سامي البدري
حقاً، أين ستذهب عندما يفشل رأسك، لتضع السيارة قريبة منك وجاهزة لتحقيق الرحيل، كما يقول الشاعر (أودن)؟ فعندما يفشل رأسك تصبح جميع الأماكن سواء في فشلها، فلم ستتعب نفسك في تغيير المكان إذن؟
هل تصلح هذه المقدمة لطرح ومعالجة موضوع مثل النقد الأدبي؟ لست متأكداً فعلاً؛ ولكن لنحاول ونعمل ونرى.
ما هو النقد الأدبي في أبسط تعريفاته وأقربها للواقع ولهدف النقد ؟ هو عملية تحليل وتفسير وتقييم للأعمال الأدبية (النصوص الإبداعية بلغة النقد الحديث، على طريقة ماتعة ومائزة وتقانة!) لبيان جودتها واستحقاقها لفعل القراءة، في النهاية.
من هو الناقد؟
ولكن، ولتكن بدايتنا صحيحة، دعونا نتساءل ونتعرف على (من هو الناقد) وبأي مؤهلات يستحق مثل هذه الصفة. حقاً من هو الناقد؟ هل هو حقاً من يحمل لقباً أكاديمياً (تخصصياً) في النقد الأدبي أو دراسة أحد الأجناس الأدبية؟ الأكاديمية ورجالها يقولون نعم وبالتأكيد، أما الواقع، واقع قراءة النص الأدبي (بكافة أجناسه) وتداوله على الصعيد القرائي والتقييمي فيقول شيء آخر تماماً.
النقود أو الدراسات الأكاديمية التي تُجرى على النصوص الإبداعية (معظمها بحوث إلزامية أو بحوث ترقية تفرضها الأنظمة الجامعية على منتسبيها من الكوادر التدريسية، من أجل ترقيتهم في سلم الألقاب والمناصب، وطبعاً بعوائدها المادية في المرتب الشهري)، والحقيقة فهذه النقود والدراسات يقتصر نشر أغلبها على ما يسمى (المجلات المحكمة) التي تصدرها الجامعة ذاتها، وعليه فإن أغلبها يبقى حبيس الأروقة الجامعية ولا يقرأ إلا من قبل زملاء الكاتب. والمهم إنه حتى لو أقدم على قراءته كُتاب النصوص الأدبية أنفسهم، فهم لن يفهموا منه الكثير، ببساطة لأن لغته معقدة ومليئة بالمصطلحات الأكثر تعقيداً، هذا إضافة لكون أن أغلب فقرات الدراسة والبحث، هي عبارة عن مقتطفات (شواهد تدعيمية)، من أوثان مدارس النقد العالمي (بارت، تودوروف، جاكبسون، دريدا و……) ليس من دور كبير للباحث أو الدارس في غير ربطها ببعضها، وفي أغلب الأحيان تكون مفروضة فرضاً (أي توليد معنى أو مقولة أو رسالة للنص المطبق عليه) على النص الأدبي المطبق عليه، سواء كان رواية أو مجموعة قصصية أو مجموعة شعرية. وأكثر ما يثير السخرية هو أن غالبية الأكاديميين يعتمدون فكرة (وهم) أن كلما زادت الشواهد وتنوعت أسماء أصحابها الموثقة في الدراسة، فهذا يحسب دليلاً على عمقها وعظم الجهد الذي بذل بها. وطبعاً، ومضاف على هذا، فكلما تنوعت البحوث الأكاديمية على مدارس النقد، فهذا يعد دليل غنى معرفي وثقافي للناقد الأكاديمي (أي أن تكون بحوثه منوعة بحسب المدارس أو المناهج النقدية العالمية، البنيوية والسيميائية والاسلوبية و…. إلى آخر القائمة) وحتى لو لم يكن هو متخصصاً في دراسة وتطبيق أي من هذه المناهج، في أطروحة نيله للقب الجامعي، بصيغته الرسمية.
هل دراسات وبحوث الترقية الجامعية هي النقد، قياساً لتعريف النقد الذي اوردناه في بداية هذا المقال؟ لا بالقطع، ليس لأنها لا تعتمد معايير النقد التي تضمنها التعريف فقط، بل ببساطة لأن لا الأدباء، (منشئي النصوص) يفهمون ما يرد فيها ولا من يقرؤون نصوص الأدباء. إذن ما قيمتها وما جدوى كتابتها؟ قيمتها وجدواها هي نيل الترقيات والألقاب فقط.
غاية النقد هي تقييم النص وكشف مواطن جماليته. والكاتب والقارئ يتفقان على التالي: أنت يا سيدي الناقد قرأت هذا النص الادبي، إذن قلي هل هو جيد وجميل ويحتوي أفكاراً ورؤى وطروحات كبيرة وجديدة؟ حسناً، قلي كيف هو جيد ولماذا وأكشف لي عن مواطن جماله بلغة سلسة وأفهمها وبعيداً عن فيوض المصطلحات التي لا طائل من ورائها، بل وكل منها يحتاج لكتاب لفهم مقصده ومعناه. لم لا تفعل هذا يا سيدي الناقد؟
الحقيقة أن النقد ملكة وذائقة (1) في مبدئه الأساس، وهذه الملكة والذائقة تنمى وتصقل بالقراءة والممارسة المستمرتين. ومن لا يولد بهذين الشرطين الفطريين، لن يجعل منه ناقداً لا دراسة اكاديمية ولا ألف قراءة لكتب تودوروف أو رولان بارت أو جاكبسون أو…. أو…. .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 )للاطلاع على المزيد حول هذه القضية، يرجى متابعتها في كتابي الفلسفي (عتبة السلم الرملي) الفصل المعنون، الذائقة كأداة انضاج فلسفي.
هل يعني كلامي هذا أني أنسف جدوى المدارس والمناهج النقدية العالمية، التي تدرس في جميع جامعات العالم؟ لا بالقطع، ولكني أقول أن المنهج أو الرؤية النقدية التي لا تحقق رؤية النقد في مبدئه الذي أوجزه التعريف الأولي الذي أوردناه في بداية هذا المقال، وبدلاً عنها تأخذ القارئ والأديب إلى سياحة (متاهية) عرجاء بين المصطلحات والكلام الغامض وغير المفهوم، حول اشتراطات للنص هي ليست غير ابتداعات افتراضية من قبل أصحابها، مفروضة على النص، في صيغته المتعارف عليها ولا يدعمها أي نص مقدس يجبرني، كقارئ (متلقي بلغة النقد الأكاديمي!) على الأخذ بها، لأنها ليست نظريات علمية مبرهن على صحتها، وبذا ترتقي إلى مستوى الحقائق والمسلمات، ولذا فإن الأخذ بها واجب ولا يقبل الرأي أو النقاش. هي ليست سوى افتراضات وتهويمات وتصورات، لم تخدم العملية النقدية في مبدأها الأول والعملي، وعليه على الأدباء أولاً والأكاديميات ثانياً، إعادة النظر في تقييمها وحساب قيمتها في ميزان الربح والخسارة (قيمتها وفائدتها) في العملية الثقافية ككل، أولاً، والعملية النقدية الإبداعية ثانياً.
أيها الناقد، نعم، أنت طبقت منهج الاسلوبية أو البنيوية أو السيميائية على هذا النص الأدبي، وأضعتني في حرج من الشواهد والمصطلحات المفزعة المدوخة، ولكن لم تقل لي في النهاية إن كان هذا النص جدير بالقراءة وكيف ولماذا، وإن كان يستحق أن أهدر مالي ووقتي في شرائه وقراءته يا سيدي؟ عم كنت تتحدث في مقالك النقدي إذن؟ نعم أوردت لي عشرات من الآراء التنظيرية لبارت وتودوروف والشكلانيين الروس، ولكن ماذا عن القصة أو القصيدة التي يفترض أنك تصديت لكتابة تقييم لها وبيان إذا ما كانت جيدة من عدمها، في مقالك هذا؟ يقول تودوروف في كتابه…. ويقول بارت كذا، نعم ولكن أنت ماذا تقول؟ ماذا تقول معارفك وحسك النقدي وذائقتك في النص؟ احتفظ بهداية ورشد بارت والشكلانيين والسيميائيين لمعارفك، وعبر هذه المعرفة، قل لي رأيك أنت، فأنت المتصدي لكتابة النقد للنص الذي بين يديّ وليس بارت أو تودوروف.
تعتمد معظم الصحف الأوربية والأمريكية والكندية نقاداً خفيفي الوطء (ما يسمى بالنقاد الصحفيين) لمتابعة اصدارات دور النشر والعرض لأهم اصداراتها، أولاً بأول، من أجل تعريف القراء بجديد دور النشر وما يستحق القراءة منها بالفعل. وطبعاً، ورغم (خفة التسمية التي يُعرفون بها” نقاد صحفيين”) فإن عروضهم (لمن يتابعها بلغاتها الأم، بل وحتى بترجماتها إلى باقي اللغات) تدل على حس نقدي وذائقات رفيعة، كم تمنيت ومازلت أتمنى لو توفر نصفها لمن يسمون أنفسهم نقاداً أكاديميين بالفعل. فهي لطالما كانت عروضاً وافية وعميقة لأهم أفكار الكتب وطروحاتها ونواحيها الفنية والجمالية، بل، وهذا هو الأهم، ينم أغلبها، عن حس المسؤولية الأخلاقية والأدبية تجاه النص (الكتاب) وقيمته الإبداعية.
طبعاً من نافلة القول أن أقول أن أغلب الصحف والمجلات العربية تخلو من وضيفة أو صفة هذا الناقد. بل إن أغلب ما ينشر فيها من مقالات نقدية، هو مقالات مجاملات الأصدقاء لبعضهم، أو خواطر مدفوعة الثمن (من الكاتب للناقد)، أو أن تكون هجومات شعواء لدواعي وأسباب شخصية.
يهمني هنا أن أذكر لكم هذه الطرفة. عندما أتممت اطروحتي لنيل الدكتوراه في النقد الحديث وكانت (الذات العربية في عين الآخر، وهو في حالته الوطنية، رواية موسم الهجرة إلى الشمال انموذجاً. أعد هذه الرواية فتحاً في السرد العربي وكان على الجميع التعلم منها، لكن للأسف، وقياساً لما ينتج من الرواية الآن، يبدو أنها ذهبت بثمن صرخة في واد) شهق أستاذي المشرف، قبل أن يستعيد صوته ويقول: ولكن هذه الاطروحة تكاد تكون خالية من الشواهد، كيف سأقنع المجلس العلمي بقبولها؟ قلت: أليس من أول شروط نيل شهادة الدكتوراه هو الاتيان بشيء أو فكرة جديدة؟ قال نعم، ولكن هذه الاطروحة تكاد تكون كتاباً ابداعياً وأغلب أفكارها وطروحاتها هي أفكارك الخاصة، وهذا لا يتماشى مع السياقات الأكاديمية. قلت ألم يئن أن نكسر القوالب الأكاديمية وتحجرها؟ ألم يحن لنا أن تكون اطروحاتنا ابداعات حقيقية وتأتي بالجديدة دون وصاية من الغير؟ قال بلى وسأقف إلى جانبك… وكان بالفعل.
وختاماً، وفي صلب الموضوع الذي أنا في صدده وليس بعيداً عنه ولو مسافة كلمة واحدة، وأتمنى أن لا يحسبه البعض تباهياً وتبجحاً وهو: عندما كتبت قراءة (أنا أدعوها قراءة وليس نقداً) في نص (من حجر البراكين هذا المدى) للشاعر التونسي الراحل (شكري بوترعة)، أذكر أنه قال لي بالنص: ما هذا يا صديقي؟ أنت كتبت نصاً إبداعياً على النص، وربما يفوق نصي جمالاً وشعرية. ولكن، وهذا هو المهم، أنت فجرت روح النص بنصك وأضأت الجوانب التي سيشكل – ربما – على القارئ رؤيتها بدون هذه الإضاءة. أنت ستكون فتحاً نقدياً يكسر القوالب ويأخدنا إلى مساحات نقدية جديدة.
طبعاً لا أقول هذا الكلام من باب الفخر أو التباهي (وخاصة أن قائله راحل ولا يستطيع تكذيبي فيما لو لم يكن حقيقياً) إنما أورده فقط لأقول أن الذائقة الإبداعية العربية (شعراء، روائيون، قصاصون) تفوق الذائقة النقدية الأكاديمية العربية وتتقدم عليها بمراحل، أكاد أقول لن يلحق بها الأكاديميون العرب، حتى لو حصل كل منهم على عشر شهادات دكتوراه وخمسون لقب بروفسور، للأسف الشديد.
فإلى متى سنبقي السيارة قريبة، لأن الأكاديمية تفشل في تخريج نقاد ناجحين؟ ومادامت الذائقة فاشلة والحس مبلداً (فأين فائدة الرحيل إلى بلاد أخرى) بحثاً عن مصطلحات كبيرة وغامضة، لسد النقص المعرفي والتمرس الحثيث على الصنعة؟ مع الاعتذار للشاعر (أودن) على التجاوز على حرمة بيته الشعري طبعا.





