محمد حسين السماعنة
“لا يمكنك إيقاف الحافلة الآن فهي تجاوزت مثلث الأزرق، ومزرعة سعيد، ومحطة البنزين. والمدرسة التي نسيت فيها هاتفك صارت بعيدة جدا، والعودة لإحضاره مستحيلة، حتى لو تجرأت وطلبت من السائق العودة فإن زملاءك لن يوافقوا، بل لن يوافق السائق ولا شركة النقل، فارضَ بما كتب عليك”.
ينظر محمد ابن أبي جمال من نافذة الحافلة بعينين حائرتين، راقب المسافات التي تقطعها، وهي تبتعد بسرعة غريبة عن الصحراء التي تضم بجناحيها مدرسته، حتى أيقظته من سلسة أفكاره المتزاحمة جملٌ متطايرةٌ تحاول مواساته:
– “يا زلمة، فرصة تعيش يوما وليلة من غير إزعاج”
– “والله أريح لراسك”
– “لا تخف ما بيروح “
-“الله يسامحك يا محمد ابن أبو جمال، لازم تفقّدت حالك”
ولم تمض دقائق حتى هبطت الجمل المتطايرة، وهدأت العبارات …
ينشغل السائق بربط حزام الأمان، وينشغل المعلمون بأخبار الكون، فيتجاذبون أطراف الأحاديث همسا حينًا، وصراخا حينًا، ثم يتجادلون ويتمازحون أحيانًا، وقد يهدؤون فلا تسمع لهم ركزا، حتى لتظن أنَّ على رؤوسهم الطير، وأنت ساهم الطرف، تفكِّر بكيف سيكون طعمُ يومك من غير صوت هاتفك.
“سيتصلون بي، ولن يردَّ أحد، سيخافون، ويقلقون، سيضربون أخماسًا لأسداس، يا الله! كيف سأخبرهم أنني بخير، وأنني لا أردّ على اتصالاتهم لأنني نسيت هاتفي على مكتبي في المدرسة؟ سأتصل بهم من هاتف زميلي، لكنْ، كيف، وأنا لا أحفظ أرقام هواتفهم!”
” مسكينة، ستظن أن مكروهًا أصابني، ستتصل بي مرات، ولن يردَّ عليها أحد، ستقلق عليّ كثيرًا”
تتردد في الحافلة رنة هاتف، فينتفض محمد ابن أبي جمال ويتحسس جيوبه…
” يا الله! لا ليس هذا هاتفي، أنا نسيته في المدرسة، نسيته على الطاولة، ألا تذكر؟”
منذ سنوات لم تفارقه أنفاس الهاتف، هو ينام إلى جانبه، وفي سريره، ويرافقه حتى إلى المسجد، ويأكل معه على المائدة، وكثيرا ما رافقه إلى …
ولم تمضِ دقائقُ حتى سمع محمد بن أبي جمال صوتَ هاتفه يناديه من جديد، فمد يده إلى جيبه يبحث عنه، فلم يجده، ثم بحث في الجيب الثانية فلم يجده، وقف لينظر إن كان وقع منه تحت المقعد لكن صوت النداء جاء من حضن زميله في المقعد المجاور، فتذكر أنه نسي هاتفه في المدرسة، فعاد إلى حساباته وتوقعاته واحتمالاته…
“ليتني احتضنت هاتفي كما يحتضنه أحمد! “
استولى القلق على أنفاس محمد ابن أبي جمال، فتوحّد معها، وتمدّد على يديه اللتين كانتا تسارعان بين فينة وفينة إلى تحسس جيوبه بحثًا عن الهاتف…
تتزاحم الأقدام على درجات الحافلة، وتسرع في الخروج منها، يهبط محمد ابن أبي جمال درجات الحافلة بارتباك فيعثر ويقع على الأرض.
“سلامات يا محمد، قالها أحد المعلمين، وأمسكني من يدي، ورفعني عن الأرض، ثم قال باسمًا: كم أثّر فيك نسيان هاتفك!
مضى الليل طويلًا على محمد، وهو يبني حواراتٍ مع من لم يرد على اتصالاتهم، ورسائلهم، وتعليقاتهم…
“سأفتح الواتس أولًا، سأعتذر منهم، وأكتب نسيت هاتفي في المدرسة، فاعذروني، ثم سأفتح رسائل الماسنجر وأرد عليها، وأعتذر منهم كلّهم، ثم أفتح صفحة الفيس فأصدقائي هناك أكثر من خمسة آلاف…
يتقلب محمد ابن أبي جمال في فراشه؛ فالليلة طويلة جدا، والظلمة ملتصقة بزجاج نافذته، فتسحبه أفكاره من عينيه، وتدور توقعاته وظنونه في ما سيقوله أصدقاؤه الكثيرون الذين سيتصلون به ولن يرد عليهم أحد.
أمسك محمد ابن أبي جمال الشمس من يديها وسحبها من بوتقة الليل، وغسل وجهها ويديها، وألبسها ثيابها، ثم سار بها إلى موقف الحافلات، وجلس معها هناك بانتظار موعد الانطلاق…
ركض محمد ابن أبي جمال إلى غرفة مكتبه، أمسك يد الباب بقسوة وأزاحه عن طريق عينيه، ثم ركض نحو هاتفه يتعهده ويهدهده بأنفاسه…
“أعتذر منك، لن أفعلها مرة أخرى، لن أتركك وحدك مرة أخرى، أعرف أن الرسائل والاتصالات والتساؤلات لم تهدأ …أعرف، لكن لا عليك …”
يفتح محمد ابن أبي جمال صفحة الواتس، فيجدها فارغة، فينتقل بدهشة إلى صفحة الماسنجر فيجدها خاوية على عروشها، فينتقل بعصبية إلى صفحة الفيس فلا يجد حتى إعجابا واحدا، فيبحث في سجل الرسائل، فلا يجد سوى رسالة من شركة الكهرباء تطالبه بسداد الفاتورة رقم…
فتح محمد ابن أبي جمال صفحة الفيس…
“سأكتب لهم …”
وما كاد يكتب الكلمة الأولى حتى نَفَدَ الشحن، وذهب الهاتف في سبات عميق.


