سامي البدري
كما تنطوي عباءة الساحر على دهش جديد في كل ثنية من ثنياتها، تفرج عباءة الشعر عن جدل (أنوثة) جديدة مع رعشة كل خيط في سداة ولحمة جدلها… وكم أنثى حاكت خيوطك يا عباءة الشعر!
هكذا بدأت حكاية الشعر، مع تفجر أول قصيدة في رهان اللغة،… وهكذا بدأ جدل أنوثة (أشياء الشعر) تحت عباءة ذلك الرهان: سببا ورهانا! ( لم تنازع أنثى شاعرة، يوما، رجل شاعر على أن تكون أنثى قائلة أول قصيدة في تاريخ الشعر الانساني على الإطلاق.، وكأن رهانها كان: لي جدل الرهان ولك القول يا شاعر)!… وكم حائك لك يا عباءة… الشعر؟!
هل هذا ما سعت (لأسطرته) ميسر حرب بإختيارها لمقولة (فاض عطرك في فمي) عتبة دخول لجدل أنوثتها: أنت من إستدعاني عندما تفجر عطر قصيدتك في فمي… فهل كانت أو كنت أنت أو كنت سأسمع ندائك من دون (ملح) جدليتي فيها؟
لنعود إلى عباءة الشعر ولنحصي خيوطها: كم أنثى تتمدد على جدل رهانات سداتها ولحمتها؟ هل يكفي أن نقول أن القصيدة أنثى وأن الشعر – إن كان مذكرا -، كالقمر، لن يكون جميلا بلا الأنوثة التي تزين بهجة جماله؟!
الشعر مجاز وعباءته (حاكها من حاكها!) جدل من خيوط اللغة والأنوثة جدل هذه اللغة، منذ كانت المرأة (طوع يمين الكلمات) بحياكة الشاعر ثامر جاسم.. هل هي مصادفة أن تكون الأنثى (طوع يمين الكلمات) لتصنع جدلها – الكلمات – وجدلها الشخصي في خيوط الحكاية؟ ولكن لم تكون الأنثى – من دون الرجل – طوع يمين الكلمات؟ هل هو خيارها أم خيار القصيدة أم خيار جدلية الأنوثة فيها؟
لنبقي هذا السؤال مواربا تحت وسادة الحلم… لتبقى القصيدة في تلظيها حتى آخر حفريات جدلها المأمولة… حيث تجد اللغة، بجريرة أنوثتها، مأواها.
وفي هذه اللحظة المتوعدة من دم القصيدة، سيكون لكل من له خيط في عباءة الشعر (دون النظر في جنسه) أن يقول: كنت هنا……….ك أنفخ النار، بحقد وزغة، على (ابراهيم) الشعر لأزيد من تأجج جدلها وأدفعها للمزيد من الحفر في جبهة الأفق، ليس أفق الشعر طبعا… فأي أفق إذا؟ أفق السؤال؟ (وأوردنا الإجابة بصيغة التساؤل من أجل المحافظة على يناعة إلحاح السؤال فيها وإصراره على المماحكة).
“””””””””””””””””””””””””””””
ذات عناد (وهذا من أجل أن نجنب الشعر الخضوع لما هو غير شعري) صارت (أنوثة) القصيدة تكابد من مرارات ( شهية التهالك على التأويل)، بمقصد الناقد عبدالرحمن طهمازي، من أجل تحديد محيط مساحة وقوفه، عاريا متوحدا إلا من إشاراته، في مواجهة مرايا الذات لمنعها من الإنطفاء والاستمرار في مواجهة الألواح التي تحتل واجهة خزانة الجد والجدة وأعلى رفوفها… وهذا هو خيط الدخان الذي إتبعه عناد الشعر، منذ ألواح كلكامش على أقل تقدير تاريخي – فلسفي.
ومثل هذا العناد كان كافيا ، بتقديري، لحفظ القصيدة من الترهل في مضارب التأويل الانفعالي الذي يلجأ اليه غير الشعراء.. هل يطالب هذا القول إعترافا بأحقية الشعر بالفلسفة؟ نبش الشعراء في خزانة الجد والجدة، وبألواح قداساتها بالذات، يقول: نعم! لن ندعي لهذا تحديدا لبؤرة خيط الدخان، الذي إتبعه وسيتبعه الشعراء أبدا، إنما هو حدس بصلادة جذوة تلك البؤرة.
“””””””””””””””””””””””””””
غير بعيد عن قداسات خزانة الجد والجدة، ثمة وجه آخر لبراءة الشعر من دم حكاية الألواح التي تحفظ لهجير قناعاتنا صحراء نبوتها: بداهته في كشف هواجسه والوجه الذي يقف خلفها: الشاعر في أشد لحظات عريه وهو في مواجهة عراء الوجود القاني وإصراره في الدفاع عن موته (الخاص/ الخيار) بإيمان نبي بلا خطايا!… وهذه هي وداعة الشعر وحريق صيفه وجهامة وجهه التي يكرهها الأنبياء المزيفون وسدنة الأضرحة الخاوية.
ومن أجل أن نوافق تدرجات مسطرة الواقع، التي تحتل (فاترينة) خزانة الجد والجدة الوقورة، علينا أن نقر أن هذه أحدى أهم فداحات الشعر!
ولكن متى كان الشعر بلا شطط، ومنذ جاست أقدام كلكامش أحراج وأشواك ذاكرة خزانة الجد والجدة؟
إنه قدر الشعر وخيار الشعراء في الوقت عينه!… ولم ولن يأتي اليوم الذي تنبأ به ماركس (في عماه الايديولوجي المقنن): سيكون بمقدور الجميع كتابة الشعر، داخل حدود جنة أيديولوجيته!
وهذا ليس لاستحالة الشعر أو عسر اللغة، بل لشططه: ضد القدر.. ضد المنطق.. ضد القانون.. وضد ألواح خزانة الجد والجدة الطيبين!
هل هي احدى أوجه الوقيعة التي دفعت كلكامش للبحث عن عشبة الخلود؟
بل لأن الشعر وجع ترف: ضد القدر.. ضد المنطق.. ضد القانون.. وضد ألواح خزانة الجد والجدة الطيبين!… وأيضا لأنه – بطريقة ما – ضد ماركس!
“””””””””””””””””””””””””””
لنبقى خلف كلكامش ليقودنا إلى حانة (سيدوري)، حيث يستظل عنترة وسركون بولص وأمرؤ القيس ونزار ومحمود درويش والسياب والبريكان وأدونيس وسعدي يوسف والحسن بن هانئ والرصافي والماغوط من هجير وقيعة الشعر: كنا نحن وبكامل وجوهنا ومن أجل أن نقول فقط : كنا هنا لننحت أنوثة القمر ونشكر حبيباتنا على بهاء أنوثتهن وأنهن علمنا وجع هذا الترف المحايث – بسطوته – لقيامة المسيح!
فكم مسيح يحتاج الشعر لينهض من جراح صلبه، دون أن يتحسسها توما متشكك؟
الجواب في عيون المتحلقين حول الطاولة المنزوية في أقصى حانة (سيدوري)… ومازلنا ندور خلف هواجس كلكامش… بحثا عن حلم ووجه حبيب وأنوثة الشعر.
الحلم أنوثة القصيدة وضالتها… وعليه توكأ كلكامش – الموبوء بحزن الفلسفة – في وجع ترفه! (كلكامش، ككل الشعراء، لم يكن فيلسوفا رواقيا ولا متنبيا بل حزينا آخر في قافلة الحالمين).
وهكذا بدأ عراء الشعر المحذوف من جغرافيا مسطرة حكمة الجد والجدة الطيبين، مع خذلان مطبق من قدر الشعراء… وهل قدر الشعراء واحد كعرائهم؟ هذا ما يحكيه تاريخ الحلم… وأنوثة الشعر التي يصر، غير الشعراء على إلغائها بجرة حنق على فداحات عباءة الشعر وترف وجعه!





