المجلة الثقافية الجزائرية

طاحونةُ الريح

شعر: منذر ابو حلتم 

 

 

في آخرِ الحقلِ

طاحونة.

وحيدةٌ

كأسنانِ عجوز.

لا بابَ لها.

لا خبز.

لا يدٌ

تدفعُ حجرَها.

لكنَّ الريحَ

تعرفُ الطريق.

تهبُّ…

فتدورُ ذراعاها

ببطء.

دائرةٌ

تعضُّ دائرة.

خشبٌ يئنّ.

حديدٌ يصدأ.

مسمارٌ يتذكّرُ 

إصبعًا تدور.

كأنَّ في بطنِها

موتى

لم يجدوا قبورَهم.

 

تدور.

كأنَّها تطحنُ الليلَ

وتنفخُ دقيقَ النجومِ

فوقَ الحقول.

وحينَ تشتدُّ الريحُ

تصرخ.

ليس صوتَ خشب.

ليس صوتَ حديد.

إنه صوتُ امرأةٍ

تُنادِي ابنَها

منذُ مئةِ عام.

ثم تسكت.

وتعودُ الريح.

فتدور.

 

في جوفِ الطاحونة

ساعةٌ مكسورة.

عقاربُها

تأكلُ بعضها.

والزمنُ

واقفٌ عندَ الباب

ينتظرُ دوره.

فوقَ السطحِ

غراب.

ينظرُ إلى السماءِ

كأنَّه يعرفُ سرًّا.

تحتَه

عشبةٌ صغيرة

تشُقُّ الحجر.

حتى الحجارة

تتعلّمُ التنفّس.

 

تدورُ الطاحونة.

يطيرُ الغبار.

فيصعدُ الماضي

مثلَ أرواحٍ خفيفة.

قريةٌ قديمة.

حصانٌ بلا ظل.

طفلٌ يركض.

امرأةٌ تحملُ جرّة.

رجلٌ يلوّحُ بيده.

ثم ..

لا أحد.

فقط الريح.

وفقط

ذلك الصوت.

خريرُ خشبٍ

يُطحن.

صريرُ حديدٍ

يُصلّي.

والطاحونة

تدور.

تدور.

كأنَّها لا تطحنُ القمحَ

بل تطحنُ الغياب.

وحينَ تهدأُ الريح

تتوقّف.

تُغمضُ عينيها الخشبيتين.

ويهبطُ المساء

على كتفِها.

لكنها لا تنام.

فهي تعرفُ شيئًا

لا يعرفه الموتى:

أنَّ الريحَ

لا تأتي من السماء.

الريحُ

تخرجُ من الأشياء

التي لم تقلْ وداعًا.