المجلة الثقافية الجزائرية

عن الكذب وأشياء أخرى

علي الشدوي

عرف القدماء الكذب بأنه عدم المطابقة مع الواقع. فلكي نعْرف الكذب لا نحتاج إلى جهاز إدراكي محدد ، ولا إلى مفاهيم معينة . ترى من أين تأتت هذه السهولة في معرفة الكذب ؟ تأتت من تبني القدماء المعاينة والمطابقة للتحقق من كذب أو صدق ما يقال أو كذبه. 

على سبيل المثال ، أورد ابن فضلان في رحلته الشهيرة أن سمك الثلج في نهر جيحون سبعة عشر شبرا ، وأنه في تلك النواحي لا يسقط إلا مصحوبا بريح عاصف شديدة ، لكن ياقوت الحموي ينقل عن ابن فضلان هذا الوصف ، ويعلق عليه قائلا : ” وهذا كذب منه ، فأكثر ما يجمد خمسة أمتار ؛ لأن ياقوتا شاهد وطابق ، وسأل أهل تلك النواحي ، أما عن الريح العاصف فيقول: ” وهذا أيضا كذب ” ؛ لأن ذلك لا يوافق العقل ، فلولا ركود الهواء في الشتاء لما عاش أحد.
يحضر وراء موقف ياقوت الحموي تصور هو أن الكذب هو ما لا يمثل أمام الإدراك المباشر أو الرؤية ، بعكس الصدق ، هذا التصور للكذب ينعكس على المعرفة من حيث هي علاقة بين راءٍٍ ومرئي ، كأنما المعرفة هي ما يدرك ويرى ، وغير المعرفة عكس ذلك.
يذكرنا ياقوت الحموي في موقفه من ابن فضلان بالتصور التقليدي للحقيقة الذي دشنه أفلاطون ، فالحقيقة تعني التوافق والتطابق ، وأن يكون الشيء متطابقا معناه أن يكون حقيقيا .
غير أن الكذب قد يطابق الواقع ، ومع ذلك يبقى كذبا ؛ لأنه يرتبط باعتقاد المتكلم ، وبهذا يكمن الكذب في عدم مطابقة ما يقال لاعتقاد قائله ، حتى لو أن ماقاله مطابق للواقع . فالله وصف المنافقين بالكذب حينما قالوا نشهد أنك لرسول الله ( سورة المنافقون ،آية 1) ؛ لعدم مطابقة ماقالوه لاعتقادهم، وإن كان ما قالوه يطابق الواقع.
وبالرغم من التخريجات التي قدمها القدماء لهذه الآية إلا أن أفكارا ظلت – ومازالت – معلقة. فقد كذب النبي إبراهيم حين أجاب “بل فعله كبيرهم هذا) حين سألوه (قالوا من فعل هذا) . وكذب مرة أخرى حين قال (إني سقيم) فأوهمهم أنه مريض. وكذب مرة ثالثة حين قال للملك (هذه أختي) يقصد زوجته سارة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام، قط إلا ثلاث كذَبات، ثنتين في ذات الله: قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وواحدة في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام؛ فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك…» الحديث([1]) .
رواه البخاري (3358)، مسلم (2371).
ــــــــــــــــــــــ
في أحيان كثيرة يسرق الكذب ثياب الحقيقة.