المجلة الثقافية الجزائرية

ميلان كونديرا: الحنين إلى المنفى

يستدعي كتابه الجهل مرارا وتكرارا رحلة عوليس. ومع ذلك فإن الأمر لا يتعلق برواية عودة بقدر ما يتعلق برواية استحالة العودة.

ــــ

فلوريان زيلر

ترجمة : الحسن علاج

تعتبر الأوديسة ملحمة مؤسسة للحنين، بما أنها تجسد ترحال بطل لا يكف عن طلب العودة إلأى مسقط رأسه. وفي هذا السياق، فإن عوليس هو من أعظم المغامرين في كل الأزمان، وهو أيضا، كما أشار كونديرا إلى ذلك، “من كبار الذين يحنون إلى الماضي”.

ولا عجب في أنه شكل مرجعية أسطورية بالنسبة لكتاب المنفى.

دقت طبول حرب طروادة، وعلى عوليس مغادرة بلده الأصلي. عشر سنوات فيما بعد، وبينما استتب السلام، قرر العودة إلى إيثاكا، لكن الآلهة صممت العزم على شيء مغاير لذلك، فتم تمديد رحلته الطويلة إلى ثلاث سنوات “تعج بأحداث غريبة الأطوار”، ثم سبع سنوات أخرى لدى الإلهة كاليبسو. لم يصنع هوميروس من ذلك الاحتجاز اختبارا لا يُقهر، ثم إن كونديرا Kundera) (سوف يذهب إلى حد القول، في رواية الجهل (L’Ignorance) (غاليمار، 2003)، أن عوليس عاش هناك حياة مترفة حقيقية. ومع ذلك، وحتى في غمرة الشهوانية، فهو لا يتجاهل أنه بالقرب من كاليبسو، بينيلوب “سوف تفتقد إلى العظمة والجمال” (النشيد الخامس)، لا يفكر البطل إلا في شيء واحد: العودة إلى الديار.

لم يرغب كافة الكتاب المهاجرين في تلك العودة. وهكذا، وبعد أربع وعشرين عاما في الأرجنتين، وست سنوات أخرى بفرنسا، لطالما رفض فيتولد غومبروفيتش Witold Gombrowicz) (العودة إلى بولونيا. وعلى الرغم من ذلك، لم يستطع كتابة كتبه إلا باللغة البولونية وشخصيات رواياته هي شخصيات بولونية ـ كما لو أن القطيعة مع بلد مسقط الرأس كانت مجرد قطيعة جغرافية. لقد غادر كونديرا براغ سنة 1975 متوجها إلى فرنسا، وظهرت رواياته الأخيرة بلغة فرنسية. تخترق موضوعة المنفى كل عمله، لكنها تظهر بقوة في رواية الجهل، التي تروي عودة مهاجرين، إرينا Irena) (وجوزيف Josef) (في بوهيميتهما الأصلية بعد عشرين عاما من الغياب (مثل عوليس). وفي ظل منظور اشتقاقي محدد (بالإسبانية، anoranza) (من فعل anorar) (“الإحساس بالحنين” ـ الذي يشتق من اللغة الكاتالانية enyorar) (الذي يشتق من الكلمة اللاتينية ignorare) (قدم تعريفا للحنين باعتباره معاناة من الجهل: “أنت بعيد، ولا أدري ما الذي صرت إليه. بلدي بعيد، ولا أعرف ما الذي يحدث فيه. “فهذه المعاناة هي التي أحس بها عوليس والتي جعلته يفضل بينيلوب على كاليبسو.

عالم يستعصي على التمييز

لكن كيف يمكن استئناف الحياة في عالم فارقناه لسنوات خلت؟ ففي رواية كونديرا، بدا الوطن الذي عاد إليه البطلان وطنا مختلفا تمام الاختلاف، إن لم يكن وطنا عدائيا. لأنه ينبغي إضافة ألم الاغتراب إلى وجع البعاد. ولتعريفه، وظف كونديرا ، في كتاب الوصايا المغدورة (غاليمار، 1993) العبارة الألمانية Entfremdung) (التي تعبر عن سيرورة يصبح ما كان قريبا منا غريبا. “وحدها العودة إلى بلد مسقط الرأس بعد غياب طويل تستطيع الكشف عن الغرابة الجوهرية للعالم والوجود”، يكتب كونديرا. أيضا، وبعد بضعة أيام، داهم جوزيف هذا الإحساس المتناقض : الحنين إلى المنفى .

تطرح استحالة العودة مشكلة أخلاقية. ففي رواية خفة كائن لا تحتمل خفته(غاليمار، 1984)، تساءل كونديرا حول أسطورة نيتشه بخصوص العود الأبدي. كيف يمكن الحكم على شيء لن يعود؟ ألا يبرر الحنين كل شيء من خلال جاذبيته؟ يروي المؤلف قصة طريفة: وهو يتصفح كتابا عن هتلر، راوده إحساس معين بالحنين (مع أن بعض أفراد عائلته لقوا مصرعهم في معسكرات النازية) لأن تلك الصور تذكره بزمن لن يعود. وأولئك الذين يحلمون، مثل جوزيف وإرينا، بالعودة يوما ما إلى إيثاكا، ألم يكن بالأحرى ماضيهم هو ما يأملون استرجاعه؟ ماض، بحكم تعريفه، لن يعود إليهم. “إن تلك المصالحة مع هتلر تنتهك الانحراف الأخلاقي العميق المتأصل في عالم مشيد جوهريا على انعدام العودة، لأن، كما كتب كونديرا ، كل شيء في هذا العالم، يتم غفرانه مقدما وكل شيء مسموح به فيه بشكل ساخر . “

ــ

مصدر النص: مجلة اقرأ الفرنسية Lire magazine) (عدد 25 يونيو ـ يوليوز ـ غشت 2026. خصصت المجلة ملفا عن هوميروس .

ـ الملحمة الأدبية

ـ لغز أبدي

ـ العالم بدون حدود

ـ أبطال أسطوريون

فلوريان زيلر Florian Zeller) (روائي، كاتب مسرحي، مخرج سنيمائي وعضو في الأكاديمية الفرنسية. لقيت أعماله الروائية نجاحا باهرا نذكر منها على سبيل المثال: جاذبية الأسوأ، فلاماريون، حائزة على جائزة أنترالييه prix Interallié) (2004)، وفي المسرح ثلاثية مسرحية الأب، الأم، والابن) وفي السنيما فيلم الأب The Father) (حظي بجائزتي أوسكار) .