المجلة الثقافية الجزائرية

مقتل عثمان: قراءة في وقائع المشهد الأخير

د. سامح إسماعيل*

تولّى عثمان بن عفّان الخلافة عقب مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطّاب، في سياق تحوّلات سياسية واجتماعية متسارعة صاحبت انتقال السلطة إلى بني أمية، وذلك ضمن مسار سياسي جديد أخذ يتبلور منذ فتح مكة، حيث بدأت موازين القوى داخل المجتمع الإسلامي تتشكل على مستوى النخبة الحاكمة، وفق عملية سياسية دقيقة أعادت إنتاج مواقع النفوذ في الدولة الناشئة.

ويمكن القول إنّ الدور التاريخي الذي اضطلع به المستضعفون والمهمشون في مرحلة الدعوة والتأسيس بدأ يتراجع مع فتح مكة وخضوع قريش لسلطة النبي؛ فمع دمج القوى القبلية التقليدية في بنية الدولة الجديدة، جرى استدعاء العصبية القبلية ضمن إطار ديني وسياسي مختلف. وفي هذا السياق، عاد مجددًا التنافس بين بني هاشم وبني أمية، والذي تحول من صراع على المكانة والنفوذ إلى قتال من أجل السلطة، الأمر الذي ترك أثرًا حادًا على مسار الأحداث منذ التاريخ الإسلامي المبكر، وأسهم في تشكيل كثير من تحولاته اللاحقة.

ومع اتساع الدولة الإسلامية وتزايد التعقيدات الإدارية والاجتماعية، ظهرت ترتيبات جديدة أعادت تنظيم هرم السلطة وتوزيع أدوار الفاعلين الرئيسيين، الأمر الذي هيّأ البيئة السياسية لهيمنة الأمويين، وهو ما أفضى، عقب مقتل عمر بن الخطاب، إلى اختيار عثمان بن عفان (الأموي) للخلافة، وإقصاء علي بن أبي طالب وبني هاشم بالتبعية.

وارتبط هذا المسار بتراكمات ظهرت ملامحها في أواخر العهد النبوي، حين أخذت خريطة النفوذ داخل النخبة القرشية تتشكل وفق توازنات جديدة أفضت تدريجيًا إلى تعزيز موقع بني أمية في مركز صنع القرار السياسي. فمنذ فتح مكة، لم يعد حضورهم مقتصرًا على الاندماج في الجماعة الإسلامية الناشئة، بل اتجه نحو إعادة التموضع داخل البناء السياسي للدولة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الرسائل السياسية التي صاحبت الفتح بوصفها جزءًا من سياسة احتواء بني أمية ضمن أعلى شريحة في هرم السلطة. وعليه، فإنّ مقولة النبي الشهيرة:

“من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”

تتجاوز دلالتها المباشرة باعتبارها تكريمًا لزعيم قريش أو استجابةً لاعتبارات رمزية تتصل بمكانته الاجتماعية، لتُقرأ ضمن أطر السعي نحو بناء توافق سياسي يضمن انتقال مكة إلى سلطة الرسول دون صدام، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة الناشئة والنخبة الأموية، قوامها الاعتراف بالمكانة السياسية للأمويين.

هذا التوافق اقترن بإجراءات عملية، أبرزها إسناد ولاية مكة، بعد الفتح مباشرة، إلى عتاب بن أسيد الأموي، وهو شاب لم يتجاوز العشرين عامًا (الشامي، د.ت). ممّا يشي بأنّ الإدارة الفعلية كانت من الناحية العملية بيد أبي سفيان زعيم بني أمية، وهو ما يكشف عن إدراك الرسول بوعيه السياسي أهمية حضور الأمويين في قلب معادلة السلطة.

دور عمر بن الخطاب في تعزيز النفوذ الأموي

تعزّز الحضور الأموي بصورة أكثر وضوحًا خلال عهد الخليفة عمر بن الخطاب، إذ تكشف الروايات التاريخية عن توجه واضح نحو الاعتماد على الأمويين في إدارة الولايات والأقاليم، في مقابل تحفظ ملحوظ تجاه إسناد مناصب مماثلة إلى بني هاشم. حيث عيّن عمر بن الخطاب عددًا من الشخصيات الأموية أو المقربة منها في مواقع إدارية مؤثرة؛ فأسند إلى عمرو بن العاص ولاية فلسطين والأردن، وولّى الوليد بن عقبة على صدقات بني تغلب، وكان من المقربين إليه، كما ولّى يعلى بن أمية على بعض أقاليم اليمن، وجعل المغيرة بن شعبة أميرًا على الكوفة، وعيّن عبد الله بن أبي سرح ـ وهو أخو عثمان بن عفان من الرضاعة ـ واليًا على صعيد مصر. وقد تعاظم نفوذ الأخير في عهد عثمان بن عفان، حين أُلحقت إليه ولاية مصر بأكملها، الأمر الذي عزّز من حضور النخبة الأموية في إدارة أهم الأقاليم الإسلامية، ومهّد لتنامي دورها السياسي خلال العقود اللاحقة. (الشهرستاني، 2005).

ويبدو أنّ هذا التوجه لم يكن منفصلًا عن اعتبارات تتعلق بإدارة التوازنات السياسية داخل النخبة القرشية ومنع تركز النفوذ في بيت آل الرسول. ويُستدل على ذلك بما نُقل عن عمر في حديثه إلى عبد الله بن عباس عندما همّ بتوليته على حمص عقب وفاة واليها، إذ قال: “يا ابن عباس، إنّي خشيت أن يأتي عليَّ الذي هو آتٍ ـ يعني الموت ـ وأنت على عملك، فتقول: هلمَّ إلينا ولا هلمَّ إليكم دون غيركم”، وهو قول يعكس توجسًا واضحًا من بني هاشم. ويؤكد هذا المعنى ما ورد في مداولات الشورى التي أعقبت وفاة عمر، حين خاطب عبد الرحمن بن عوف علي بن أبي طالب بقوله: “أبايعك على شرط ألّا تجعل أحدًا من بني هاشم على رقاب الناس“. (الحنفي، 1952). وبغض النظر عن الجدل حول صحة الرواية أو دلالاتها، فإنّ حضورها بنوع من الزخم ضمن المدونة التاريخية، يكشف عن هاجس الخوف من الهاشميين، والحرص على الحيلولة دون تمدد نفوذهم.

ويمكن القول إنّ تركيبة مجلس الشورى الذي شكّله عمر بن الخطاب قبيل وفاته عكست ميلًا ضمنيًا نحو ترجيح كفة عثمان بن عفان. وهو ما يتسق مع خشية عمر من كراهة قريش من اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، حيث قال لابن عباس:

“إنّ عليا ابن عمك لأحق الناس بها، ولكن لا تحتمله قريش، ـ ولئن وليهم ليأخذنهم بمر الحق لا يجدون عنده رخصة“. (اليعقوبي،

ورغم أنّ المجلس ضمّ أبرز الشخصيات القرشية المؤهلة لتولي المنصب، فإنّ شبكة العلاقات القرابية والسياسية التي ربطت بين أعضائه جعلت موازين القوة داخله غير متكافئة بصورة كاملة. وقد كان علي بن أبي طالب مدركًا لهذه المعطيات، وهو ما يفسر تشاؤمه المبكر من مآلات الشورى، كما تذكر بعض الروايات التي تشير إلى أنّ عليًا شعر منذ الوهلة الأولى بأنّ مسار الخلافة يميل إلى عثمان، وهو ما عبّر عنه في مواقف منسوبة إليه في حديثه لبني هاشم، إذ قال: “إن أطيع فيكم قومكم فلن يؤمروكم ابداً، وتلقاه العباس فقال له: عدلت عنا، قال له: وما أعلمك، قال: قرن بي عثمان، ثم قال: إن رضي ثلاثة رجلا وثلاثة رجلاً، فكونوا من الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان، لا يختلفون، فلو كان الاخران معي ما نفعاني” (محمد، 2007).

وبالنظر إلى الدور الذي شغله عبد الرحمن بن عوف (الأموي) في عملية الاختيار بعد انسحابه من دائرة التنافس، حيث تحوّل عمليًا إلى صاحب الكلمة الحاسمة في ترجيح أحد المرشحين، نجد أنّ الروابط القبلية التي جمعته بعثمان بن عفان (الأموي) من جهة، وبسعد بن أبي وقاص من جهة أخرى (أموي من جهة الأم)، كانت عاملًا حاسمًا أثّر في اتجاهات الاختيار. كما أنّ الزبير بن العوام، صهر أبي بكر الصديق، لم يكن ليختار عليًا، الذي بايع الصديق على مضض بعد أشهر من التمنع، وينطبق الأمر نفسه على طلحة بن عبيد الله، بوصفه تميميًا يدين بالولاء القرابي للصديق، الذي لم يكن على وفاق مع علي. الأمر الذي حدّ من فرص تشكّل كتلة داعمة لعلي بن أبي طالب، وكرّس الاصطفاف السياسي خلف عثمان بن عفان.

ومن ثم، فإنّ اختيار عثمان ربما يجب أن يُنظر إليه في إطار توازنات اجتماعية وقبلية وسياسية تبلورت على مدى سنوات داخل النخبة القرشية. وأسهمت هذه التوازنات في ترجيح مرشح بعينه على حساب آخر، بما جعل مسار انتقال السلطة يعكس بدرجة كبيرة بنية العلاقات السائدة داخل قريش. وفي ضوء ذلك، يمكن فهم وصول عثمان بن عفان إلى الخلافة باعتباره تتويجًا لمسار متدرج من صعود النفوذ الأموي داخل الدولة، وهو مسار أفضى إلى تعزيز حضور بني أمية في مواقع القرار، في الوقت الذي ظل فيه بنو هاشم يحتفظون بمكانة دينية-رمزية، دون أن ينعكس ذلك بالقدر نفسه على ودودهم في مواقع السلطة.

تهميش علي وتراكم الغضب

بايع عليّ مجبرًا للمرة الثالثة، غير أنه لم يُخفِ ما كان يعتمل في نفسه من غضب وضيق، إذ تورد بعض المرويات قوله:

“لقد علمتم أني أحقّ بها من غيري، والله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جور إلا على نفسي خاصة، التماسًا لأجر ذلك وفضله، وزهدًا فيما تنافستم فيه من زخرفة وزبرجة”. (الرضى، 1890).

وعلى أساس هذا الغضب المتراكم، يمكن تتبع ملامح موقف عليّ من عثمان، والذي سرعان ما برز في سياقٍ غلبت فيه اعتبارات القرابة والعصبية القبلية، وتعزّز فيه حضور بني أمية في مواقع التأثير الإداري والمالي للدولة. وقد أسهم هذا التوجّه في إذكاء التوتر بين الخليفة وعدد من الصحابة الذين تبنّوا مقاربات أكثر اعتراضًا على سياسات توزيع المال العام والإنفاق منه، وكان في مقدمتهم علي بن أبي طالب. وفي هذا السياق، برز الخلاف بين الخليفة عثمان وأبي ذر الغفاري، إذ كان أبو ذر يدعو إلى توجيه الفائض المالي نحو الصدقات والإنفاق العام وتقليص مظاهر التفاوت في الثروة والفساد المستشري، في حين اعتمدت السلطة، إلى جانب عدد من ولاتها ومنهم معاوية بن أبي سفيان، نهجًا يقوم على تنظيم الموارد وتوزيع العطاء وفق اعتبارات تقوم على الروابط القبلية والاعتبارات السياسية. وقد أدى هذا التباين في الرؤى إلى ظهور مواقف نقدية علنية من أبي ذر تجاه مظاهر الثراء والتفاوت الاجتماعي، ومن ذلك ما رُوي عنه في نقده لبني أمية، مستشهدًا بما نُسب إلى النبي:

“إذا بلغَ بنو أبي العاصِ ثلاثينَ رجُلاً، اتخذوا مالَ اللهِ دُوَلًا، وعبادَ اللهِ خَوْلًا، ودينَ اللهِ دَغَلًا”. وتظهر الروايات انحياز علي بن أبي طالب لأبي ذر الغفاري، وتأكيده على صدقه. لكن الخليفة قرّر نفي أبي ذر إلى منطقة الربذة قرب المدينة، حيث أقام هناك إلى وفاته (أبو ضيف، 1983).

وسرعان ما تصاعدت الانتقادات المتعلقة بتغليب الأمويين في التعيينات الإدارية وتوزيع الولايات، ومن ذلك استمرار ولاية معاوية على الشام عشرين سنة، وهو ما أثار اعتراض علي بن أبي طالب. وقد أسهم هذا المسار في تشكّل مناخ سياسي متوتر، غلبت فيه أسماء من بني أمية وحلفائهم على مواقع القرار الإداري والمالي، بما عزّز شعور قطاعات عريضة من الصحابة باستشراء الفساد السياسي، ومنهم علي بن أبي طالب. وفي المقابل، برزت مقاربات مختلفة داخل الدولة حول إدارة المال العام وتوزيعه، حيث ظهرت خلافات حادة حول أسس الإنفاق وحدود السلطة في التصرف ببيت المال، حيث طالب علي بتشديد الرقابة على المال العام، وعدم ربط إدارة الدولة بشبكات الولاء. وروي عنه تأكيده على الالتزام بالسنة النبوية في إدارة الموارد العامة، بوصفها مرجعًا في ضبط التصرف في المال العام.

ومن ثمّ، يمكن فهم هذه المرحلة باعتبارها لحظة تحوّل في طبيعة غضب بني هاشم من السلطة المركزية ورفضهم طريقة التوزيع المالي والإداري، حيث لم يعد النقاش مقتصرًا على أحقية علي فقط، بل اتسع الخلاف ليشمل اسم الخليفة نفسه، في ظل تغول الاعتبارات القبلية على متطلبات العدالة السياسية والاجتماعية.

أخذ الخلاف بين علي وعثمان أشكالا متعددة، لعلّ أبرزها الخلاف أثناء جمع القرآن الكريم، وتدوين مصحف عثمان حيث رُوي أنّ عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب كان لهما رأي مختلف عن رأي عثمان في كتابة البسملة بين سورتي الأنفال وبراءة، حيث اعتبرهما علي وابن عباس سورتين مستقلتين، بينما قرنهما عثمان معاً (الطحاوي، 1998). كانت مكانة علي في بني هاشم وبين الأنصار تتزايد بالتوازي مع تراجع شعبية عثمان، خاصّة وأنّ بطولات علي وتاريخه في حماية الإسلام والمسلمين، لا يمكن مقارنتها بعثمان الذي لم يشارك في غزوة بدر والذي فرّ في يوم أحد، وتخلّف عن بيعة الرضوان. (ابن الملقن، 2008). ولعل كل هذا دفع الخليفة إلى تعزيز نفوذ بني عصبته من الأمويين، ومحاولة تحجيم علي باستمرار.

المشهد الأخير

شهدت المرحلة المتأخرة من عهد عثمان بن عفّان انفجارًا واسعًا للحركة الاحتجاجية في عدد من الأمصار، حيث اجتمع المتمردون من البصرة والكوفة ومصر، وتوجهوا صوب المدينة المنورة في أوائل شوال وأوائل ذي القعدة سنة 35هـ. وقد تميّز هذا التحرك بتنسيق كبير بين المتمردين. ففي البصرة، كانت القيادة تحت كل من حكيم بن جبلة، وبشر بن شريح، ودريح بن عباد، وابن المحرك الحنفي، وكان عليهم جميعًا حرقوص بن زهير السعدي، وبلغ عددهم ما بين الستماية والألف. وفي الكوفة، تصدر المشهد الأشتر النخعي، وزيد بن صوحان، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن ذي الأصبع، وكان عليهم جميعًا عمرو بن الأصم، وبلغ عددهم كذلك ما بين الستماية والألف. أمّا في مصر، فقد تولى القيادة الغافقي بن حرب العكلي، وتحت إمرته أربع فرق أخرى بقيادة عبد الرحمن بن عديس، وكنانة بن بشر، وسودان بن حمران، وقطيرة السكوني، وبلغ عددهم أيضًا ما بين الستماية والألف. وبذلك بلغ مجموع هذه القوى المتحركة نحو المدينة على الأقل حوالي ألفين، وقد تحركوا في الظاهر بنية الحج، إلا أنّ طبيعة التحركات وما رافقها من تنسيق بين الأمصار أثارت الشكوك حول أهدافها الحقيقية. وفي هذا السياق، أرسل عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان بن عفّان، محذرًا من أن قوافل المتمردين تحركت من مصر باتجاه المدينة، وأنّها لا تنوي الحج، وإنما تتجه نحو هدف سياسي يتمثل في عزله (عبد الرحيم، 2023).

كان عثمان كما يبدو في غالبية المصادر على علم بتحرك الثوار المسلحين تجاه المدينة، حيث أخطره عبد الله بن أبي السرح بخروج الثوار، كما أخطر معاوية في الشام، ونفس الأمر فعله أبو موسى الأشعري والي الكوفة، وعبد الله بن عامر. وبالتالي كان الخليفة يدرك حجم الخطر المتصاعد، ومن ثمّ لجأ إلى مراسلة ولاته وطلب الدعم منهم لاحتواء الموقف. وهو ما دفع طه حسين إلى طرح تساؤلات حول أسباب عدم تحرك الولاة أو الأنصار بشكل فعال لنجدة عثمان، خاصّة وأنّ موسم الحج مثّل فرصة محتملة لتجمع المسلمين ودعم الخليفة، إلّا أنّ ذلك لم يُستثمر بالشكل المطلوب (حسين، 1995). ما يبرز وجود تراخي سياسي وعسكري في التعامل مع الثورة على الخليفة وحصاره في منزله.

في المشهد الأخير، كان الانتقام هو سيد الموقف، وقد سهل الأنصار مرور الثوار إلى دار عثمان عبر دار أبي الحزم الأنصاري، “وكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته، فقال له دعها يا ابن أخي، فوالله لقد كان أبوك يكرمها”، فاستحيا وخرج (الديار بكري، 1866). بينما حمل كنانة بن بشر النجيبي على الخليفة العائذ بمصحفه، كما طعنه عمرو بن الحمق عدة طعنات، “وجاء عمير بن ضابئ البرجمي، وكان أبوه قد مات في سجن عثمان، فوثب عليه حتى كسر ضلعا من أضلاعه” (السلاوي، 1895).

تكاد المصادر تُجمع على أنّ عثمان قُتل في داره وهو محاط بأنصاره، وهو ما يبدو متعارضًا مع روايات أخرى تُبرز مقاومة زوجته نائلة للقتلة، حتى قُطعت يدها، وأنّها استعانت بغلامه رباح فزاد عن الخليفة بسيفه. ويزداد هذا التعارض التباسا عند النظر إلى الروايات التي تذكر وجود شخصيات بارزة إلى جانب عثمان في تلك اللحظات، مثل: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن سلام، وعبد الله بن الزبير، والحسن بن علي، وأبي هريرة، ومحمد بن حاطب، وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم وغيرهم (الديار بكري، 1866)؛ إذ يطرح هذا الحضور المفترض تساؤلات حول كواليس المشهد الأخير داخل دار عثمان، والكيفية التي قُتل بها بهذا القدر من التشفي والانتقام والسهولة، بينما لم يصب أي من هؤلاء المناصرين بسوء. وهو ما يرجح أنّ الخليفة قتل وحده في داره، ولم يدافع عنه سوى زوجته وغلامه.

ويطرح موقف علي بن أبي طالب وبني هاشم خلال أزمة الثورة على عثمان بن عفان إشكالية معقدة تتجاوز التفسيرات التبسيطية التي تختزل الأحداث في ثنائية التأييد أو المعارضة. فالمعطيات التاريخية تشير إلى أنّ بني هاشم، وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، لم ينخرطوا في مشروع إسقاط عثمان أو التحريض المباشر عليه، لكنهم في الوقت ذاته لم يبذلوا أقصى ما يملكونه من نفوذ سياسي وعسكري لحماية سلطته ومنع نهايته المأساوية.

ويلاحظ أنّ ابن عباس، وهو أحد أبرز شخصيات البيت الهاشمي وأكثرهم قرباً من علي، اكتفى بقراءة خطاب عثمان في موسم الحج، دون أن يتحول الأمر إلى تعبئة سياسية أو قبلية واسعة النطاق. كما أنّ علي بن أبي طالب نفسه، رغم إعلانه رفض قتل عثمان، وحرص المصادر على التأكيد أنّه أرسل ابنيه الحسن والحسين للمساهمة في حراسة داره، لم يشرع في إعلان مواجهة مفتوحة مع القوى المحاصِرة للخليفة، أو حشد القبائل والأمصار للدفاع عنه، وهو صاحب الأمر في بني هاشم.

ومن ناحية الاشتباك مع عناصر القوة آنذاك، يصعب القول إنّ علياً كان عاجزاً عن التدخل لو أراد ذلك تدخلاً حاسماً، فالتجارب اللاحقة أثبتت قدرته على تعبئة عشرات الآلاف من المقاتلين في معارك الجمل وصفين والنهروان، كما أنّ مكانته الدينية والقبلية داخل قريش وخارجها كانت تؤهله للعب دور أكثر فاعلية في حماية عثمان. لذلك فإنّ الاقتصار على بعض المبادرات الرمزية المحدودة لا يبدو معبّراً عن استخدامه كامل أدواته السياسية والاجتماعية.

ويبدو أنّ هذا التردد النسبي كان مرتبطاً بتراكم خلافات عميقة بين علي وعثمان حول إدارة الدولة، فعلي كان بلا شك أحد زعماء المعارضة في المدينة، بوصفه صاحب التحفظات الواضحة على سياسات عثمان، ولا سيما ما يتعلق بتعيين الولاة من أقاربه، واتساع نفوذ البيت الأموي.

كما لعبت طبيعة إدارة الأزمة دوراً إضافياً في إضعاف الحماس للدفاع غير المشروط عن الخليفة، إذ إنّ كثيراً من كبار الصحابة كانوا يرون أنّ الأزمة نتاج أخطاء سياسية وإدارية تراكمت عبر سنوات حكم عثمان الطويلة، حتى وإن كانوا يرفضون أسلوب التمرد المسلح والحصار.

وعليه، يمكن تفسير موقف علي بوصفه موقفاً وسطاً بين موقفين؛ موقف الحفاظ على وحدة الجماعة ومنع سفك الدماء من جهة، وموقف الاعتراض على السياسات التي أسهمت في تفجير الأزمة من جهة أخرى. فهو لم يشارك في الثورة على عثمان، ولم يمنحها غطاءً شرعياً، لكنّه كذلك لم يذهب بعيدًا لدفاع عنه. ومن ثمّ فإنّ ما حدث لا يعكس بالضرورة رضا علي بمقتل عثمان، بقدر ما يعكس حدود استعداده السياسي للدفاع عن نظام حكم كان يحمل تجاهه انتقادات حادة ومتراكمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

-محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، ج5، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت، ص 312.

-الشهرستاني، علي (2005). منع تدوين الحديث، أسباب ونتائج، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ص ص 388-389.

-الحنفي، فتح الدين (1998). فلك النجاة في الإمامة والصلاة، ط2، مؤسسة دار السلام، لندن، ص127.

-اليعقوبي، أحمد (1883) تاريخ أحمد بن أبي يعقوب العباسي، ج2، تحقيق مارتن تيودور، إي جي بريل، باريس، ص183.

-محمد، عدوان (2007). الإمام علي إمام الفكر الإنساني، منشورات النايا، بيروت، ص95.

-الرضى، الشريف (1890). نهج البلاغة، ج1، المطبعة الأدبية، القاهرة، ص 77.

-أبو ضيف، أحمد (1983). دراسات في تاريخ العرب منذ ما قبل الإسلام إلى ظهور الأمويين، مؤسسة شباب الجامعة للطباعة والنشر، الإسكندرية، ص233.

-الطحاوي، أبو جعفر (1998). أحكام القرآن الكريم، ط1، مركز البحوث الإسلامية، أنقرة، ص403.

-ابن الملقن، عمر (2008). التوضيح لشرح الجامع الصحيح، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الدوحة، ص168.

-عبد الرحيم، نافع (2023). السنة والملل والنحل تقاطع وتباين، دار الجنان، ص26.

-حسين، طه (12017). الفتنة الكبرى، مؤسسة هنداوي، القاهرة، ص197.

-الديار بكري، حسين (1866). تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، المطبعة الوهبية، القاهرة، ص263.

-السلاوي، أحمد (1895). الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج1، ص ص 20-21.

-الديار بكري، حسين: المرجع المذكور، ص ص263-264.

 

 

*سامح إسماعيل / باحث أكاديمي مصري 

*تكوين