغة مستعمِرة قوية، أما الثاني فتمثل في وجود مجموعة سكانية تابعة ومتنوعة لغويا (قوامها الرقيق والشغيلة بالسخرة)(83). لا تني المواءمة البراغماتية تعاود التجسد: فبعد فقدان الأصل، حان الدور على فقدان لغة الأصل.. وفي أبراج بابل النائية والمتنائية تلك، كان لا بد من حلٍ وسيطٍ لبلبلة الألسنة..
حل وسيط، وبسيط كذلك، حتى يتسنى للمقموع أن “يُكيّفه” حسب حاجته، لا أكثر ولا أقل:
لقد مضى العبد إلى أقصى حدٍّ في تبسيط اللغة التي فرضها عليه سيده كلغةٍ مبسطة، مُكيّفة فقط وفق متطلبات الشغل؛ وانتهى به الأمر إلى تنظيم التلعثم الذي أُجبر عليه(84).
غير أن الباب لم يزل مفتوحًا على الاحتمالات كافة؛ فلم تعد الكريولية محض استراتيجية للتكيف، بل باتت أيضًا استراتيجية للمقاومة تنطوي على انتقام ساخر للتحايث من التعالي، حينما لم يكن ثمة سلاح في يد العبد سوى السخرية(85). هكذا كان الحال في ريونيون، الجزيرة التي “جمع فيها التاريخُ الملغاشيين والأفارقة والقمريين والهنود والصينيين والڤيتناميين والماليزيين إلخ…”(86).
تمامًا كما “جعل الزنوج من الأمريكية التي هي لغتهم إنجليزية زنوج”، كان بوسع هؤلاء أيضا أن يجعلوا من الفرنسيةِ التي هي ليست لغتهم “عاميةً منحطةً فاسدة، أو فرنسيةً رديئة”(87)، كما وصفها المستعمِر ذات حين.. فرنسيةَ مقموعين: كان بوسعهم أن يهدموا بيت السيد باستخدام أدوات السيد، على حد تعبير الشاعرة الأفرو-أمريكية أودري لورد، والذي تستشهد به ڤيرجس وشريكها الرؤيوي في خضم ترويجهما لنسختهما الخاصة من الكرولة (88).
لم يكن اجتياحًا حانقًا، بل تسرّبٌ جذموريٌّ نزقٌ للُغةٍ/لُغاتٍ أقلّوية (أقلوية! ليس عدديا، بالطبع!)؛ تسربٌ فَرَى تلافيف اللغة الأغلبية مُسَمَّمًا أصواتها، ودلالاتها، وتراكيبها، وقواعدها النحوية قبل أن يفجّرها في نهاية المطاف، ذلك لأن الكريولية لغة تخريبية، أو، من باب اللياقة، “تجريبية بطبيعتها”(89).
في ريونيون، ظلت اللغة الكريولية، حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي، حبيسةَ الأيقنة الغرائبية التي تضفي مزيدا من السحر الدعائي على الجزيرة دون أن تنال أية وضعية رسمية أو خصوصية ثقافية محددة(90). ولكن الأمور أخذت منحىً آخر مع تصاعد دعاوى ما بعد الكولونيالية، والتي لاقت تجاوبا واسعا من جانب شعب ريونيون، تجلى في إبداء التضامن مع شعوب المحيط الهندي الأخرى والحركات الاجتماعية في فرنسا(91). تزامن مع ذلك تأسيسُ الحزب الشيوعي الريونيوني PCR (عام 1959)، والذي تبنى رؤية تقر بأن الجزيرة رهينة وضع استعماري، وأن تجاهل اللغة الكريولية من جانب السلطات يشكل جزءا من ذلك الوضع(92).
واقع الأمر أن مسيرة النضال من أجل الاعتراف بالكريولية في الكينونة المعنية لم تؤت أكلها بين ليلة وضحاها. فعلى الرغم من أن الكريولية الريونيونية قد تشكلت لأول مرة قبل أكثر من ثلاثة قرون (خلال الخمسين عامًا الأولى من استيطان الجزيرة)(93)، وبلغت شكلها المستقر في القرن الثامن عشر(94)، وعلى الرغم أيضا من أن تعداد الناطقين بها كلغة أمّ قد قُدِّر طوال العقود الأخيرة بـنحو 90% من إجمالي السكان(95)، فإنها لم تحظ بصفة اللغة الرسمية إلا عام 2014(96).
بحسب ڤيرجس وماريموتو، استند الخطاب المهيمن والهستيري للغة الفرنسيّة منذ مطلع ستينيات القرن الماضي إلى الزعم الذي مفاده أن الجزيرة لا تملك تاريخا ولا ثقافة ولا لغة؛ وأن سكانها لا يُعتبرون شعبًا؛ و”أن فرنسا وحدها هي القادرة على منحها معنى وهويةً ووجودًا”(97). بالمقابل، حرص الخطاب المناوئ، مُنَمْذَجًا في ما ورد في تقرير الحزب الشيوعي الريونيوني الصادر عام 1959، على تسليط الضوء على معاناة ضحايا السياسة اللغوية القامعة:
تبقى الحقيقة أن مواطن ريونيون، المجبر على التفكير والتصور أولًا باللغة الكريولية ثم الترجمة إلى الفرنسية للتعبير عن نفسه، يواجه عقبات تجعله في حالة من النقص الدائم(98).
هكذا إذن، وفي خضم “حالة النقص الدائم” التي يكابدها داخل زنزانة الظرف الكولونيالي المستدام، وجد المواطنُ الريونيونيُّ الكريوليّ نفسه رهينَ محبَسَين إضافيين: محبس جغرافي (ريونيون، بوصفها جزيرةً لا تجانبها العزلة)، ومحبس ثقافي (الكريولية، بوصفها لغةً أم، يتيمة ووحيدة غالبا)..

شعار الحزب الشيوعي الريونيوني (قسم كميونة سان بول)، وأسفله لافتة كُتِبَ عليها بكريولية ريونيون “ريونيون بلدي، وح.ش.ر حزبي!”
تحيلنا الاستعارة المَعَرّيّة السالفة إلى مسألة أكثر انفتاحًا وأشد استعصاءً في الوقت نفسه: العلاقة بين الكريولية والجزرية.
من الباحثين من يرى أن ثمة عددًا من العناصر المشتركة بين جزر الكريول على اختلافها، بعض هذه العناصر جغرافيُّ الكُنْه (الصغر النسبي/البُعد النسبي)، وبعضها ذو طابع اجتماعي (انعدام السكان الأصليين أو قلة عددهم/وجود عبيد/شغيلة/مستوطنون أحرار من العبودية أو القسر)، وبعضها سياسي (السلطة الاستعمارية)، وبعضها ذو أبعاد اقتصادية (اقتصادات مزارع مهيمنة/قوى تجارية مستوطنة)(99).
على أية حال، ربما أفضى التئام العناصر المذكورة إلى تكوين شخصية كريولية جامعة اتسمت بعدد من الخصائص الجوهرية، من بينها، كما سلف الذكر، البقاء، والذي يتطلب مقاومةً نفسيةً ومرونةً عاطفيةً في ظل بيئة نفسية قائمة على علاقات هيراركية عرقية(100)، والمرونة، فضلا عن البَينَ-عالمين، أو التأرجح بين الهويات(101).
غير أن الخاصية الأهم من وجهة نظر هذه الكتابة تتمثل في ما يسمّيه إدوار غليسون “اللاتاريخ non-histoire”. يرى غليسون، والذي لا يني يؤكد أن مفهوم اللاتاريخ لا يعني غياب الأحداث(102)، أن تاريخ الكاريبي هو بالأحرى “لاتاريخ” عند مقاربته بناءً على المفهوم المعولم للتاريخ كما نشأ في الغرب، والذي يفترض تطورًا خطيًا للوعي الجمعي في المجتمع(103). واقع الأمر أن ما ذكره المارتينيكي المرموق لا ينطبق على جزر الكاريبي وحدها، بل على جميع جزر الكريول، والتي “تحمل في أعماقها شكًا عميقًا بشأن ماهيتها”(104)، إذ:
بدلاً من الشعور بالتاريخ المتصل لدى سكان الجزر الأصليين، يشهد الجزريون الكريوليون حداثة وانقطاع ما يسميه غليسون اللاتاريخ، مما يجعل من الجزيرة الكريولية موقعًا لتقاطعات وتقاربات متعددة، بدلاً من كونها موقعًا للأصل الجماعي(105).
فرغم الزنزانة الكبرى والمحبسين والشكّ، يخوض ابن الجزيرة الكريولية، بكل حرية، محيطًا لانهائيًا من الاحتمالات الهووية الجذمورية على أمل أن تعوضه عن فقدان الجذر الأول، عاكفًا بلا هوادةٍ على صنع مفهومه الخاص للتميز والاختلاف، والذي سينفرد به عن غيره من الجزريين الأصليين، ذلك لأن “سرديات الكريول عن الاختلاف والتميز في الجزيرة ليست مجازيةً فحسب، بل هي مُنتَجةٌ ومُجسَّدةٌ تاريخيًا”(106).
ولكن، هل الجزرية شرطُ الكريولية؟
قد ينسف هذا السؤال من أساسه إجابة عجولة من قبيل: لا بالطبع! هاك، مثلا، كريول سييراليون Krio، وسييراليون ليست جزيرة!
لكن مفهوم الجزرية يظل أوسع من أن يُحشَرَ في دلالة جغرافية زَنِيقة..
على أية حال، تختلف سوآن جي. ويت مع الباحثين كوهين وشرينغام Cohen & Sheringham ، إذ يقترحان وجود صلة بين الجزرية والكريولية من خلال شرح مثال منطقة البحر الكاريبي وتحديد أوجه تشابهها مع موريشيوس، زاعمةً أن استنتاجاتهما لا تعكس وجود تقارب بين الجزرية والكريولية بقدر ما تعكس أن جزرية الكريول هي:
نتاج واقع جغرافي تاريخي محدد قائم على ديناميكية قوة اجتماعية وسياسية محددة (…) وأن الصلة تكمن بالأحرى في مستعمرات المزارع والجزر، التي يقع العديد منها، إن لم يكن معظمها، في الأمريكتين وجنوب آسيا وأفريقيا(107).
3. المَهْنَنَة
في البدء كانت المزرعة..
ذلك الثقب الأخضر الذي ابتلع الجميع، بمن فيهم الإلهة سيتا نفسها!
والأمر هذه المرة لا يتعلق بـتشكُّلٍ لاواعٍ أو سيرورة ذاتية المحرك (غالبًا، كما كان الحال مع الكريولية/الكَرْوَلة) بقدر ما يتعلق أصلا ببناءٍ وإنشاءٍ حادِبَين لذاتياتٍ أخرى -ومن ثمَّ صيروراتٍ أخرى- على يد رأسماليةٍ عرقويّة..
رأسمالية عرقويّة “مُكَوْنِنَة ontologizing”، كما وصفها جوڤان سكوت لويس Jovan Scott Lewis (108)، إذ “تُنْتَج من خلالها الذاتية”:
بعد أن خضع المستعبدون والشغيلة بالسخرة إلى عملية أزالت هويـاتهم السابقة، تطلب الأمر ارساء أسس وجودية جديدة متجذرة في شغل المزارع. وقد وفرت ممارسة وظروف الشغل التي عاشتها كلتا المجموعتين بعد التحرر أساسًا مشتركًا للتوجه الوجودي(109).
الواقع أن كُنْه الاغتراب بالمفهوم الماركسي يكمن في فقدان الذاتيّة، حيث يتحول المقموع، إذ يحوّل عمله (الحيّ) إلى سلعة، إلى “عنصر في الوشيجة الموضوعية التي يخلقها رأس المال”(110).
ولكن، كيف كان الحال عندما كان المقموع نفسه، وليس عمله الحي، هو السلعة؟ هل كان يمكن وقتها الحديث عن ذاتيّة أصلا؟
شأن جميع جزر الكريول، ارتبط تكوين المجتمع في ريونيون بالاستعمار والعبودية، لمَّا كانت الغاية من تأسيسها، كمستعمرة، اقتصاديةً بحتة(111). ومع تكريس الفصل واندغام العرقي في الطبقي عبر تحرير إجازات التملك خلال عشرينيات القرن الثامن عشر، كما سلف الذكر، توسّعت دائرة ماكينات الإنتاج في الجزيرة بشكل رسميٍ لتشمل الذاتية المُعرقنَة. وهكذا، تحول الزنجي، رفقة الهندي الشرقي هذه المرة، إلى “ممتلكاتٍ”، على حد تعبير سدريك روبنسون(112)، أو إلى “سلعةٍ مثل السلع الأخرى كلها”، على حد تعبير أشيل مبيبمي(113).

أشيل مبيبمي
داخل مزرعة الرأسمالية العرقوية، حيث تبدو إنسانية العبد، كما يصفها مبيمبي، “ظلٍّا مُجسَّدا”(114)، وفي كينونةٍ صانت وجودها، كما سلف الذكر، من خلال تكريس التمييز على أساس اللون، لا نكون إزاء اغتراب طارئ مشروط بالشغل، بل إزاء “اغتراب منذ الميلاد”(115) مشروط، طبعًا، بالعرق..
لقد لعب اقتصاد مزارع العبيد دورًا حاسمًا في تشكيل هوية ريونيون، والواقع أن إرث العبودية قد ظلّ يفرض نفسه على العقل الجمعي بوجه عام حتى بعد إلغائها(116). من المثير للتأمل هنا أن الشاعر والمسرحي الريونيوني كريستيان جالما Christian Jalma يرى أن قرار إلغاء الرق كان آخر الأخطاء التي ارتكبتها دولة العبودية، لأنه، بحسبه، “قد سلب العبد هويته الأفريقية”(117).
على أية حال، وكما سلفت الإشارة في استهلالة هذه الكتابة، كان نظام الشغيلة بالسخرة محض امتداد لنظام الرق. لقد ظلت المزرعة، بوصفها “واقعًا اجتماعيًا شاملا”(118)، مناط التعريف الذاتي للفرد والجماعة، سواء أكان التعريف بالإيجاب أم بالسلب(119): أنا شغيل في المزرعة (نحن شغيلة في المزرعة)/ أنا لست شغيلا في المزرعة (نحن لسنا شغيلة في المزرعة)..
لعله، إذن، كان محض تَصيُّر من الذات المُسَلَّعة إلى الذات المُمَهْنَنَة: بما أن عمليات الاستيلاء والاستغلال التي انتهجتها الرأسمالية الإمبريالية لا تني تتجدد عبر اتخاذ أشكال مختلفة، “مستخدمةً المنطق العرقوي كآلية جوهرية تُمكّنها من العمل”(120): بعد أن أذيب العرق في السلعة، ها قد حان الوقت لإذابته في المهنة..
من الضروري هنا التذكير بأن مبيمبي يأخذ على ماركس خلطه بين مفهوم العمل/الشغل Travail، بوصفه “دورة الإنتاج والاستهلاك اللانهائية اللازمة لاستدامة الحياة البشرية”، ومفهوم العمل/الصَنِيع l’œuvre، بوصفه “إنتـاج مصنــــــــــــــــوعات دائمة تُضاف إلى عالم الأشياء”. بحسب مبيمبي، يطمس ماركس، إذ يجعل تحرر الإنســان رهنًا بإلغاء إنتاج السلعة، الفروق الجوهرية بين عالم الحرية الذي بناه الإنسان وعالم الضرورة الذي أنتجته الطبيعة وطوارئ التاريخ(121).
وفي أفضل الظروف، ربما يسفر تجاهل التمييز بين عالم الحرية وعالم الضرورة عن تحويل المجتمع بأسره إلى “تجمع مهنيّين” ضخم لا أكثر، حيث تتماهي كل ذاتية في حرفتها فلا يعود الفصل بينهما ممكنا. دونَنا، مثلا، تلك التغريبة الشرقأوسطيّة الشهيرة، حينما هُجِّرَ (السقّا) و(القبّاني) و(الخرّاط) و(النجّار) و(الصبّاغ) و(الزيّات) و(الحلواني) و(البنّا) و(الحدّاد) و(الخيّام) و(الفخراني) و(الكنفاني) و(غَيرُهم) من الضِيقِ الواسعِ حمَّالِ الاحتمالات إلى البراحِ الأصمّ الذي تنزنق فيه الذاتيّة بكليّتها: من ضيق “الاسم المشتق” إلى براح “اسم العَلَم” الذي ارتضاه (الزبون) ووُسِمَ به، بالتبعية، الأبناء والأحفاد كما وُسِمُوا، على سبيل الميراث القسري، بالسقاية والقبانة والخراطة والنجارة والحدادة وصناعة الخيام والفخار والكنافة. هكذا ببساطة: أنا المهنة والمهنة أنا.. أنا أمارس صنعتي والزبون يمارس اسْمِي على إثر الإذابة..
بالعودة إلى ريونيون، حيث “الإحسان، وليس الحق”، هو مطلب الضعيف، وحيث لا تعد اللامساواة “شائنة اجتماعية أو تغولا، بل أساس لتيار يمضي من الأعلى إلى الأسفل”(122)، تكرست الذاتية الممهننة في مرحلة ما بعد إلغاء الرق على أساس المنفعة المتبادلة بين الملاك والشغيلة. “إذ في مقابل الرخاء الاقتصادي الذي كان الشغيلة يضمنونه للملاك من خلال تقديم قوة شغلهم في المزارع، كان الأخيرون يضمنون لهم الحد الأدنى من وسائل البقاء (الشغل، السكن، الصحة، دعم الأسرة، إلخ)” (123).
إذن، في البدء كانت المنفعة!
ذلك لأن الاقتصاديَّ يبذل نفسه في كل شيء، ولا سيّما اللغة التي “تبيت فيها الكينونة”، على حد تعبير هايدغر(124): لغة عملية مقتصَدة تفي بالغرض وترضي “الزبون”، أو، كما سلف الذكر، “لغة مكيفة فقط وفق متطلبات الشغل”. لنعد إلى تلك العبارة المكتوبة على اللافتة أسفل شعار الحزب الشيوعي الريونيوني، والتي يمكن الاحتجاج بها على صحة الزعم السابق إذا سلمنا جدلا بأن الكريولية لا تعدو أن تكون “فرنسية رديئة”. كما نرى، لم يطل الاقتصاد اسم الجنس فحسب (مع اختزال مفردة “pays” الفرنسية إلى “péi” في كريولية ريونيون-وكأنّها سخرية مكتومة من بَذَخِ لغة موليير!)، بل امتد ليشمل أيضا فعل الكينونة “est”، والذي غاب مرادفه الكريولي كما اعتاد أن يفعل في العديد من المناسبات: ربما على سبيل التضامن مع كينوناتٍ انْدَرَسَتْ سلفا تحت وطأة التسليع والمَهننة..
مصادر الجزء الأول
(1) Lagarde, Benjamin. “Un monument musical à la mémoire des ancêtres esclaves : le maloya (île de la Réunion).” Conserveries mémorielles, 2007, pp. 3–4.
(2) Andoche, Jacqueline, et al. “La Réunion : Le traitement de l’étranger en situation pluriculturelle : la catégorisation statistique à l’épreuve des classifications populaires.” Hommes et Migrations, Histoire des immigrations. Panorama régional, vol. 2, no. 1278, 2009, pp. 219–220.
(3) Roinsard, Nicolas. “Pauvreté et inégalités de classe à La Réunion. Le poids de l’héritage historique.” Études rurales, no. 194, 2014, p. 173.
(4) Samson, Guillaume. “Le maloya au patrimoine mondial de l’humanité. Enjeux culturels, politiques et éthiques d’une labellisation.” Cahiers d’ethnomusicologie, no. 24, 2011, p. 160.
(5) Ibid.
(6) Ibid.
(7) Ibid., p. 170.
(8) Baldacchino, G. “Preface.” The Routledge International Handbook of Island Studies, edited by G. Baldacchino, Routledge, 2018.
(9) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness: Exploring the Relational Practices of Public Servants and Community Leaders in Jamaica.” Doctoral thesis, Massey University, 2023, p. 4.
(10) Ma, Guoqing. “Islands and the World from an Anthropological Perspective.” International Journal of Anthropology and Ethnology, vol. 4, no. 12, 2020, p. 4.
(11) Foley, Aideen, et al. “Understanding ‘Islandness’.” Annals of the American Association of Geographers, 2023, p. 9.
(12) Ibid., p. 1.
(13) Ma, Guoqing. Op. cit., p. 4.
(14) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Shima, vol. 16, no. 2, 2022, p. 224.
(15) Hoareau, Aude-Emmanuelle. Concepts pour penser créole. Zarkansiel, 2010, p. 15.
(16) Vergès, F., and Marimoutou. “Moorings: Indian Ocean Creolisation.” Portal Journal of Multidisciplinary International Studies, vol. 9, no. 1, 2012, p. 34.
(17) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 29.
(18) Glissant, Édouard. Caribbean Discourse: Selected Essays. University Press of Virginia, 1989, p. 67.
(19) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 28.
(20) Lewis, Jovan Scott. “Subject to Labor: Racial Capitalism and Ontology in the Post-Emancipation Caribbean.” Geoforum, vol. 132, 2022, p. 250.
(21) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 21.
(22) Foley, Aideen, et al. Op. cit., p. 6.
(23) Tessier, Emmanuel. “Dynamique des peuplements ichtyologiques associés aux récifs artificiels à l’île de la Réunion (ouest de l’océan Indien) – Implication dans la gestion des pêcheries côtières.” Doctoral thesis, under the direction of Pascale Chabanet and Catherine Aliaume, Université de La Réunion, 2005, p. 254.
(24) De La Torre, Ywenn. “Réseaux d’observation et aide à la gestion du trait de côte en outre-mer : La Réunion et Mayotte.” Journées Scientifiques et Techniques – Brest 2010, Dec. 2010.
(25) Médéa, Laurent. “La construction identitaire dans la société réunionnaise.” Journal des anthropologues, no. 92–93, 2003, p. 261.
(26) Atlas Geopolitica. “Réunion.” Atlas Geopolitica. https://atlasgeopolitica.com/r-union. Accessed 30 Sept. 2025.
(27) Roinsard, Nicolas. Op. cit., p. 177.
(28) Médéa, Laurent. Op. cit., p. 261.
(29) Foley, Aideen, et al. Op. cit., p. 2.
(30) Ibid., p. 4.
(31) Insee. Estimation de population par région, sexe et grande classe d’âge – Années 1975 à 2025.” Institut National de la Statistique et des Études Économiques (INSEE), www.insee.fr/fr/statistiques/fichier/8331297/estim-pop-nreg-sexe-gca-1975-2025.xlsx. Accessed 2 Sept. 2025.
(32) Foley, Aideen, et al. Op. cit., p. 3.
(33) Ma, Guoqing. Op. cit., p. 4.
(34) Ibid.
(35) Médéa, Laurent. Op. cit., p. 263.
(36) Ibid., p. 266.
(37) Berry, John W. “Acculturation and Adaptation in a New Society.” International Migration, vol. 30, 1992, pp. 69–85.
(38) Foley, Aideen, et al. Op. cit., p. 6.
(39) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 224.
(40) Amarres. “Thème 2 : Identité, culture et mémoire à La Réunion.” Réunionnais du Monde, 15 Apr. 2009, reunionnaisdumonde.com/magazine/articles-membres/theme-2-identite-culture-et-memoire-a-la-reunion/. Accessed 30 Sept. 2025.
(41) Muecke, Stephen. “Créolité and Réunionese Maloya: From ‘In-between’ to ‘Moorings’.” PORTAL, vol. 9, no. 1, Jan. 2012, p. 3.
(42) Stewart, Charles. Creolization: History, Ethnography, Theory. Left Coast Press, 2007, p. 1.
(43) Ibid.
(44) “Créole.” Dictionnaire de français, Larousse, www.larousse.fr/dictionnaires/francais/cr%C3%A9ole/20357 . Accessed 4 Sept. 2025.
(45) Hall, Stuart. “Creolité and the Process of Creolization: Creolizing Europe: Legacies and Transformations”, Liverpool University Press, 2015, p. 15.
(46) Ibid., p. 14.
(47) Stewart, Charles. Op. cit., p. 1.
(48) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 5.
(49) “Créole.” Dictionnaire de français, Larousse, www.larousse.fr/dictionnaires/francais/cr%C3%A9ole/20357 . Accessed 4 Sept. 2025.
(50) Hall, Stuart. Op. cit., p. 15.
(51) Médéa, Laurent. Op. cit., p. 263.
(52) Stewart, Charles. Op. cit., p. 2.
(53) Hall, Stuart. Op. cit., p. 15.
(54) Ibid.
(55) Stewart, Charles. Op. cit., pp. 1–2.
(56) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 222.
(57) Chaudenson, Robert. Creolization of Language and Culture. CRC Press, 2001, p. 11.
(58) Muecke, Stephen. Op. cit., p. 5.
(59) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 4.
(60) Glissant, Édouard. Free and Forced Poetics. Alcheringa, vol. 2, no. 2, 1976, p. 9.
(61) Giraud, Michel. “La Créolisation”. L’Homme, no. 207–208, 2013, p. 336.
(62) Antonioli, Manola. “Le Discours antillais : antillanité et créolisation.” Chimères, vol. 3, no. 90, 2016, p. 103.
(63) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 22.
(64) روبنسون، سيدريك. الماركسية السوداء: تكوين حراك ثوري للشعوب السوداء. ترجمة عاطف معتمد وعزت زيان، المركز القومي للترجمة، 2015.
(65) Benjamin, Lagarde. Op. cit., p. 2.
(66) Antonioli, Manola. Op. cit., p. 103.
(67) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 224.
(68) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole….”. Op. cit., p. 4.
(69) Ibid., p. 6.
(70) Giraud, Michel. Op. cit., p. 336.
(71) Noudelmann, François. “Entretien avec Édouard Glissant, ‘La relation, imprédictible et sans morale’.” Revue Rue Descartes (L’étranger dans la mondialité), no. 37, Sept. 2002, p. 82.
(72) Glissant, Édouard. Philosophie de la relation : Poésie en étendue. Gallimard, 2009, p. 64.
(73) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., p. 38.
(74) Deleuze, Gilles, et Félix Guattari. Capitalisme et schizophrénie 2 : Mille plateaux. Éditions de Minuit, 1980.
(75) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 223.
(76) Antonioli, Manola. Op. cit., p. 103.
(77) Glissant, Édouard. Op. cit., p. 66.
(78) Giraud, Michel. Op. cit., p. 336.
(79) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., p. 15.
(80) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 224.
(81) Deleuze, Gilles, et Claire Parnet. Dialogues. Flammarion, 1996 (1st ed. 1977), p.56.
(82) دولوز، جيل. خارج الفلسفة: نصوص مختارة. ترجمة عبد السلام بنعبد العالي وعادل حدجامي، منشورات المتوسط، ط1، 2021، ص 142.
(83) Muecke, Stephen. Op. cit., pp. 1–2.
(84) Antonioli, Manola. Op. cit., p. 104.
(85) Ibid.
(86) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., p. 6.
(87) Hall, Stuart. Op. cit., p. 14.
(88) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., p. 3.
(89) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 6.
(90) Gilles, Gauvin. “Créolisation linguistique et créolisation politique à la Réunion.” Hérodote, vol. 2, no. 105, 2002, p. 74.
(91) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., p. 18.
(92) Marchal, Manuel. “Reconnaissance du créole réunionnais à La Réunion : un objectif du PCR depuis sa création en 1959.” Témoignages, 15 Apr. 2021, www.temoignages.re/culture/culture-et-identite/reconnaissance-du-creole-reunionnais-a-la-reunion-un-objectif-du-pcr-depuis-sa-creation-en-1959, 101044. Accessed 30 Sept. 2025.
(93) Chaudenson, Robert. Le lexique du parler créole de La Réunion. Paris, 1974.
(94) Noël, Audrey. L’île de La Réunion : présentation sociologique et linguistique, 2020, p. 2.
(95) Institut National de la Statistique et des Études Économiques (INSEE). Accueil. www.insee.fr/fr/accueil. Accessed 11 Sept. 2025
(96) Ager, Simon. “Réunion Creole Alphabet, Pronunciation and Language.” Omniglot, 23 Apr. 2021, www.omniglot.com/writing/reunioncreole.htm. Accessed 11 Sept. 2025.
(97) Vergès, F., and Marimoutou. Op. cit., pp. 16–17.
(98) Marchal, Manuel. “Reconnaissance du créole réunionnais à La Réunion : un objectif du PCR depuis sa création en 1959.” Témoignages, 15 Apr. 2021, www.temoignages.re/culture/culture-et-identite/reconnaissance-du-creole-reunionnais-a-la-reunion-un-objectif-du-pcr-depuis-sa-creation-en-1959, 101044. Accessed 30 Sept. 2025.
(99) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 21.
(100) Ibid., p. 32.
(101) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 224.
(102) Cery, Loic. “Entretien avec Édouard Glissant.” Chimères, vol. 90, no. 3, 2016, pp. 92–93.
(103) Nakamura, Takayuki. “Ecrire la non-histoire : Edouard Glissant et l’histoire antillaise” (Summary). La Société Japonaise de Langue et Littérature Françaises, vol. 85–86, 2005.
(104) Beniamino, Michel. “Littérature et sociologie à La Réunion”. Travaux & documents, no. 06–07, 1995, p. 127.
(105) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 21.
(106) Waite, SueAnn Georgia. “Islandness as Narratives of Relation.” Op. cit., p. 224.
(107) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 21.
(108) Lewis, J. Scott. Op. cit., p. 1.
(109) Ibid.
(110) Gullì, Bruno. Labor of Fire: The Ontology of Labor between Economy and Culture. Temple University Press, 2005, p. 18.
(111) Médéa, Laurent. Op. cit., p. 261.
(112) روبنسون، سيدريك. مرجع سابق، صـ283.
(113) مبيمبي، أشيل. سياسات العداوة. ترجمة طواهري ميلود، ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية، ط1، 2019، صـ36.
(114) Mbembe, Achilles. “Nécropolitique.” Raisons politiques, no. 21, 2006, p. 36.
(115) Ibid.
(116) Médéa, Laurent. Op. cit., p. 261.
(117) Médéa, Laurent. Op. cit., pp. 266–67.
(118) Roinsard, Nicolas. Op. cit., p. 175.
(119) Waite, SueAnn Georgia. “Narratives of Creole Islandness”. Op. cit., p. 28.
(120) Lewis, J. Scott. Op. cit., p. 1.
(121) Mbembe, Achilles. Op. cit., p. 36
(122) Benoist, Jean. Un développement ambigu : Structure et changement de la société réunionnaise. Saint-Denis, Fondation pour la Recherche et le Développement de l’Océan Indien, 1983, p. 229.
(123) Roinsard, Nicolas. Op. Cit., p. 175.
(124) هيدجر، مارتن. كتابات أساسية. الجزء 2، ترجمة إسماعيل المصدق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1، 2003، صـ262





