غادة عايش خضر
لم يكن جواز السفر يوماً مجرد أوراق تنتظر ختماً غامضاً أو موعداً مجهول للعودة، بل كان حلماً مطوياً بين الصفحات، تسبقه نبضات القلب قبل أن تقع عليه العين، وكانت صفحاته البيضاء تخفى بين سطورها الصامتة آمالاً كبيرة، وفى أخرها رموز مبعثرة بدت وكأنها شفرات تنتظر مَن يفك أسراراها …….
ولكن….. مَن يستطيع فَك شفراتها؟؟؟؟ كَسِر مات كاتمه وخرج عن نطاق السيطرة، الا رمزاً واحد يشبه مفتاحاً بلا إتجاه محدد له، بلا لون أو تاريخ، بدا كأنه مفتاح خشبى أنهكته محاولات الفتح دون استجابة من باب أقسم بأن يبقى صامداً على أرضه، حينها كان الأمل ينسحب تدريجياً، يرسم خطوط اللاعودة للذات، والأُمنيات باتت تتسرب بين رمال العمر المتناثرة، تناشد هل من منقذ !!!! يضمد جراح الزمن والعثرات……
لم يكن ذلك المفتاح كأى مفتاح أخر، بل يشبه مفتاح جدتى، ذلك المفتاح الذي ظل يحمل حكاية الفرج المؤجل منذ عقود، يبحث عن طاقة الأمل ويقين مشهود ….
كلما ضممت جواز السفر بين يديّ، أُحلق عالياً أرسم ملامح مجد قادم، أكتب معادلات لا تحتاج الى أرقام، كنت أَحن إلى أغنيات ارتبطت بمحطات من العمر، قدسية المشاعر للحظات ، رُوح الإنسجام…….
أشاهد مدينتى من الأعلى كطير مذبوح يطوف حولها لا مثيل لها، تمنيت دائماً أن تكون مدينة للسلام، في شمالها سهل ساحلى تكسوه سنابل الأمنيات، وأزهار الناردين، وفي شرقها جبال شاهدة على هجران القلوب عاماً بعد عام …..
كنت اعتقد ان جواز السفر هو بوابة إلى عالم النسيان، ممر إلى مستقبل واعد دون نيران، كنت أراه وثيقة تعيد للحياة معناها، تفتح أبواب التنقل بين الحب والوفاء وشكر الله والإمتنان ….
كنت أظن وكنت أظن وخاب ظنى حين فقدت جواز السفر بين ركام منزلى….
وكأنها إشارة ربانية توحى بالبقاء فى موطنى، وبعد أن حلقت عالياً سقطت سهواً برصاصة طائشة أردتني قتيلة أوهامي……
هى لحظة واحدة تفصلنى عن الموت وجعلتنى أعيش في خدعة اسميتها الوقت، هى لحظة يتجزأ فيها الماضى عبر هلوسات متفرقة على عدة ميادين وأنصب تذكارية معلقة، هى لحظة يتوقف فيها الركض نحو السراب والإلتزام بالواقع كيفما كان وأينما كان، لا قول لى سوى الله المستعان، وغاب جواز السفر تحت الركام، يحمل آمالاً كثيرة وآلاماً أكثر، دُفنت تحت الانقاض، وتبقُى ما تبقى من مظاهر الهذيان…
حاولت البحث عنه بين أنقاضى وأنقاض بيتي، خاطبته وكأنه يسمعنى، أين أنت؟ لماذا اختفيت؟؟؟!!!!! أعاتب الركام ماذا أفعل؟ وقد دُمِرَ حجر الأساس والخطوة الاولى لبناء أعلى صرح، أصبحت جسداً بلا روح، أيامِ مجموعة داخل ظرف بريد ينتظر الإرسال لا الطرح
ومع فشل كل محاولات العثور على جواز السفر، أدركت أن الأرض احتضنته وأعلنت نهاية مرحلة كاملة من حياتي….. وما زلت أومن بأن النهايات ليست سوى بدايات تتشكل في الخفاء، ربما البداية الجميلة من هنا …….!!
غادة عايش خضر
شمال غزة


