بقلم: عادل فتحي عوض
في أقصى غرب الصحراء، عند حدٍّ تتلاشى عنده الخرائط ويستردُّ الرملُ حقَّه في الوجود، توجد واحةٌ صغيرة كبقعةٍ خضراء معلّقة على كتف السراب:” واحة القُبّة الزرقاء”. قريةٌ لا يزورها أحدٌ إلّا قليلًا، كأن الأرضَ تعمّدت نفيها من ذاكرتها. على أطرافها يقف جبلُ رخامٍ أبيض يبرق تحت الشمس كضرسٍ هائلٍ خرج من فم الزمن، وعلى أرضها يعيش قومٌ بسطاء: يزرعون نخيلًا وزيتونًا، يجففون التمر على الحصير، ويستخرجون الزيت ببطءٍ يليق بما يُؤكل.
جميع أهلُ الواحة يؤمنون أنّ العالم ينتهي عند أفقهم الأزرق، وأنَّ ما وراء الكثبان ليس لهم ولا يعنيهم.
يحكمهم العمدة “عبد القوي الرقباوي”، رجلٌ صنع من نفسه ظلًّا للإله: يحكم بالجهل ويُقدَّس بالطاعة، ويُحرق العقل في محراب الولاء. إذا مرَّ موكبه بين البيوت الرخامية انطفأت الأحاديث كما يسكت العصفورُ حين يعبر فوقه الصقر. يهمس الناس في السوق: «عبد القوي يعرف كلَّ شيء… حتى ما يدور في الصدور.»
كانت القريةُ في ذاتها غرابةً أخرى. بيوتٌ من رخامٍ أبيض أملس، واجهاتٌ تُشبه القبور أكثر مما تُشبه المساكن. على كلِّ جدارٍ لوحٌ منقوشٌ عليه اسمُ صاحب البيت وتاريخُ ميلاده، كأنهم يتهيّأون للموت منذ الولادة. أمّا الجبّانة، فنسخةٌ ثانية من القرية: رخامٌ على رخام، ونقوشٌ على نقوش، وفي القلب قُبّةٌ زرقاء عالية تلمع كعين السماء. هناك مقامُ “صاحب القُبّة الزرقاء”؛ يقولون إنه أول من وطئ الأرض، وإنَّ روحه تحرسهم من الوباء والجوع والشرور.
كان الفقراء يأكلون ما يفيض من القرابين، ويقولون: «البركة تسكُن ما بقي من طعامه.»
في تلك السنوات، في منتصف القرن الماضي، كانت البشريةُ تسابق أوبئتها: الكوليرا تفترس الصعيد، والإنفلونزا الإسبانية تخلّف ظلالها الثقيلة في أوروبا، والملاريا تَحصدُ أفريقيا بلا رحمة.ولم تكتف الانسانية بأوبئتها بل ظهر وباءً آخر أشد فتكا بالانسانية وهو الالحاد ،..وفي العاصمة البعيدة جلس يوسف ومراد في معملٍ شبه معتم، يتحادثان حول فكرةٍ تُريد أن تعيد ترتيب الحياة.
قال يوسف، الطبيبُ العالِم الميكروبيولوجي، وعيناه تلمعان بحماسٍ يقترب من الحمى: «تخيّل يا مراد… عالمًا بلا ميكروبات وفيروسات؛ بلا جراثيم أو بكتيريا، بلا أمراض، بلا موتٍ صغيرٍ يتسلّل في أجسادنا.»
أجابه مراد، الأنثروبولوجي المُلحد الذي درس الإنسان أكثر مما عاشه، بصوتٍ هادئٍ كمن يضع حجرًا صغيرًا على كفّة ميزان: «لكن الميكروبات هي التي جعلتنا بشرًا. بها تعلّمنا المناعة، وبها عرفنا ثمن الحياة.»
قال يوسف، وقد ضاق صدره بالنظرية: «أريد جنّةً خاليةً من المرض… حتى لو قتلنا جزءًا من الحياة نفسها.»
بعد مناقشاتٍ طويلة، انعقد عزمهما على تجربةٍ كبرى: قنبلة ميكروبيولوجية تمحو الكائنات الدقيقة في نطاقٍ محدّد، لتصنع منطقةً «مطهّرة».
بدت واحة القبة الزرقاء مثالية: معزولة، بلا قانونٍ إلا قانون عبد القوي، وبلا عيونٍ تراقب. وصلا في سيارةٍ حكوميةٍ صغيرة، بأوراقٍ مختومةٍ تقول إنهما مبعوثان لفحص «وباءٍ غامض».
استقبلهما العمدةُ في بيته الرخاميّ الواسع تتوسّطه نافورةُ فسيفساء زرقاء. حوله رجالُ دينٍ يتّلون آياتٍ مبتورة ويجمعون أحاديث موضوعة كخرزٍ ملوّنٍ يُزيّن عنق الظلم. قال وهو يبتسم ابتسامةً جامدة: «قريتي بخير… فلا تُفسدوا نظامها. العلمُ فتنةٌ إن لم يخضع للحاكم. والحاكمُ،،كما ترون،، أنا.»
ردّ يوسف بلهجةٍ تنقّط تودّدًا: «جئنا نمنحكم حياةً بلا مرض، يا مولاي،،بركةً دائمة.»
ضحك عبد القوي: «أيُّ مرض؟ أنا بنيتُ لهم بيوتًا من رخامٍ من جبلي ومنجمي، وحتى قبورهم من رخام. إن كنتم صادقين فابدؤوا من هناك.» وأشار من نافذته إلى القُبّة الزرقاء.
بدأ العالِمان عملهما في سرٍّ: يقيسان تربة الواحة وهواءها وماءها، ويحلّلان حجرَ الرخام الذي يُشيِّدون به كلَّ شيءٍ رغم فقرهم. تبيّن “لمراد “أنَّ العمدة احتكر المنجمَ المحاذي للواحة، ومنه جاء غناه وسلطانه، فلا حجرٌ يُؤخذ منه إلا بإذنه.
كلّما اقترب مراد من المقام، سمع همسًا يطفو من الأزقّة: «القُبّة تُضيء إذا غضبت، وتخفت إذا رُضيت.» كان يريد أن يصرخ في الناس: «كفّوا عن عبادةَ الجثث! أفيقوا لِمن يسرق قوتكم ويحفِر قبوركم!» لكنه بلع صرخته وهو يرى العيون خائفةً في ظلّ عبد القوي.
أما يوسف، فرأى في أهل القرية عيّنةً مثالية: أجسادٌ بسيطة، مناعةٌ ضعيفة، بيئةٌ مغلقة، وعقولٌ مُقيّدة.
كان يُهيّئ أنابيب الاختبارٍ بميكروباتٍ فتاكةٍ ربّى بعضها في معمله، ثم تمتم وهو يضبط جهازه: «سأعرف الحقيقة… وربما أصل إلى نوبل.»
في ليلةٍ غائمة، تسلّلا هو وزميله الي الجبّانة،و وضعا جهازًا صغيرًا في جوف المقام، أسفل القُبّة مباشرةً، وارتدىا كل منهما كمامةً نحاسية. قال لنفسه وهو يلامس زرّ التشغيل: «بعد هذه الليلة لن يبقى ميكروبٌ واحدٌ هنا. سنقضي على المرض… سنُخلِّد البشر.» أدار المفتاح. لم يكن هناك دخانٌ ولا انفجار؛ فقط صمتٌ كثيف، كأن الهواء تنفّس آخر مرة.
في الصباح بدا كلُّ شيءٍ أنقى: هواءٌ أخفّ، وجوهٌ أكثر صفاءً، وخفّةٌ غريبة تسري في الأجساد. قال بعضهم: «البركة زادت.» وقال آخرون: «صاحب القُبّة رضِي.» مرّ أسبوع… ثم بدأت الأرضُ تُعلن عِصّيانها. الجروح لا تلتئم. الطعامُ يُغثي. الأطفالُ يسقطون بلا سبب. الماءُ صار بلا طعمٍ ولا حياة.
واجه مرادُ “يوسفَ” بصوتٍ متهدّج: «لقد قتلتَ الناس… قتلتَ الحياة نفسها! الميكروباتُ ليست عدوًّا، هي جزءٌ من هذا الميزان ومن تلك الطبيعة.»
جلس يوسفُ واجمًا، يحدّق في القبة التي تغيّرت زرقتُها إلى لونِ السماء القاتم قبل العاصفة.
في تلك الليلة احتشد الناسُ في ساحة المقام: بكاءٌ وضجيج، أطباقُ طعامٍ وحليبٌ وقطعُ ذهبٍ تُلقى على رخام المقام. تهامسوا: «صاحب القُبّة غاضب!»
ثم ومضَ ضوءٌ غريب من القُبّة، تبعه صوتٌ يشبه الزفير، و ارتفعت سحابةٌ زرقاء رقيقة من جوف القبر واتّجهت نحو جبل الرخام. وفي اللحظة نفسها، سقط عشراتٌ الموتى كأن خيطًا خفيًّا قطع ما بينهم وبين أنفاسهم.
انقلبت القريةُ فوضى. أحرق الناسُ سيارة العالِمَين ومعملهما. هرب يوسف ومراد جريًا إلى الصحراء، يلوذان بعتمة الكثبان. حين بلغا سفح الجبل ارتمى” يوسف” على الرمل،و قد بدأت أعراضُ الموت التي رآها على الوجوه تتسلّل إلى جسده. سحب دفْتره وكتب بخطٍّ مرتجف: «أردنا إنسانًا بلا مرض… فخلقنا إنسانًا بلا حياة. أردنا أن نُنقّي الأرض من الميكروب… فمحونا ما يربط الأرضَ بالسماء. ربما صاحبُ القُبّة لم يكن ميّتًا… بل كان الحارس الأخير للتوازن.»
رفع “مراد” رأسه إلى السماء وقال كمن يُصلّي بلا كلمات: «أهي لعنةُ صاحب القُبّة… أم أنّ الطبيعة تنتقم حين نكسر ميزانها؟»
مع الصباح، جاء تجّارٌ من القرى المجاورة يطلبون كما اعتادوا كل شهر.. تمرًا وزيتًا . وجدوا الواحة خاليةً من البشر: بيوتٌ رخامية صامتة، أشجارُ نخيلٍ باهتة عليها طبقةُ غبارٍ رقيقة، ومقامٌ أبيضُ فوقه قُبّةٌ زرقاء لامعةٌ على غير عادتها. كُتبت على حافّة القبة عبارةٌ لم تكن موجودةً بالأمس، محفورةً بحدّةٍ تشبه ضوء الصباح
: «مَن أراد أن يُطهّر الحياة… فليُطهِّر نفسه أولًا.»
في الأيام التي تلت الانفجار، ظلَّ جبلُ الرخام يشهق زرقةً خفيفةً عند الغروب، كأن السحابة التي طارت من القُبّة سكنت مسامه.
وقف “مراد “بعيدًا يتأمّل الواحة الصامتة، وقد صار وحده شاهدًا على ما حدث. يستعيد تفاصيل الواحة كما تُستعاد خريطةٌ منسية: بيوتٌ هي قبورٌ مؤجّلة، قرابينُ تُطعم الفقراء ثم تتركهم للجوع الأكبر، حاكمٌ يحتكر الحجر كي يحتكر القلوب، وعالِمٌ حلم بالجنّة فأطلق جحيمَ الفراغ.
لم تكن القصةُ، كما ظنَّ أهلُ الواحة، عن قدّيسٍ غاضبٍ في قُبّةٍ زرقاء؛ ولا كما حلم “يوسفُ” عن عالمٍ مطهَّرٍ من الأحياء الصغيرة. كانت القصةُ..من البدء..عن ميزانٍ دقيق: بين الجسد وما يسكنه، بين العلم وأخلاقه، بين الإيمان وروحه، بين الحاكم وحدود سلطانه. حين اختلَّ الميزان، تكلّم الحجرُ بلغة الضوء، وترك للبشر وصيةً قصيرةً لا تحتاج تأويلًا.
من بعيدٍ، كانت الرمال تعود إلى عملها الأزليّ: تُطمس الآثار، تُعيد رسم الطريق، وتُخفي ما ينبغي أن يُخفى. غير أنَّ بعض الحكايات لا يسترها الرملُ كلّها؛ تبقى مثل نقشٍ رقيقٍ على سطح الرخام، لا يظهر إلّا حين تميل الشمسُ قليلًا:
أنَّ التطهيرَ الحقيقيّ يبدأ من الداخل، وأنَّ من يحاولُ أن يطهّر العالَم من دون أن يطهّر نفسَه، يترك خلفه صحراءَ جميلةً… لكنها ميتة.


