مروة أبو سمعان
المبحث الأول- تعريف المكان لغةً واصطلاحًا:
المكان لغة: في ميزان النقد، لا يمكن لنا الدخول إلى المتن الحقيقي للدراسة، دون الرجوع إلى معاجم اللغة القديمة تحديدا، فالخليل بن أحمد الفراهيدي يعرفه “في أصل تقدير الفعل، مفعل لأنه موضع كينونة” والكينونة هو الجسم الي له مساحة أرضية يقف عليها، ويراه ابن منظور بأنه “الموضع” ، وكذلك ورد في مختار الصحاح كما يراه ابن منظور، ومما سبق يبدو أنهم توافقوا على أصل الوضع.
المكان اصطلاحًا: لأن الفلسفة أولى العلوم الكلامية، قد وفدت إلينا من مصادر مختلفة، ويردنا إلى ذلك، المدينة الفاضة التي شيدها أفلاطون، إذ إنها تشير إلى الوعي بالمكان أو الفضاء أو الحيز، ويرى أرسطو أن “لكل جسم مكان يشغله ومشترك، يوجد فيه جسمان أو أكثر” ، كما أن علماء الرياضيات حددوا علامات المكان بالأبعاد الشهيرة وهي الطول والعرض والارتفاع، ويقدم أبو بكر الرازي رؤيته الخاصة في المكان فيقول” المطلق: يساوي الخلاء الذي لا يوجد فيه متمكن، وثانيهما المكان الجزئي: وهو الذي لا يمكن تصوره بدون متمكن، لكنه لا ينتهي بنهاية الجسم، بل هو الامتداد في الجهات” ، وربما يقصد بما تقدم المكان الشاغر والمكان الممتلئ، والجرجاني يرى أن “المكان عند المتكلمين هو الفراغ المتوهم الذي يشغله الجسم وينفذ فيه أبعاده” فالمكان عنده النشط. أما المكان فيزيائيا عند لويمان الذي يفاضل بين الزمن والمكان في وصفه فيقول: “فبينما يدرك الزمان إدراكا غير مباشر من خلال فعله في الأشياء، فإن المكان يدرك إدراك حسي مباشرا، يبدأ بخبرة الإنسان لجسده: هذا الجسد هو (مكان) أو مكمن القوى النفسية والعقلية والعاطفية للكائن الحي” و بذلك نظرته باعتبار الجسد البشري المكان الأول ومنه منطلق البدايات.
المبحث الثاني- المكان في الموروث العربي: من المعروف بأن العربي ابن الصحراء، تلك البيئة التي تحمل في جعبتها الكثير من الاحتمالات المتوقعة وغير المتوقعة، ولعل أشهر مكان يعرفه الدارس وغير الدارس للأدب العربي القديم، وأول مكان هي الأطلال التي هي مبتدأ أي معلقة جاهلية، هذه الأطلال التي تشيد للفراق وما كان قلبه وأثره على نفس المحب، ومع مرور الزمن ،انقلب الحال، وأصبحت الرمال مدنا ترمز إلى الحضارة، فأصبح بديل بكاء الأطلال، بكاء المدن، والذي ظهر خاصة في الأدب الأندلسي، أما الفن النثري كالمقامات والحكايات وألف ليلة وليلة، كانت ثرية بالمكان، ولربما استمدت المقامات اسمها من المقام الذي له دلالة المكان واللبوث والمكان فيهم مكان عام كالحي أو المدينة أو مفتوح وخاص معا كالسوق ويرى عبد الملك مرتاض “عبقرية التشكيل العربي في رائعة ألف ليلة وليلة تمثل في تعاملها مع الأحياز، وقدرتها العجيبة وبذلك بفضل عبقرية الخيال الشعبي، على إنشاء الأحياز، وإعطائها أسماء عجائبية تمنحها الشرعية الجغرافية الوهمية” ولا أرى أدق من وصفها بالمكان الجغرافي الوهمي، كما أن المكان في ألف ليلة وليلة لم يكن إلا قرين الليل وهذا متسمد من العنوان الشهير لها، كما أن المكان قديما لم يكن له الحظوة النقدية في الانتشار الحكائي وإنما وجوده يكون من باب تزكية القصة كون القصص القديمة قصص وعظية، فأرسطو في كتابه ذكر لفظة بديلة عن المكان و هي المنظر و للأمانة النقد العربي لم يحفل إلا بجودة المعنى وبلاغة الصورة وحسن الصياغة، والمكان فاتحة قصيدته وكان فيها مجرد تقليد، ولم ينته إلى جمالية الجمال إلا النقد العربي الحديث بعد الانفتاح على النقد الغربي، وعده ثيمة كبرى ودلالة فارقة في أدبنا، فمنه تم تقسيم الشعراء حسب المكان والمكانة، كما ورد في كتاب طبقات الشعراء لابن سلام الجمحي وكان التقسيم زمانيا وبالتالي هو تقسيم مكاني دون أدنى ريبة.
المبحث الثالث- المكان الفني: المناهج النقدية ترى أن العالم هو النموذج الأول في دراستها التي ما تزال قائمة، كما أن النسق الأدبي مكان بغض النظر عن نوعه رواية أو شعر أو رسومات أو تجسديات، فيرى باشلار أن هذه الأمكنة” هو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط، بل بكل ما للخيال من تحيز” فالمكان عنده أصبح ملموسا أو له وصف وشكل ما أن أصبح على الورق. فالخيال هو الذي يحول المكتوب إلى رؤى وأوصاف، فالمكان الفني يمكن استخراجه عن طريق” الخبرة المباشرة(الحدسية) بالأشياء إلى الوعي الجمالي بهذه الأشياء ودورها ودلالتها ووظائفها” و تكمن أهمية المكان عند غاستون بلاشار في “أن العمل الأدبي حين يفقد المكانية فهو يفقد خصوصيته، وبالتالي أصالته” ، فالمكان الفني “وهو كيان من الفعل المغير، والمحتوي على تاريخ ما” ، ولعل هذا أدق وأصدق توصيف للمكان المتخيل.
المبحث الرابع- شعرية المكان: يرى علي متعب أن المكان الأدبي “يقع بين زاويتين هما: زاوية التشكيل الشعري، وزاوية التأويل” ، فالتشكيل الشعري تكون وفقا للموروث والحاضر الذي يبرز الخيال فيه ك عنصر لا غنى عنه ويمنحها بعدا جماليا، والتأويل يكون دور المتلقي القارئ والناقد. كما أن من مميزات الشاعر الحديث هو من ينسج المكان شعريا من جديد، وبطريقة لا تعزله عن منظومة الفكر الذي يمنحه إياه التاريخ أو يمنحه هو للإنسان”.
يحفل ديوان الجرادي بالمكان، الذي يبكيه، ويصفه، و يرى فيه ما لا يراه غيره، فيمنحه أبعاد جمالية جديدة، ففيه ينعى الوطن بطريقة مغايرة، بطريقة تثير الشجن، ولعل عنوان الديوان مؤشر واضح وبائن فيه الاختلاف والحداثة، ولا يمكن تفسيره دون الرجوع إلى كل القصائد، دون أن ننسى أن عنوان الديوان هو عنوان لقصيدة يضمها داخله.
المبحث الخامس- المكان النصي والمكان الجغرافي في ديوان لا ظهر لي: نبدأ بما يقوله محمد مفتاح: “الحس بدور حاسة البصر في منح النص معنى ودلالة هو الذي جعلنا نعتبر الفضاء من الثوابت الشعرية الجوهرية(مقابل العروضية)، ومهما اختلف وعي الشعراء بهذا الأيقون، فإن محلل الخطاب الشعري مطالب باستكناه دلالته، وأبعاده، لأنه ليس تحصيل حاصل أو حشوا يمكن الاستغناء عنه، ولكنه أحد مكونات الخطاب الشعري، فبنية القصيدة مرتبطة –ضرورة- بالأيقون أو المؤشر مهما كان نوعها” ، فقابل الفضاء الشعري بالعروض، حيث أن الأوزان الخليلية هي مكان فيه من الحرية الشيء القليل ويرى أهمية المكان الشعري كمؤثث وسمة للخطاب الأدبي الحديث، إذ أن الشكل للقصيد العربي الحداثي قد تغير وتبدل، فالشكل في منظور كثير من النقاد هو مكان جغرافي أو ما يسمى نقديا بجغرافية النص.
1- القصيدة المقطع: هي قصائد وردت على شكل أجزاء أو مقاطع، بحيث تمثل كل مقطع نصا قائما بذاته، إلا أن الشاعر قسمها تلك القسمة، لجذب الانتباه، والتأثير الممتد على المتلقي ، وتقديم تفاسير كثيرة لكل حالة شعرية اختص بها جزء دون سواها، ونهاية بجمع المقاطع يكون نصا متكاملا طويلاً، فمحمد الجرادي يبدأ ديوانه الذي يحتوي على المكان كما أشرت آنفا، على قصيدة مقطع تتحدث عن مدائن وطنه مهيض الجناح، وزعها على ست مقاطع، مرقمة، مبدوءة بـ(مدائننا) و يظهر هذا جليا بالعودة إلى الديوان، ونهاية كل مقطوعة شعرية تنتهي بمكان مجازي موصوف و أورد شاهدا واحد وهو المقطع الثالث حيث يقول فيه:
“مدائننا..
تتعرى مفاصلها
كلما داهتها العواصف
يجتاحها:
قلق..
وبكاء..
وحشرجه..
وأنين.
ترى الوقت يسقط منهكا بين أفخاذ أحلامها
بشر جارحون..
وأرصفة..
لا تنام.
تضيق جوانحها..
كلما غازلتها يد..
تستلذ الرغيف
وتحلم بالخبز..
والماء!!
يتسع الوجد حين تدوس مواطئها
((شطحات الموديلات))..
ترقص أفياؤها طربا..
في مقام الوشاة..
وقهقهة”المومسات”.!!
ويتضح مما سبق أن هناك مكان حقيقي(المدائن والأرصفة و الأفياء، مقام الوشاة). المكان المجازي الذي جاء بصيغة الفعل(تتعرى مفاصلها وكلما داهمتها العواصف، يجتاحها، تضيق جوانحها، يتسع الوجد، تدوس مواطئها،ترقص أفياؤها).المكان المجازي الذي جاء بصيغة الاسم(أفخاذ أحلامها، قهقهة المومسات)، ونلحظ كثرة الفعل للدلالة على الاستمرارية والدوام. ولعل التقسيم المرقم، إشارة إلى الحقب الزمنية التي مرت بها مدن الشاعر، أو عدد المدن التي أنهكها الدمار والخراب. وعلى شاكلة القصيدة المرقمة كتب الجرادي قصيدة بعنوان(جاءك الوطن المرتجف) وقسمة رقميا أيضا، سأدرج المقطع الثان منها حيث يصد بقوله:
“قف،
ليس بينك والحلم إلا”….”
يقولون إلا”….”
وبينك والحلم –تدري- المسافة..
بينك والحلم..
قف..
حيث ألفيت نفسك
في من وصلوا..
يسألون عن الوطن الأم
قالوا: لنا وطن..
فاستحال لهم شارعا كي يغنوا..
وكي يحلموا..
هؤلاء هم المتخمون بعشق الوطن”
فالعنوان يحتوي على المكان فكان باللفظة الصريحة(الوطن)، ولكن تتنوع الإشارة في المقطع الشعري وتحتاج إلى تأويل وفك رموز، فـ قف: فعل أمر لكن هل يكون الوقوف دون مكان؟ على الأقل مساحة متر ربع؟ وإتباعه بفاصلة منقوطة دلالة على بلوغ الأمر نهايته، والحذف في السطر الشعري والتعويض عنه عن نقاط محددة بقوسين من كلا الجانبين، فماذا كان يقف بين الحلم وتحقيقه؟ وكرر كذلك إلا بنقاط محذوفة، وبعد المسافة نقاط محذوفة، فهل كانت المسافة قريبة من الشاعر أم أنها بعيدة المنال؟ وبينك وبين الحلم .. فهذا الحذف المكرر دلالة على معرفة العائق، ثم النقاط بعد قف، فهل كانت واصفة على شكل أيها البائس مثلا؟ فيمن وصلوا .. فالوصول دلالة على مكان، فالحذف هنا ربما هو اسم المكان، و عد عن ذلك ليس محدد إنما في أي بقعة في شتات الأرض، والحوار الوارد على شكل قال وقلت : ولكن قول الشاعر كان مبتورا، وذلك لأن تذكر وصف الوطن وأفعاله بأهله حري بالإنسان السكوت، فماذا يصف وطنا قد لعنه حد الطرد والنفي منه، فصار للمغتربين شارع فقط، هذا ما حصلوا عليه جراء الغربة، شارع يغنون فيه للوطن، ونهاية المقطع، وصف المغتربين بالمتخمين، والتخمة الشبع حد الامتلاء، فنقل الشاعر الامتلاء من معناه الحقيقي, إلى المجازي بعد القلب وعاء يمتلأ بحب الوطن، فنوع الشاعر بين المكان النصي/الطباعي والمكان الجغرافي.
ويكتب الشاعر مقطوعة مرقمة قصيرة جدا، ربما على غرار الومضة، اللفتة الشعرية القصيرة، رغم أن العنوان لا يوحي بأي دلالة مكانية، فيقول محمد :
“(1)
عدا وجع الفقدان..
وأرصفة الغربة..
لا شيء يدل عليك.
(2)
لماذا يا قمري..
ما عادت توقظ قلبي الآن
أغانيك البيضاء”
فالمكانان هما الأرصفة ودلالة القمر، فهو جسم سماوي، لكنه بعيد، يسكن موضع غير موضعنا المتعارف عليه. ولا يزال المكان يشغل حيزا واسعا في ديوان الجرادي، فقصيدته “أخاف أن تستيقظين على خيل الريح” مرقمة حتى العدد سبعة ، ودلالة هذا الرقم عند العرب، فقد استخدموه كثيرا في جاهليتهم وورد كثيرا في القرآن الكريم، من دلالته، التمام والنهاية والكمال، فقد ختم الشاعر قصيدته بـ:
“لو أدخل النسيان..
أخاف أن تستيقظين على خيل الريح”
فالدخول فعل يرمز إلى مكان، فيرى النسيان حيز ويستطيع دخوله وربما وضع النقاط على سبيل النهائية أو هذا ما أملك لكي أعيش، فأداة الشرط لو مقرونة بتحقق الفعل، وببعد النظر الذي يملكه الشاعر، خاف على محبوبته الصحو، بتعبير مقلوب وظريف الهيئة وهو خيل الريح، فعقد مقارنة بين معرفة المحبوبة بنسيانها، فهذا يبعث فيها الصحو الصارخ، فخيل الريح، فمنذ متى للريح خيل؟، إلا كون الشاعر قد استعار من الديانات القديمة غضب الطبيعة، فقد كان الريح في وقت ما إله، ومن الطبيعي أن الإله له ممتلكات خارقة للعادة. وفي القصيدة التالية التي بعنوان توقيعات مقسمة على عشر أجزاء بما يتلاءم مع الحالة النفسية التي مر بها الشاعر، فالمقطع الثان يقول فيه:
“نحن جرحان يسيران على الأرض..
ولكن في حنايانا فراشات ونجوى”
فالجرح مكانه الجسد، لكن الجسد كان متحرك وليس ساكن، يدور في الأرض، وبخلافه وهي هنا وجه من أوجه المفارقة بلكن، حنايانا(داخل الإنسان/الجسد النابض) الفراشات دلالة على الحركة، والنجوى وهو الحديث، دلالة الديناميكية. وكل مقطوعة بداية تمهيدية للمقطع الجديد. في أسرار الصلصال العديد من الأمكنة الجسدية، تعكس حالة النشوة والشبق التي اكتنز بها النص، فحيزه كتابيا على مدار أربع صفحات، وهو مسند بحيز جغرافي ماضويا(فالعتمة/ دفق الدماء/عزف الأصابع من المصداقية/تفصلنا جدران/ اقتربي/ثقب في عري الدهشة/ تكتب سيرتها الريح على شفتيك/ أعطاف السرير/عرش الرعشة/مملكة الروح/جهات الضوء/ أقمار وسماء/مروج للضم/ غابات للثم/طهر غمامته) ومما سبق يظهر جليا كيف ما هو واقعا في مكان ما، يتجسد في فضاء شعري دلالي. ولا يمكن الغفلة عن المقاطع الشعرية القصيرة واعتبارها نصا متكاملا، ربما على غرار ما يسمى اليتيم في الأدب العربي القديم، فكان البيت الواحد يتيما، دون تسمية حديثة له، ولعل مرد هذا، ما نستوحيه من الآداب اليونانية، وعلى سبيل المثال سأورد نصا قصير جدا، كان للمكان فيه بعدا دلاليا بصورة غير مطروقة من قبل فيقول في قصيدته خيال :
“حتام..
أشعل هذه الآه ببابك
وردا يوميا
وأنسى قلبي فوق المزلاج
وأنت..
خيال يختال وراء الباب..!!
فالباب هو ثيمة النص الأولى، وهو حاجز يمنع الشاعر عن محبوبته، والورد اليومي (نص خاص به) وله مكانه وكما تقدم فكان مكانه قلب الشاعر وجسده، فالمكان كان ما بين الحي و غير الحي.
العتبات النصية: ما بين الإهداء والنص الموازي.
مصطلح العتبة ليس بجديد علينا نحن العرب، فنستخدمه في حديثنا، ولا أظن أن هناك لهجة عربية واحدة غير واردة لفظة العتبة في حديث، فنقول عتبة البيت، أي مدخله ومقدمته، وعلى سبيل مجاملة الضيوف نقول: عتبة البيت لنا والصدر لكم، كما هذه اللفظة قد وردت إلينا عبر التاريخ الديني في نصيحة سيدنا إبراهيم لابنه سيدنا اسماعيل، حين قال له غير عتبة بابك، فإذن العتبة منذ القديم لها دلالة و رمز في حياتنا الاجتماعية، بيد أن النصوص الأدبية هي مرآة العصر الذي نعيش فيه، فصارت تكتنف بالعتبات الموصوفة بالنصية، فأول من قعّد لها و شرحها شرحا مفصل هو جيرار جينيت، وقد عرفها عبد الحق بعاد بـ”مجموعة من الافتتاحات الخطابية للنص أو الكتاب” وهي أولى مناطق الكشف عن مجاهيل النص ورموزه، و يرى سعيد يقطين أنها” تلك التي تأتي على شكل هوامش نصية للنص الأصل، بهدف التوضيح والتعليق، أو إثارة الإلتباس الوارد، وتبدو لنا هذه المناصصات خارجية، ويمكن لها أن تكون داخلية”، فهذه الحداثة الخطابية لم تكن في أدب العرب إطلاقا، فالقصائد القديمة لم تعرف العنوان، أو الإهداء، أو الهامش الذي يتضمن شروحات للكلمات أو الشخصيات المستدعاة أو التصدير، أو لوحة العنوان، أو الرسومات المصاحبة للنص كما نرى في الدواوين الشعرية الغربية، فكل ما تقدم هدفه جذب القارئ للتأويل والتفسير لما بين النص، وشاعت هذه الطريقة التعبيرية في الأدب العربي الذي نهل من الغرب وفكرهم، ولعل شاعرنا أراد الدهشة لنا، حين لم يوسم ديوانه بإهداء، ولعل البعد الدلالي لهذا الفضاء المحذوف، أن الإهداء كان لمحبوبة الشاعر في غربتها البعيدة, فآثر الصمت والبياض الدلالي على ذكر اسمها أو إشارة تعرفنا إليها، وربما لم يكن الإهداء موجود، لأنه لا أحد يستحق الإهداء، وتخليد اسمه، كواجهة دائمة، كفاتحة الكتاب، فوجود الصفحة البيضاء المركونة، ربما فيها إشارة للموت أو الحياة، كما يخلو الديوان من مقدمة نقدية، فرأيي الشخص في الشاعر ذاته، أنه زاهد بكل مديح يثري ديوانه، ونقديا لها أثرها في التعريف عن الديوان وصاحبه فهي”وعاء معرفي وأيويولوجي تختزن رؤية المؤلف وموقفه.. إنها المؤلف ذاته”. والنص الموازي في ديوان الشاعر جاء مرتين فقط , ففي قصيدته هيثم ،يدرج تحت العنوان (إلى الشاعر محمد حسين هيثم)، ويبدو أنه اختار الاسم الأخير من اسم الشاعر كاملا، أولا- لأن الشباب ينادوا على بعضهم البعض باسم العائلة أو اللقب، بغية الإبراز الأجل والأكبر.
ثانيا-فالهيثم اسم من أسماء الأسد، ففضل الوصف الأبدي للقوة والشجاعة للشاعر الراحل.فيقول الجرادي فيه
“توجته على عرشها ملكا،
وملاكا
وأعطته أسرارها
ومفاتيحها”.
والقصيدة الأخرى، التي كتب ميتا نص قبل البدء في نصه الشعري، الجهات حصار ومنفى، فيقول” إلى ناسك اليمن الشاعر الكبير عبد الله القاضي.. لم نسأل عنه بعد، ولم ننتبه إلى(حانوته) لمقبرة (الأجينات) في الحالمة تعز منذ زمن طويل. فالظاهر أن هذا الشاعر مغمور، وقدم محمد الجرادي له لفتة طيبة في الكتابة عنه، وتجيد عزلته التي يصدح بها و يحلو له المقام فيها، فيصف الجرادي حياة القاضي بـ
“حانوته:
وطن الفقراء،
الصعاليك..
(تعويذه الطفل ردمان)
طير بشارته..
إذ يناديه في السر:(موعدنا الصبح..
والصبح)
لاصبح يصحو على صاحبي.
صبحه: جرحه
والجهات حصار..
ومنفى.”
العناوين المكانية: تكمن أهمية العنوان في عده دال فعال في بنية النص الكلية، فهو” يوجه القراءة على اعتبار أن العنوان بنية نصية” ومع ذلك يبقى “بنية صغرى لا تعمل باستقلال تام عن البنية الكبيرة” ،فهو النافذة الأولى للإشراق على النص، ومعرفة محتوياته، دون أن نبقى بحالة ضبابية، حين نذكر القصيدة، كما هو الحال في الأدب القديم، ومع وضع المعاجم، قدروا أدباء العصر القديم على التمييز بين قصائد الشاعر، بوصفها بائية المتنبي، لامية الشنفري، لامية العرب والعجم وهلم جرا… ولأننا بصدد دراسة المكان الشعري في ديوان الجرادي، فكان لابد من الوقوف على العناوين التي اشتملها الديوان، وتفصيل أصل كل عنوان، فقد بلغ عدد عناوين القصائد اثنين وثلاثين عنوان.(أرصفة لا تنام. قد من حجر. هباء. حقل. في مخيلة الغبار. وهم . خيال . ذكرى. نعي. عدن. امرأة في الزحام. الوطن الظل والغبار. سقوط. همس الشابيك. الجهات حصار ومنفى. الخطيئة. لا ظهر لي. أخاف تستيقظين على خيل الريح. توقيعات. آنستنا يا عيد. أسرار الصلصال)
فالعناوين التي جاءت/جملة اسمية: أرصفة لاتنام، هباء، حقل، في مخيلة الغبار، خيال، ذكرى، نعي، عدن، امرأة في الزحام، الوطن الظل والغبار، سقوط، همس الشابيك، الجهات حصار ومنفى، الخطئية، لا ظهر لي، على خيل الريح، توقيعات، أسرار الصلصال وهي بصورة أو أخرى هي مبتدأ وخير وتقديم لتأخير وحذف. والتي جاءت/جملة فعلية: قد من حجر، أخاف تستيقظين على خيل الريح، أسرار الصلصال)
فأول عنوان، يشي بعدم الراحة، كما أنه يشي أن مدن الشاعر كانت في زمن ما، محرضة، فالرصيف دال على ذلك، وعدم نوم الأرصفة، هو مؤشر على أن الوجع يجعل الليل والنهار سيان، فالمدائن التي يصفها الشاعر “مضرجة بالمآسي” على حد تعبير الشاعر، وتعطي الطيبين البكاء أما “الآثمين البقاء على سرر”
قُدّ من حجر: يقول الجرادي: “وقد قد من حجر قلب هذي البلاد” فالبلد الطيبة قد صارت قاسية، وقلبها من حجر، وهنا تعبير مبطن عن تبرم الشاعر من بلاده أو محاولة منه اللحاق في ركب القلوب القاسية ليعيش فيها “وأجرب قلبا كهذي القلوب”
“هباء” عنوان دال على اللامكان و على العدمية في آن واحد، واللامكان هنا يشير بصورة حتمية إلى مكان ما، لكنه مجهول.
“حقل” فقد ارتبط العربي بأرضه، فكلنا فلاحون، فهو مازال الوحيد الذي يحافظ على كرامة اليمني بعد سنوات الضياع التي مزقت الوطن إلى أشلاء، كما أنه وسيلة خلاص من “وهم الهم /الهم الوطني”.
“جاءك الوطن المرتجف”، فالوطن ملاذ آمن، فعندما، “يعتز ابن.. واهتان العزيز الحر” فعندما تقلب المعادلة، يعي الوطن فداحة خسارته، ويرتخف خوفا من شر مستتر
” في البلاد الرماد التي لا أخوك
أخوك” /”في مخيلة الغبار” ، فالمخيلة مكان فيزيقي، والغبار دال على مكان، و به يحتمي الشاعر من فرط المجون الذي أصاب مدينه فيقول:
“وأشدني..
وترا وقافية على أهداب ضوئك
في مخيلة الغبار”
“لو” أداة شرط، يترتب عليها أفعال، للحصول على نتيجة مرضية ، وهو في نظر الشاعر، و بقدير قليل “رصيف انتماء نظيف”. “عدن” اسم مدينة يمنية، يصفها الشاعر، بأنها “لا تعد خطى العابرين ولا تسأل الغرباء إذا دلفوا عن هويتهم” ، وأرى هنا أن عدن مبتدأ والقصيدة ككل خبر لها. “همس الشابيك” فالشباك شرفة الروح التي نطل منها على أمالنا جميعا ومنها نتطلع إلى الأفق البعيد، فهي من تخبر الشاعر “تباركت هذا مكانك” ،فهو يعكس حالة قسوة المكان بمفارقة لطيفة أن الشابيك تهمس.”الخطئية” هي فعل بصورة ماضوية، وفعله يحتاج إلى مكان، والشاعر يشير بطرف خفي إلى معصية سيدنا آدم لله، التي على إثرها خرج من الجنة.
المصادر:
-محمد الجرادي.لا ظهر لي ،إصدارات الأمانة العامة لجائزة رئيس الجمهورية للشباب،ط1، 2014.
المراجع:
إبراهيم جنداري.الفضاء الروائي عند جبرا إبراهيم جبرا.دار الشؤون الثقافية العامة،ط1،
أحمد ملحم إبراهيم.شعرية المكان قراءة في شعر مانع سعيد العتبية.عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع.
بشرى البستاني.قراءات في النص الشعري.دار الكتاب العربي.ط1، 2002.
ابن منظور،لسان العرب.
الجرجاني.كتاب التعريفات.مكتبة لبنان،بيروت
الرازي.مختار الصحاح.مكتبة ناشرون لبنان.تح:محمود ناصر،1995
صلاح صالح. قضايا المكان الروائي في الأدب المعاصر.دار شرقيات للنشر والتوزيع.
عبد الحق بلعاد.عتبات:جيرار جينيت من النص إلى المناص،الدار العربية للعلوم ناشرون ،2008
عبد الملك مرتاض.في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون.
غاستون بلاشار.جماليات المكان.تر:غالب هلسا،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.
غيداء شلاش.المكان والمصطلحات المقاربة له دراسة مفهوماتية،مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية.بغداد،مج:11، ع2.
محمد بنيس.الشعر العربي الحديث،بنياته وإبدلاتها.دار توبقال.ط2 ،2001.
محمد مفتاح.دينامية النص.المركز الثقافي العربي،1990.
ياسين نصير.إشكالية المكان في النص الأدبي دراسة نقدية،دار الشؤون العامة
يوري لوتمان. مشكلة المكان الفني.تر:سيزا قاسم، مجلة ألفـ ع:6 .




