سعاد أدري
أيها القاضي أشعر بالبرد…أشعر بعقدة التنفس…لماذا لم تخبرني أن سجن الحياة ليس فيه أنفاس تستطيع احتوائي…لماذا تركتني أسير وأسير حتى ألقي القبض على أنفاسي…ألم تنفعل بشيء مني وبي…إلا هذه الأنفاس…ألم ترق لك أنوثتي البريئة الممتلئة بنهر الهجران…لماذا كبلتني في أنفاسي ومعصماي قدمتهما لك كهدية لعيد الاعترافات…ايها القاضي أجب علي…لماذا لم تسلب مني سواد عباءتي …وعمري عمري أيها القاضي الذي ينشد معابد الشجون والشك في يقين الأيام المتتالية…ما تهمتي أنا…ما جريمتي…ما لاعتراف الذي جعلك تناقض القوانين والمراسيم و دستور قضاء العرب…الذي توصم أن لكل متهم وصم يؤهله ليصبح نموذج كلاسيكي لمعنى الشبهة…وصم تحمله كل امرأة خالية من معاني شرف العرب وممسكة بكبرياء الاسم فقط…حيث قيل لنا ونحن في اوج الظهور أن الأب هو شرفك…أخوك بعده…وزوجك هو كل الشرف…إذن دروس الشرف تكون قد علمت لجميع طاقم الشرف…آه منك أيها القاضي لماذا تحاول إجهاض أنه لم يتعلموا معاني الشرف لا في الأسرة…ولا في المعابد…ولا في المدارس…لماذا ينجلي اللغز في خافقك ككل الممالك والسلاطين فيما مضى ويجعلون دليل التهم ينتحب في مجالسهم…وينادى علينا برقم كاتم البوح لي والذي توجت به لمحاكمة إسمي…أيها الضابط أحضر رقم 2014 …فرد الضابط لكن أتلو علي الاسم من فضلك…فضحك القاضي وقال لا يهم فنحن بعملة الأرقام تهتدي بصائرنا…أحضرها وستعرف اسمها…اليوم وكل الأيام…ها هو يمسكني من يداي المرتجفتان ما بقي منهما الا تلك الاوتار الخضراء المتسائلة من أنا وهل أنا أعرف هذه الخطوط؟…وضع الضابط الغبي وشاحا يغطي عيناي سوادا…فقلت له: ما أغبى ضباط البلاط يطبقون الامر بدون سؤال…فنطقت أن الإسوداد الذي يلتف حولي لا يضاهي وشاحك التافه…فحدق بي مرارا غضبا…وصمتا…فسألت نفسي: ترى هل آثرته كلماتي…أم مسته في ما تبقى إرثا لرجولته…فوضعني في صومعة القضاء واقفة لا أرى شيئا سوى استماعي لكلمات عارية …وضحكات هوجاء أصابتني بتحدي أنني وقفت هنا كأول وآخر قضية… فنزع مني الوشاح الأسود وفتحت جفناي وبدأت بالتطلع لما شيده حكام العرب من مباني وزخرفة على منفى الشعوب…واذا بالقاضي وأعوانه ينظران لي ويقول أحدهما للآخر أترى انها صبية صغيرة ترى ما عنفوانها…ترى كيف هو البطن الذي أنجبها…وما حملها وانتصابها أمامنا…فسألني: ما قضيتك…؟
قلت: إسمي أيها القاضي…فهو لم يعد يحملني فنصفي مفقود بين أنفاسي والروح التي صلبتني…رد ببعض من دهشة: عذرا نحن نغير الأسماء لقناعات يومية تزعج أصحابها…لمن ينادونهم كأسماء نعوت مزعجة …وليس لأي من ذلك الذين تريدينه…إذن أتظن أنك ستقنع ما بداخلي بإجابتك الساذجة…حسنا تريدني أن آخذ مكانك وأسألك… فلا لوم على ما سأقدمه لك ولصديقيك الذين لم يفرقا حتى الآن ماذا يعني الذي وضعهما يمينا ويسارا…فنفثت ديباجتي: إن قضاء العرب ممتلئ بالمجرمين الذين يعيشون على سطح بلادكم وأنتم تحاكمون المتهمين الذين توقدوا العناء للمجيئ إلى حضرتكم مبتغين أن يجدوا معاني العدل والحق…فكيف سيحدث كل هذا وصديقيك الدور ينعتهم أن ينهضوا من تلك الكراسي التي لم تعد تحتملهما…بالله على ما تفعلون هل أنتم كهنة أم هيئة اتفقت على كل مستضعف بنعته أيها الرقم… ما لا تدركونه أن قمة رموز المسرحيات هنا عندكم في هذه القاعة التي تشتد صياحا مولولا لمن تمنحوه حق الحرية…وآه من الحرية في مواطن تنعي نفسها لنفسها…ومن ألفتموه يصرخ بالقنوط لمن منحتموه حق الحكم بأرقام صنمية مكبلة بأيام وأسابيع وشهور وأعوام لا تنتهي نفثاتها لأصحابها… ولكن ليس لكم…فإن معنى أصحابها ينتهي بين أيديكم في النطق بتلك الأرقام…فصمت أنا…وأنا أحدق بثلاثي العرب وهم يحدقون بي كبداية مسألة جديدة لم تعهدها قضاياهم ولا مجالس النداء بالأرقام…فتنهد أوسطهم بسؤاله مرة أخرى: لماذا بي داخلك إرادة تغيير اسمك واسمك يتحف بسلطانة العرب في مغربنا هذا؟؟ فابتسمت شفتاي مرددة: ما هو واضح أنك لحد الآن تحاول نسج مهزلة قضاء بلا تسمية…عذرا من مقامك أيها القاضي فمنذ وجود العرب لم تشهد مدائنها بظهور سلطانة عربية معترف بها…فهل تريدني أن أعطيك ولكل العرب شرف ذلك؟؟ فرد علي: كم عمرك أيتها الصبية؟؟ فأجبت: اهتمامك الجريء بلغة الأرقام يضفي مرارة واستغفالا للجمهور الذي في واجهتك والذي يمكث ورائي الآن…وقف بملامح الحيارى…ووقفوا جميعا وردد عبارات بها إحتراف قاضي لمعنى العدالة المنتقمة مني…عليك أن تجدي محام يحمل من فلسفة القانون ما لا يحمله غيره لكي يخرجك مما أوقعتي نفسك فيه … فهللت والضابط يمنعني فقال له القاضي أتركها تتحدث فقلت: لا حاجة لي لمن يدافع عن كبريائي لاني انثى تحمل في عروقها دم امرأة عربية وليس سلطانة عربية…الماكثة في كل ما يفصل الخطوط عن الغرب…فرد صارخا: ألم تقولي أنك لا تنتمين لقبائل العرب؟؟ فرددت: أيها القاضي قلت سلطانة عربية وليس امرأة عربية…فإذا به يجلس وكل أشكال الصمت تعتريه بكل تناقضاتها…فتحدث للمرة الأخيرة قائلا: سأدرس قضيتك ولكن اريد شهودااااا…رفعت الجلسة……..
جلسة يوم: 01.01.2019
الشاهد الأول: ساقي الحدائق…لك الكلمة أيها السيد…فأنظر اليه فتعقد البصر وخرست حواسي …وأنا ألمحه فنطقت: أنت أيها العم أنت الذي طالما كنت تراني في مزرعتك وأترجاك لتتركني بداخلها…نعم أيتها الفتاة نعم لا أدري ما تهمتك الآن… ولماذا أحضروني إلى هنا وماذا أقول؟؟ فصرخ علي القاضي فجأة عليك بالصمت الان…دعيه يروي…فنطق الشاهد يا سيدي القاضي ماذا عساي إخباركم في هذا المجلس الذي اغتصبت فيه البراءة لمن اتهموا بكل إمضاء وصم داخل الوحدة وخارجها؟ تلاحق المتهمين في أوراق هويتهم…جواز سفرهم…بين جيرانهم…بحق العادل ماذا تفعلون؟ فأجاب القاضي بكل غضب الأمر لا يعنيك عليك بإجابتي عن هذه الصبية ماذا كانت تحاول أن تفعل بمزرعتك وحدائق القرية التي تمكث فيها؟؟ فتنهد الشاهد ورد بكل دفاع عن معاني التهم الإنسانية الفارغة من مكاسب عادلة…كانت تبحث عن الطبيعة الحقيقية وسط مزرعتي تروي قريحة امرأة عربية في حرثها للتراب عن إحتواء يختارها هو بإرادته ليس بإرادتي مجتمع يجمع بين العرف والوصم…تمكث لتقطف ثمارا تغذي بها من يحتاجها فهي ترى أنها تحيا هبة لمن شيعوها في زمن يفوق تراجيديا روما… ليس مثلنا نهوى ونطمع لإكساب المسارح امتلاكا لسلطة لم نحظى بها كإعتراف في طفولتنا…تبحث عن ألوان لتبعث الأصوات المفقودة في اللاتزامن …وفجأة تمسك المطرقة وترتدي عباءة سوداء و تناديني أيها العم أحضر شاحنتك وتعال… علينا بأخذ اشكال الطين الى مكان آخر لنزرعه ورودا وأزهارا لينعم روعي بالهدوء حين أراها وهي تنمو…لعلها تنمو بشروط الطبيعة لا بشروط مجتمع يتغذى بأوجاع أوليائه… جاءت تبحث عن هوية لا تشبه هويتكم…تغير اسم أطلق عليها…كي تتخلص خيوطها من خيوط كاذبة…لو تدري أيها المحامي كم حاولت اقناعها أن اسمها جميل ويليق بامرأة تحمل قومية عربية…ولكن كن على يقين أن تهمتها ستأخذ براءتها من مخاض عدالتكم حتى ولو لم تصرحوا حضرتكم.. حتى لو لم تضعوا ختمكم …حتى لو لم تؤكد بصمتها…
الشاهد الثاني: حرفي النحت…وإني لا ألمح القاضي ينظر إلي وكل التساؤلات تشغله…ما أخذ بك لنحات يا امرأة…وها أنا لأول مرة لم أجب والكل ينظر نحوي بأصابع الإتهام بعيونهم يحبسونها… هل رأيتم ألم اقل أن الوصم يراودنا في كل مكان وزمان… فرد النحات وفي حلقه غصات يحاول نحتها بكلمات كنت قد صرت معلمته فيها مثلما يقول هو… سيدي القاضي يشرفني أن أقف هنا لأمر واحد لا ثانية له… أنني سأكون من يروي نفحة مريد نحت على الحجارة فتحول إلى مريد ينحت على الأرواح وها أنا في البداية… فرد عليه: ما خطبكم تتحدثون بلغة لا أتقنها…أيها النحات وضح أكثر…كانت تأتي إلي لأعلمها النقش بالمطرقة على حجارة لا روح فيها تحمل جماد على جماد وفي الأخير نصور صورة لأي مخلوق أردناه في سجن النظرات تماثيل روما…ولكن يا للعجب لم تفلح في تعلمه ولم يأت قبلها أحد إلا وتعلمه بسرعة…فكنت محتارا لماذا لم تستطع تعلمه…فإذا بحديثي معها يكشف لي من تكون…فرد القاضي من تكون إذن: امرأة تنحت ببقايا الروح…أيها القاضي نحن علمونا النحت على المادة ولم نسائل صوتها…ولكن هي جعلتني أهتدي إلى تلك الأصوات…أو تدري أيها القاضي: طلبت مني ان أنحت اسمها مصرة على ذلك…فنحته فكانت الأحرف مشعة فقمت بوضعه على مقرب منها…وأصبح كل من يأتي يعجب به إلا هي…فقد حطمت اسمها…بيدها…ولم أعي شيء…وحين نودي إلي اليوم لأكون عليها شاهد…بدأت اشعر بخوف من ينمو من زيف الأسماء الى وصمها…
فنظر القاضي نحوي وهم يسألني: قضية اسمك أصبحت متداولة بين العارفين لكي…وغير العارفين بكي…وأنتي لحد اللحظة لم تعرفينا على اسمك…إذن ما اسمك أيتها المتمردة على هويتك؟؟؟ فقلت: اسمي ” أمنية” رد بكل تعجب: كنت أظن أن اسمك مزعج ولكن اسمك مبدع…فأنتي رغبة روما في تاريخها…قطعته وقلت غير صحيح هذا اسمي متواطئ على شراييني…فلا تحاول ان تقنعني…
فرد: لماذا إذن لا تريدين اسمك؟؟ لأني ببساطة لا أخرج من رغبة تماثيل روما…جعلتني أصرخ في صنمية لأني تمثال أنظر ولا صوت لي على كل من يقفون لأخذ صور لي ومعي… جعلونا برغبة الاعتراف لا بصناديق الاعتراف المتناثر في مدن روما…مأساتي هي أني تمثال صوره تاريخ غريب عني…فوقف القاضي ومساعديه والجمهور يسألني ما لاسم الذي ترينه يناسب سيدة السجايا في عصر التهم والبلايا؟ فقلت: أيها القاضي أريد أن يكتب اسمي “نهاوند” لكي ذلك …فأمر الكاتب أن يدون ما يلي: في يوم الثلاثاء 07 من شهر يناير لسنة 2020 قرر قاضي بلاد العدل والحق أن يحكم على المتهمة “أمنية” بإضافة اسم ثان على اسمها وأن يصبح الاسم الكامل: ” أمنية النهاوند”
رفعت الجلسة


