فراس حج محمد| فلسطين
في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة، تبرج ناتج عن شهوة حضور دون أن يمتلك شروط الحضور”. وبعدها تبادلنا أطراف الحديث- تلفونياً- حول الشعر، هذا الكائن الغامض الذي لا يبرح حاضراً في كل حوار، أتينا في نهاية الحوار على كتابه “شذرات اللقيط” (2018) هذا الكتاب المتضخم، الكبير، المقارب من (470) صفحة شعرية، ديوان موسوعي يعيد طرح الكثير من الأسئلة حول علاقة الشعر بالفلسفة هذه العلاقة القديمة جداً والشائكة جداً، إلى درجة أنني أحياناً أتصور أن الشاعر مهما كان منهجه وفكره إنما هو فيلسوف أفكاراً ولغة، لأنه ينشئ المعاني الثقال، ويصوغ اللغة التي يخلقها من سياق اللغة المعتادة المعجمية كأنها ليست هي، لتفاجئ المتلقي بالدهشة، وتكسر لديه أفق التوقع، وبهذا الحد الأوليّ المهم يلتقي الفيلسوف بالشاعر.
لا شك في أن ثمة تهيباً من نوع ما أن تقرأ لفيلسوف شعراً، وهذا ما عبّرت عنه بلغة مواربة خلال هذه المكالمة مع الدكتور البرقاوي عندما أتينا على الحديث عن الكتاب، لكنني تشجّعت، لا سيما وأن لي تجربة نقدية مع شعره، فسبق أن حللت قصيدة “براءة” وبيّنت كيف وظّف قصة سيدنا يوسف في هذا النص، وتجربة قراءة مع كتابه “نهد الأرض” وأفادتني عندما كتبت مقالة حول “النجمة السداسية” هذا التراث الكنعاني المسروق، وقد أحببت العملين حبّاً جماً، فكانا سبباً في هذه المعرفة التي أعتز بها.
إذاً، فأمر الفلسفة مختلف مع البرقاوي، لأكتشف بعد متعة من القراءة أنه فيلسوف يُنضج الشعر بنار الفلسفة، وليس يُطعم نار الشعر فلسفة خاصة، بمعنى آخر، لا يستطيع القارئ- أو أنا على الأقل- أن يفصل بين ما هو شعري وبين ما هو فلسفي، فكل الأفكار فلسفية صيغت بقالب شعري، فيعيد إلى الذهن مثلاً فلاسفة شعراء وأولهم وأهمهم في هذا السياق أبو العلاء المعري، ومن يتأمل تجربة المعري الشعرية ويقارنها بتجربة المتنبي مثلاً، فكلاهما قد عالج الفلسفة، إلا أن المتنبي كان “أستاذ فلسفة” ناقل فلسفة، وليس فيلسوفاً، ويُطْعِم شعره أفكاراً فلسفية، لذلك تجد فلسفة الآخرين- فلسفة أرسطو- حاضرة في شعره على سبيل التثاقف والمعرفة، وهذا ما أكدته فيما كتبته تحت عنوان “المتنبي تحت ضوء الفلسفة”. (عود الند: العدد الفصلي 19: شتاء 2021)، أما المعري فقد أنضج شعره بنار الفلسفة، أي أنه أنتج فلسفته شعراً، كما هو البرقاوي تماماً.
هذا ما جعل البرقاوي يعالج مسائل الوجود الأوليّ منذ خلق آدم عليه السلام، وربما قبل ذلك، ويطرح مواضيع الحب والحياة ومآل المصير الإنساني الذي عبّر عنه في غير هذا الكتاب بمؤلفه “كوميديا الوجود الإنساني”، كما أن شعره مليء بالطرح الفلسفي وبالأسئلة، وبالشك، والعبثية، والعدمية، حتى ليبدو لي أن هذا الديوان الضخم يصلح لإنشاء معجم فلسفيّ، فكل لفظ من ألفاظه الأساسية- غير المساعدة- هي مفاهيم فلسفية.
هل يعني أن تلك النصوص ذهنية خالصة؟ من المؤكد أن الذهنية تغلب على هذه النصوص، لكنها ذهنية الشاعر الفيلسوف لا ذهنية الفيلسوف المحض، فلا تجد في هذه النصوص أن المعنى بعيد أو غامض أو محتاج إلى تفسير، إنما هو معنى عقلي مبسّط شعرياً، يستطيع المرء أن يفهمه، وبذلك يكون البرقاوي قد طوّع الشعر لخدمة المعنى الفلسفي، فصار المعنى أقرب إلى المتلقي العربي، ففي نص بعنوان “الحياة” يقول:
أنا لا أسكن الحياة كوخاً
حتى أغادره إلى العدم
ولست كهفاً تسكنني الحياة
حتى تفرّ من حناياي
أنا الحياة
فهذه الأسطر على بساطتها المعجمية إلا أن لها معنى فلسفياً عميقاً، يلخص الحياة ذاتها المتكونة في ذات الشاعر، وكل ذات فيها حياة فإنها حكماً تأخذ حكم الشاعر ذاته، فكل حيّ هو الحياة. هذه الفكرة هي التي تجعل الحياة ذات معنى شخصي لكلّ فرد فينا، لذلك كانت الحياة دائماً فردية والحكم عليها فردياً، وفي الدين، كما في الفلسفة، البدء فردي، والمآل فردي أيضاً؛ فـ”كل نفس بما كسبت رهينة” و”لا تزر وازرة وزر أخرى”، ولعل هذه هي الفكرة المركزية التي أنشأ عليها البرقاوي فلسفته “أنطولوجيا الذات”. وعدا المعنى ففي هذه الأسطر القليلة المجتزأة من نص طويل تظهر الألفاظ ذات المنحى الفلسفي: الحياة، والكهف، والعدم، والكوخ المستعار من مارتن هايدغر.
ومثل هذا المقطع نصوص كثيرة، ولا يحتاج المتلقي أن يكون دارس فلسفة أو مشتغلاً بالفلسفة أو فيلسوفاً ليفهم معنى هذا الشعر، لذلك عندي قناعة أن الفلسفة الحقيقية لدى الفيلسوف هي المعنى المجرد الذهني الواضح المتجسد في الواقع والوقائع، لا تلك المتسلسلات اللغوية الغامضة التي ترهق الذهن، وشرحت ذلك مسبقاً في إحدى رسائلي المنشورة في كتاب الرسائل “الثرثرات المحببة”. “رسالة 12/10/2018: وأخيراً تعرفت إلى نيتشه”.
إلا أن البرقاوي يدرك هذه الحساسية في التلقي، فبعد أن يسهب في التناول الفلسفي بهذه الهيأة من الشعر، يعرّج على النقاد، ليخرج من الدائرة الفلسفية إلى نصّ بدا لي غريباً عن هذه الموسوعة الفكرية الزاخرة بالمعرفة المجسدة، ليفتح معجماً آخر ليرجم النقاد، بلغة هجائية قاسية، فلم يعترف لهم بأي دور، ولم يذكر لهم أية محمدة، وكأنه يعيد مرة أخرى إلى الواجهة العلاقة المريبة بين المبدعين- والشعراء على وجه التحديد- وبين النقاد، فلم أجد شاعراً أو روائياً مدح ناقداً في كتابته وشعره، ولا أريد أن أذكر أمثلة، فقد سبق أن أشرت إلى هذه المسألة بإسهاب في مقالة بعنوان “سلطة الناقد من النابغة الذبياني حتى إدوارد سعيد”، ويكفي هنا أن يرى المرء صورتهم في نص البرقاوي ، فالنقاد جاهلون، لا يفهمون النص، ويظلون يقتاتون على السطحيات ويتابعون التناص والعتبات، ولا يستطيعون الوصول إلى أعماق النص وكنه المعنى الذي أراده الشاعر.
إن البرقاوي في هذا النص يركل النقاد، ويطردهم من حديقته ليظل هو خالق المعنى المحلق وسيد الكلمات، وتقترب لغته من الهجاء، بل إنها هي الهجاء بعينه، كأن بينه وبين النقاد ثأراً قديماً، وقبل أن يسأل المرء نفسه عن سبب هذا الموقف، فلا بد من إجالة النظر في هذه القصيدة التي احتلت في الديوان (5) صفحات، بواقع (387) كلمة، بثلاثة مقاطع رئيسية، الأول جاء وصفاً عاماً وحكما قاطعاً سلبياً ضد النقاد، ووظف فيه الأفعال الماضية المنتهية المستقرة الحاملة للمعنى الثابت، بينما في المقطع الثاني، مقطع طويل ممتد، يتحدث فيه عن النقاد؛ يقسمه إلى عدة أقسام يغلب عليه غلبة مطلقة الأفعال المضارعة المسندة إلى واو الجماعة، ومع الأفعال المضارعة تحضر مجموعة كبيرة من المشتقات الواصفة أو العاملة التي حلت محل الأفعال المضارعة مع تأكيد أصل المعنى واستقراره. وفي المقطع الثالث الذي يتحدث فيه بضمير هو عن نفسه غالباً بصفته “شاعراً فيلسوفاً” أو “فيلسوفاً شاعراً” مستخدماً الأفعال المضارعة المسندة إلى ضمير الغائب بالإضافة إلى مجموعة من المشتقات، وقد جاء هذا المقطع القاطع في دلالته وصياغته قصيراً، كما هو المقطع الأول، وكلا المقطعين قاطعان في الحكم، فلا شكّ، ولا أسئلة، إنما جاء المقطع الأخير مادحاً الذات مدحاً واضحاً كأنها كل الوجود أو تماهت مع هذا الوجود.
هذه التركيبة الذهنية اللغوية التي يتحكم في بنائها الفكر الفلسفي المنظّم والمحكم، إلا أنها لم تعالج الموضوع برمته فلسفياً، فكما أن الشعر قرين الفلسفة، فإن النقد ابن للفلسفة كذلك ويعمل مع الفلسفة جنباً إلى جنب، فلا ناقد دون حسّ فلسفي ودون نظرة فلسفية، ولا يعقل أن يكون هناك نقد خال من الفلسفة، بل إن الفلسفة هي نوع من النقد أيضاً لأنها تحاول أن تهدم المستقرّ لتبني غيره، هذه فكرة تناولناها معاً في أحد حواراتنا كذلك، فكيف يطرد البرقاوي الفيلسوف النقاد من جنته، كما طرد أفلاطون الشعراء من جمهوريته؟ أم أن البرقاوي الشاعر هو من طرد النقاد من جنّة المعنى فأصيب على نحو طارئ بانفصام في شخصيته المعرفية، ليمارس هذه السلطة ضد النقاد فيرى فيهم ما رآه؟
أظن أن المسألة تتعلق بالتلقي، فمن يعرف البرقاوي لا يعرفه شاعراً، إنما يعرفه فيلسوفاً، وإنتاجه الفكري متمحور حول الفكر والفلسفة، فلذلك تتشكل دائرة معارفه في هذا الوسط الأكاديمي الفلسفي، فهو عميد “بيت الفلسفة” في الفجيرة، ويرأس تحرير مجلة البيت المسماة باسم “بيت الفلسفة” منذ عددها الأول الصادر في يناير/ كانون الثاني 2022، ومؤلفاته فلسفية، وهذه مسألة ليست لها علاقة بجودة الشعر ورداءته، إنما قد يكون الشاعر “كنزاً مخبوءاً” في أصداف الفلسفة، فتجني عليه شاعراً وتضيع شاعريته وبصمته الشعرية جرّاء ذلك، علماً أن من يحمل بِطِّيختين بيد واحدة فإن الخطر سينال الاثنتين، إلا إذا أفلح بإدخال إحداهما في الأخرى كما صنع البرقاوي، فاحتال للأمر فجعل الفلسفة شعراً، فربح الفلسفة وإن خسره النقاد والمتلقين شاعراً، لكنه لم يخسر أن يكون فيلسوفاً شاعراً، وليس شاعراً متفلسفاً.
أضف إلى ذلك أن للبرقاوي ثلاثة كتب ذات طابع فلسفي في عناوينها: لعبة الحياة، والأنا وشذرات اللقيط، وظلت مرسلة من التصنيف الشعري، وإن صيغت صياغة النص الشعري، ما يؤكد ما ذهبت إليه في البداية عن طبيعة نص البرقاوي أنه نص أنضجته الفلسفة فاحتوته واستوعبته، ولذلك لم يتم تناول الفيلسوف نقدياً بصفته شاعراً حسب ما أعلم، فجاء نصه في “هجاء النقاد” بهذه الحدة، فهل قضى الفيلسوف على الشاعر- ليس فيه- وإنما في التلقي النقدي؟
إن البرقاوي ليس الوحيد في تجاهله نقدياً وإنما كثيرون من أمثاله الذين عرفوا بغير الشعر وإن أنتجوه وكتبوه، إلا أن حضورهم في السياق الثقافي ليس حضوراً شعرياً، فالعقاد والرافعي وطه حسين كتبوا الشعر لكن لم يطغ الشعر على تجاربهم الأدبية سوى العقاد الذي كان أبرزهم شاعراً، لكنه في نهاية أمره محسوب على زمرة الدارسين والنقاد وليس على الشعراء، إن هذا التجاهل لا يدفع الشاعر بأن يهاجم النقاد هذا الهجوم غير المبرّر.
والآن، فلنتجاوز معاً هذه المسألة إلى ما أشار إليه البرقاوي نفسه في نص النقاد: “فاخْتَالوا في العتبات مَرَحاً”، لأقف رغماً عنه عند “عتبة العنوان”، فلا أريد أن أخيّب ظن البرقاوي “السيئ” في النقاد؛ ولذلك سأفكك المعنى في هذا التركيب اللافت والمحرّض على التوغل فيه؛ “شذرات اللقيط”.
سبق لي أن ناقشت مصطلح الشذرة الفلسفية في غير مكان، وهي في هذا السياق كما يعرفها الباحث محمد صلاح أبو شتلة: “فقرات من جمل، على شكل مقطوعات صغيرة، ومقتصدة جدّاً في استعمال الكلمات، غير أنها ليست بالهينة والسّهلة، فإنها تنشبُ مخالبها عميقاً وتعُض وتنهش. ولا يمكن إلا حملها محمل الجد، رغم أن أكثر من واحد من أصحابها أوْصَونا بمعاملتهم بشيء من الهزل”. وهي عنده كذلك “تمتاز بالقِصر ومصابة بمتلازمة القزمية”. لكن على ما يبدو فإن أول ما أراد البرقاوي تحطيمه هذا المفهوم، كما قال في أحد لقاءاته التلفزيونية؛ إن أول عمله هو تحطيم المفاهيم السابقة ليصنع مفهومه الخاص، ولأنه لا يكتب تنظيراً نقدياً في هذا الكتاب إلا أنه يجسد المفهوم في النصوص، فجاءت نصوص الكتاب بين الومضة الشعرية المؤلفة من سطرين إلى النص المطول الذي يتجاوز صفحات طويلة، كنص النقاد نفسه، وأذكر على سبيل المثال كذلك نصوص: “أنا، احتراق، ماذا لو، كينونة، إلى أبي آدم”، وغيرها الكثير، فهذه النصوص تجاوزت معهود كتابة الشذرة عند نيتشه على سبيل المثال، فجاء النص طويلاً غير مرهق أيضاً، وسهلاً، مع تخليه عن المفهوم القديم للشذرة، وكأنه يدفع النقاد إلى اشتقاق أو اجتراح مفهوم جديد للشذرة يتخلَّوْن فيه عن “شرط القصر والتكثيف”.
وينتبه الباحث أبو شتلة إلى موضوع طول النص، فيرى أن الشذرة قد تكون طويلة “غير أنه [نص] بُتر وقُظم بشكل غير منتظم من كذا موضع”. ولا أرى أن هذا التوصيف ينطبق على شذرات البرقاوي الطويلة في هذا الكتاب؛ فهي ليست نصوصاً مجتزأة من كتبه، ليعيد توليفها على نهج مختلف، لذلك فإن مسألة التعاريف المفاهيمية تبعاً لاشتغال الفلسفة على الذهنيات تبدو مهمة للغاية، وعليه يمكن أن أصوغ هذا التعريف للشذرة البرقاوية على هذا النحو: “نص مستقل بفكرته، يعالج موضوعه من زاوية فلسفية محددة، يبتكر شكله الخاص، وأدواته الخاصة، ولا يلتزم بشكل ما أو بأسلوب معين ورد عند السابقين”.
وعليه، يغدو شرط القصر غير لازم هنا، لأن القطعة الشعرية أو النثرية لو تمددت على عدة صفحات- كما هو الحال في الأمثلة المذكورة أعلاه- وهي تعالج فكرة محددة وخاصة، تبقى داخلة في مفهوم الشذرة الفلسفية، لأنها بعيدة عن الثرثرة، حتى وهي تستخدم تكرار الأسلوب على سبيل المثال كما في نص بعنوان “ما يغري” إذ كرر الأسلوب (15) مرة لينفتح المعنى في كل مرة على أفق جديد، ليشكل كل سطر من هذه السطور شذرة صالحة للاجتزاء والتمثل بعيداً عن النص كله، فمثلاً تستطيع أن تكتفي بهذين السطرين أو بأحدهما:
ليس في الحياة ما يغري سوى الحبّ
ليس في الحب ما يغري سوى المتعة
ومن الملاحظ في هذا النص أن تلك الأسطر الخمسة عشر لم ترتبط بحرف العطف، بمعنى أن الفكرة مؤسسة في عقل الفيلسوف أن يشكل كل سطر شذرة مستقلة بذاتها، لأن كل سطر يكثّف معنى خاصاً ليس شرطاً أن يرتبط تركيبياً أو معنوياً بما سبقه وبما بعده على الرغم من أنه جزء من نص طويل، وهذا أيضا ما يجسّد عملياً البعد عن الثرثرة في الكتابة.
وأما اللقيط فهو الفيلسوف ذاته، الشاعر نفسه، أحمد نسيم البرقاوي، يقول في نصٍّ له هذا العنوان “اللقيط”:
أنا اللقيط
رُميتُ
على قارعة الوجود
طويلاً بقيتُ مرمياً على قارعة الوجود
لا يدٌ مُدَّتْ لِيَدي
ولا امرأة حاولت ضَمِّي
حتى الشيطان حدّق في عيني ومضى.
طويلاً بقيتُ مرمياً على قارعة الوجود
إلى أَنْ مرَّتْ بِيَ اللغةُ
فَاحْتَضَنتْنِي
وراحتْ تُرضِعُني من ألفِ نهد ونهد.
في هذه الشذرة ثمة معنى وجوديّ لحياته، يسنده إلى “الصدفة” فقد رُمي على قارعة الوجود، فلا أحد اعترف به أو اهتم به حتى الشيطان نفسه الذي هو موكل بإغواء ابن آدم- في الرواية الدينية- حدّق في عينيه ومضى، إذاً هو “لقيط” ليس له امتدادات شرعية، هكذا وجد نفسه في هذه الحياة لا يربطه بها شيء سوى أنه أجبر على أن يكون فيها، مفتقراً لمن يمد له يده، في هذا التصور يلجأ الفيلسوف إلى اللغة، فتحتضنه وترعاه، وهكذا يأخذ اللقيط/ البرقاوي معناه الوجودي من هذه اللغة، بمعنى آخر، لا أحد يعطيك شرعية الوجود الحقيقي لا أب ولا أم ولا عشيرة ولا امرأة، ما يعطيك شرعية أن تكون هو أن تكتب، وأن توجد ذاتك وتعلن عنها وعن آرائها بالكتابة، وهذا المعنى نفسه الذي أكده خلال لقائه التلفزيوني مع أحمد الزين في برنامج روافد، وعليه؛ فإن الكتابة تكتسب أهمية موازية، وهي خطيرة، ولولا أنها كذلك لم تكن الكتابة هي مهمة الله قبل البشر، كما طرحتُ ذلك أيضاً في واحد من النصوص.
تمتد معه الفكرة، فكرة أنه لقيط عندما ينكر آباءه الفلاسفة والشعراء فيقتلهم جميعاً، أو كما قال لا يمكثون طويلاً معه يبدّلهم كل حين وحين، لأنه يريد أن يكون حرّاً وخاصاً واستثنائياً، وبذلك يعبّئ للفظ اللقيط معنى آخر؛ ليغدو مفهوماً فلسفيّاً لا معنى شعريّا فقط؛ “فهو الفرد الحر غير المرتبط بشيء يقيده، فلا ينتمي لأحد”، فكل انتماء هو قيد في الحقيقة، فعندما يكون بلا عشيرة، وبلا آباء شعريين وفلاسفة، فإنه سيكون أقدر على “صناعة ذاته” ولذلك من الطبيعي أن يصدر ديوانه “الأنا” وكتابه “أنطولوجيا الذات”، وما بثه هنا في هذا الكتاب ليشكل جماع فلسفة البرقاوي الخاصة بأنه فيلسوف “الذات الوجودية”، ليضع بصمته الفكرية والفلسفية إلى جانب فلاسفة كبار كفلاسفة اللامعقول وفلاسفة العقل أو العدمية أو غير ذلك، ويلخص كل هذه الفلسفة الخاصة به التي حاولت أن أفسرها في قوله:
وهبت الثوار سيوف القول والمصابيح
وحكمة العقلِ المُقَاتِلِ
قَتَلْتُ كُل آبَائِي عِنْدَ الفَجْرِ
ولوحتُ لَهُم بالوداع باسماً
وكتبت سفر الذات والأنا وأناشيد اللقيط.
على أية حال، كانت رحلتي في القراءة مع كتاب “شذرات اللقيط” رحلة ممتعة، فلم أقرأ كتاباً شعرياً عادياً، ولا كتاب فلسفة طلسمياً، ولا كتاب تنظيرٍ للوجود متعباً، لكنني قرأت كتاباً له من الشعر نصيب كما له من الفلسفة أنصبة، وله من التنظير شرط صحة وقبول، وعليه فالقراءة في هذا الكتاب كأنك تقرأ كتاب الحياة كلها، والمعرفة جميعها، وبالتالي فأنت في صُلب معمعة الوجود بأجمعه أو بكليّته.





