المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

ـ الفكر المأساوي لألبير كامو ـ

.\” دينونة الجسد جيّدة مثل الرّوح، فيما الجسد ينكمش من الإحباط، فننعتاد بذلك على العيش قبل أن نعتاد التفكير\”..
ـ ماريا بوبوفا ـ

بقلم: عبد الغني بومعزة

تركّز فلسفة كامو أولّاً على تحليل العبث كطريقة للوجود في العالم، العبث كمتاهة وجوديّة، والإنسان(إنسان كامو)عالق فيها محاولا كسر الجدران المحيطة به والتّي تبدو له كحصار ابدي، مطلق لا مفرّ منه، هنا تأتي الفلسفة كعلامة فارقة لتتعامل مع المشكلة الأخلاقيّة للانتحار الذي هو نتيجة آليّة لعدم الجدوى، اللاّمعنى، بالأصح،العبث، في وقت لاحق يقترح كامو التمرّد على انه السّبيل الوحيد لمواجهة فكرة التلاشي والانهيار في الوجود، انّ الطريق طويل بين المكاشفة و المواجهة، مكاشفة العبث ومواجهته، لأنّه في خاتمة هذا الطّريق الطويل والشّاق هناك فكرة أخرى يقترحها كامو وسنعثر عليها في جلّ أعماله، انّه القتل، يذكّرنا هذا بميرسو في روايّة الغريب، البطل الرّافض لكلّ ما هو عقلاني(حسب وجهة رأي الآخرين)في عالم يسير بوتيرة غير عقلانيّة، يستحيل أن تتعايش هاتين الفكرتين معا، وإن حدث هذا ستكون النتيجة قاسيّة على أبطالها، انّ كلّ ما يجري في حياتنا كما هو الحال لشخصيات كامو يتحدّث بلغة المأساة، التّراجيديا، لهذا ليس غريبا على كامو وهو يحيّي أسطورة بروميثوس،يحيها من سباتها الأزلي،أسطورة بروميثوس ليست مجرّد قصّة نحكيها ، انّها العبرة والهدف والغايّة، هي احد أعظم إبداعات العقل البشري، لا يضاهيها من حيث الجمال والعظمة غير قصّة شهرزاد وهي تحاول إنقاذ نفسها من الموت من خلال صناعة الحكايّة، اللغة كأسلوب وسلاح ووسيلة للبقاء على قيد الحياة، المدهش انّه حتّى في رائعة ألف ليلة وليلة نعثر على المأساة الإنسانيّة التّي تحدّث عنها كامو والدّائرة الضيّقة من فلاسفة ما بعد الحرب العالميّة الثّانيّة، فلاسفة العقل والتمرّد والتراجيديا، عندما يتم إهدار حياة الإنسان تصبح الكلمة / اللغة سفينة نوح المنقذة من طوفان العبث، ليس سهلا البقاء على قيد الحياة، على طريقتك التّي خلقت عليها،الحفاظ على كينونتك خالصة من الفساد، يجب أن تقاوم، أن تحارب حتّى لا تجد نفسك مجرّد رقم، شيء، هنا تلمع فكرة أخرى شديدة الأهميّة في فلسفة كامو، انّه التمرّد، الإنسان المتمرّد، الرّافض للتطبيع مع العبث والذّوبان في عالمه، انّ هذا التمرّد يتوافق مع المثل الأعلى للبطل المأساوي الذّي جسّده بروميثيوس(يمكن تشبيه ميرسو ببروميثوس زماننا من وجهة نظر كامو)، وهو رمز يلجأ إليه كثيرًا، حيث يجد المؤلف في الثقافة اليونانيّة مصدرًا ملهما للحكمة العمليّة، تركّز فلسفة كامو أوّلاً على تحليل العبث كطريقة للوجود في العالم، وفيما يتعلق بذلك، تتعامل مع المشكلة الأخلاقيّة للانتحار .

في الصّفحات الأخيرة من الإنسان المتمرّد يلمّح كامو إلى العدميّة التّي سيطرت على الإنسان الأوروبي\”سرّ أوروبا أنّها لم تعد تحب الحياة، أراد هؤلاء المكفوفون محو الفرح من على وجه العالم ويؤجلونه إلى وقت لاحق، اليأس من كونهم بشر قادهم أخيرًا هذا المصير إلى تجاوز غير إنساني\”، في الخطاب الذي ألقاه في ستوكهولم بمناسبة حفل توزيع جائزة نوبل، عبّر كامو عن هذا الوعي بالأزمة والحلول الممكنة لها، الجزء التّالي عبارة عن إعلان مبادئ ومجموعة من مهمّة التحوّل الرّوحي التّي يسعى لتحقيقها، يتحدّث عن الإنسان الأوروبي الذي عاش في تلك الفترة العصيبة من تاريخ القارة العجوز، ولد في بدايّة الحرب العالميّة الأولى، كان في العشرين من عمره عندما ترسّخت قوّة هتلر وانتشار النزعات القوميّة في نفس الوقت، لقد واجه هذا الإنسان وجودا قاتما ومأساويا، انّها الحرب العالميّة الثّانيّة، معسكرات الاعتقال و الإبادات والتّعذيب والسّجون\”يجب الآن أن يربّوا أطفالهم في عالم مهدّد بالتّدمير النّووي، لا أحد، على ما أظن، يمكنه أن يطلب منك أن تكون متفائلاً(…)لكن معظمنا، في بلدي وأوروبا، رفضنا هذه العدميّة وشرعنا في البحث عن الشّرعيّة .. كان من الضّروري صياغة فن للعيش في أوقات الكوارث، وأن تولد للمرّة الثّانيّة، ثمّ نكافح بعقل متفتح ضدّ حملة الموت التّي تعمل في تاريخنا\”.. رأى الكثير من الناس بعد اكتشاف معسكرات الموت انّ إيمانهم بالله وثقتهم بالإنسان انهار، آخرون، من بينهم كامو، فضلوا مواجهة الرّعب،رفضوا ثقافة ازدراء الطبيعة البشريّة التّي تحوّلت إلى سياسة دول، كان لديهم ما يشبه الأمل على الرّغم من القلق والخوف، لقد كان أملًا انبثق من أعماق اليأس المظلم، وهو المكان الذي يولد منه الأمل الحقيقي، كما قال ميغيل أونامونو،هذا المكان هي النفس النزعة الإنسانيّة،\”النفس المؤنسنة\”،مصدر للتضامن والعمل البشري، نفس مقاتلة، تثق في تحقيق أهدافها، ولو بشكل جزئي، رسالة كامو مفادها أن أمل أولئك الذين تعاونوا في المهمّة الثوريّة لتغيير العالم هو فقط أمل حقيقي، في مواجهة مثل هذه البارانويا البشريّة يقترح كامو على وجه السّرعة استعادة\”القليل ممّا يشكل كرامة العيش والموت\”، نحن بحاجة لخلق معنى في وجه عالم يبدو عالقًا في الصّمت واللاّمبالاة، يتعرّف البشر على أنفسهم على أنّهم كائنات لقيطة أُلقي بهم في عالم سخيف، مهمّتهم هي إدخال إشارات ذات مغزى من خلال التمرّد الذّي سيؤتي ثمارًا في الفنّ والفلسفة والممارسة السّياسيّة .
هذه التجربة الرّهيبة للضرر والتّي سبّبها أولئك الذّين ليس لديهم قيمة أخرى غير الحقد والكراهيّة، حدثت أيضًا في مجتمع فقد لفترة طويلة إيمانه بالقيم الدّينيّة والأخلاقيّة التّي سادت في الماضي، ثقة تحطّمت في أيدي فلاسفة الشك باستخدام التسميّة التّي أقرّها بول ريكور(بول ريكور بالفرنسيّة،Paul Ricœur،فيلسوف فرنسي وعالم إنسانيات معاصر ولد في فالينس، شارنت، 27 فيفري 1913، توفي في شاتيناي مالابري، 20 ماي 2005،اشتغل في حقل الاهتمام التأويلي، اهتمّ بالبنيويّة، يُعتبر رائد سؤال السّرد، أشهر كتبه، نظريّة التّأويل، التّاريخ والحقيقة، الزّمن والحكي، الخطاب وفائض المعنى)، يعود تشخيص الشّر الذي يؤثّر على مجتمع قرننا إلى القرن الماضي، مع نيتشه، يمكننا تحديد هذا الشّر بالعدميّة، بدون أمل يتّجه الإنسان حتمًا إلى عالم وحشي حيث تشكّل البربريّة والموت والعدم الأفق الوحيد، أعلن نيتشه رسمياً أن الله قد مات، لقد عبّر عن حقيقة أننا نعيش في عصر من العبث واللامعقول الأكثر تطرّفًا وجنونا، أطلق عليه نيتشه اسم\”زمن آخر إنسان\”الذّي فشل في إيجاد أي معنى لوجوده، فضّل أن يترك نفسه ينجرف بعيدًا ويموت في أحضان العدم، تجدر الإشارة إلى أنّه سيكون من غير الدّقيق والاختزال إخراج نيتشه من\”العدمي\”، السّؤال الذي طرحه هو كالتّالي\”إنّه عهد البيروقراطيّة،والتنظيم الفعّال، والتكنوقراطيّة، باختصار، لماذا نشجّع التّغييرات الممكنة إذا كانت النتيجة كارثيّة؟، يتم رهن الإنسان بقوّته التحويليّة مقابل راتب، أو وجبة ساخنة دائمًا متساويّة في الكميّة والنكهة\”، يضيف قائلا بأنّ الإنسان لا يجد معنى في العالم، يصبح غير متوقع عند ظهور كائن جديد بريء،بالتالي قويّ،الرّجل الخارق، القادر على خلق ثقافة تتجاوز العدميّة والموت، الملاحظ انّ كامو يتفق تمامًا مع هذا التشخيص النيتشوي، ستظهر الفجوة لاحقًا في العلاج، بالنسبة لكامو، فإنّ خلق المعنى ممكن من خلال أخلاق التمرّد، أخلاق قويّة تعيد الإنسان إلى الوجود، وتعمل كمرشد في العمل التحويلي، أو الثّوري، جماليّة التمرّد الذّي يبشّر به كامو يكمن في مواجهة الأبعاد المظلمة لوجودنا، وخاصةً تلك الخاصة بالحياة .

***
الرّجل العبثي في ​​مواجهة الفوضى والألم :

يكرّس ألبير كامو أسطورة سيزيف لوصف الحالة التّي أطلق عليها شوبنهاور\”الكآبة السّاميّة\”والتّي تظهر العالم على انّه فقد فجأة المغزى من الحياة، الهدف من أسطورة سيزيف هو الإحساس اللامعقول الذّي يصفه كامو بأنّه\”شر العقل\” الموجود في عصرنا، مضيفًا أنّ هناك صلة مباشرة بين هذا الشّعور والطموح إلى العدم، هكذا يعبّر عن العلاقة الموجودة بين هذا الشّر والعدميّة، وكلاهما من مسبّبات الملل والضجر لأنّ العبث هو\”حالة ذهنيّة يصبح فيها الفراغ بليغًا\”، نجد انّ كامو يعرّف هذا بعدّة تعبيرات :
\”العبث هو خطيئة بدون الله\”.
\”العبث ينشأ من هذه المواجهة بين الحالة الإنسانيّة والصّمت واللاّمبالاة والشّعور بفقدان القيمة، أيضا اللاّجدوى من الحياة\”.

انّ الإحساس بالعبث يتجلّى كسلسلة من المشاعر المرهقة، فهناك نشأة العبث على مستوى العقل، بمعنى عدم فهم العالم الفوضوي والغريب عن مداركنا العقلانيّة، انّ هذا اللاّوضوح المبهم يُشعر الإنسان بعجزه عن التصرّف إزاء التّوتّرات القائمة في حياته، هما في الحقيقة قطبان للتوتّر المأساوي الذي يولّد لديه الشعور بالعبث، لكن في ضوء التّعريف الأوّل، يجب التحدّث أيضًا عن نشأة العبث على مستوى العاطفة والأخلاق، انّه لأمر خطير عندما يحتل هذا العبث الكينونة مولدا بداخلنا تجربة الألم، الألم الجسدي والمعنوي(الجسد والرّوح)، من الآن فصاعدًا، تحدث المواجهة بين رغباتنا وخيالنا و حاجاتنا الطبيعيّة والواقع العنيد الذّي يُظهر بؤسنا ومحدوديتنا وشرورنا، يمكننا إذن القول إنّ عبثيّة العلاقة بين الإنسان و العالم لا تكمن فقط في واقعها الفوضوي، ولكن أيضًا في معاناة الفرد الذي يجد نفسه في عالم بدون الله، ذاته العالم الذّي يبدو لنا شيئا عصيا على الفهم ومظلم وهرمي، هو عالم بعيون إنسان فقد الرّغبة في التمسّك به، لا يمكن اختراقه، هذا هو السّبب في أنّ كامو يقول\”العبث هو في الأساس القطيعة\” فيدفعنا لليأس والمأساويّة، يذكرني هذا بمقولة شهيرة قالها غوغان لصديقه فان غوغ عندما اشتكى هذا الأخير من قسوة وظلم البشر\”أنت محاط بالحثالة والأشرار والأغبياء\”، هذا الاكتشاف المرّ والمحبط في نفس الوقت يوقظ فينا كما قال سارتر الغثيان .
***
يرسم كامو الرّجل العبثي من خلال شخصيات أدبيّة مختلفة مثل مورسو ، بطل روايّة الغريب، أو مارتا، الشّاب ذو القلب القاسي الذي يبحث عن سعادته بأيّ ثمن، فينتهي به الأمر بقتل شقيقه في مسرحيّة\”سوء تفاهم/ Le Malentendu \” (مسرحيّة من ثلاثة فصول، وهي جزء من دورة العبث، يعود تاريخ أوّل عرض لها 24 جوان 1944 في مسرح ماثورين، من إخراج مارسيل هيراند)، ويقوم كامو بعرض عينات بشريّة مختلفة عمّا يعرف بالأنماط العبثيّة الثلاثة :
1/ الذين بقوا أسرى الحيرة :
غير قادرين على مواجهة تعقيدات الحياة من خلال الوعي، محكوم عليهم عيش حياة رماديّة(ميرسو)، يتصرّفون من خلال ردّة فعل غير ناضجة، لامباليّة وهذا بسبب افتقارهم للقيم فينتهي بهم الأمر في اليأس والانتحار(كاليجولا) .
2/ الذّين يدركون اللاّمعنى(المتعلّقون بأوهام الميتافيزيقا):
يواجهون الحياة من خلال البحث عن معنى في حياتهم، البحث عن رمز يكون ملاذهم الآمن وسببا لوجودهم، لكنّهم يقعون ضحيّة هذا الاعتقاد، تكون الإجابات عن الأسئلة المطروحة خاطئة بسبب تذرّعهم بالدّين، أو الميتافيزيقيا(الأب بانيلو في روايّة الطّاعون) .

3/ سجناء العبث المطلق :

ميزتهم الرّئيسة هي عدم الإيمان،التوصّل إلى الإجابات يكون من خلال التّجارب المعاشة وهي تجارب بعيدة عن فكرة الدّين والأخلاق وتقاليد المجتمع وعاداته، يميلون في العادة للتمرّد، التّشكيك، القتال ضدّ أسباب العبث – الظلم والمعاناة – ، يسعون وراء خلاصهم، مدركين، بالطبع، أنّ الكلمة الأخيرة هي للموت، نهاية كلّ الأشياء(دييغو، في حالة الحصار، و الدّكتور ريو في الطّاعون).
يتساءل كامو إذا لم يكن هناك سبيل آخر غير الصّمت،أو الانتحار في دورة العبث، هذا يعود بنا إلى السّؤال الفلسفي الجدلي هل الانتحار مشكلة أخلاقيّة؟، أو….، لكن كامو لديه وجهة رأي أخرى، وجهة رأي في قالب سؤال فلسفي، هل تستحق الحياة التّي نعيشها أن نقاتل من اجلها، أن لا نستسلم للمؤسّسة (كما هو بالنسبة لميرسو الذّي استسلم لحكم الإعدام معتبرا إيّاه السّبيل الوحيد لمواجهة عبثيّة الحياة والبشر،طريق لراحة النفس والرّضا عن الذات)، أم أنّه من الأفضل أن نفعل\”آخر شيء\”قبل أن تقتل نفسنا؟ .

كتب كامو في أكتوبر 1941 بعض من أفكار تولستوي حول عبثيّة الوجود، والتّي لم يجد فيها بديلاً غير الانتحار، في وقت لاحق، يصحّح ويكتب الكلمات التّاليّة\”إن وجود الموت يلزمنا إمّا بالتخلي عن الحياة طواعيّة، أو تحويلنا إلى صورة جيّدة، كلّ هذا من اجل أن نعطي لأنفسنا معنى لا يمكن للموت أن تسلبه منا\”، سيحلّل البدائل التّي تسعى لإخراج الإنسان من دورة العبث، سواء ذلك من خلال مقاربات دينيّة أو ميتافيزيقيّة، ستتمثل أطروحته في إظهار أنّ النتيجتين هي تلبيّة الحاجة لتجنّب الموت الجسدي أو تخفيفه، فكلاهما في آخر الأمر يؤديّان إلى الانتحار النفسي، يقول كامو إن من تملكه إرادة العبث لا يستسلم لفخ الانتحار، سواء أكان دينيا(اللجوء إلى الله)، أو فلسفيًا (اللجوء إلى جوهر غير قابل للتغيير)، أو جسديًا(أخذ حياته) .

في هذه المرحلة، يبدو أن أحد مصادر إلهام كامو هو هيبل(كريستيان فريدريش هيبل/Christian Friedrich Hebbel (ولد في 18 مارس 1813 في فيسلبورين – مات في 13 ديسمبر 1863 في فيينا)، فيلسوف وكاتب مسرحي ألماني)، عندما عبّرت جوديث أحد بطلات مسرحياته عن المفهوم التّالي للدين\” لقد رأيتني مرّات عديدة، عندما بدا لي أنني أجلس بهدوء عند النول، أو في مهمّة أخرى، وفجأة سجدت للصّلاة، إنّهم يؤمنون بي أن أكون تقيّة من أجل هذا، وأخاف الله، أقول لك يا ميرزا، إذا كنت أفعل هذا، فذلك لأنني لم أعد أعرف كيف أهرب من أفكاري، لذلك أصلّي لأغوص في الله، مثل نوع من الانتحار، أهرع إلى الرّب مثل اليائسين في المياه العميقة …\”، خلال هذا العمل، ستظهر جوديث كبطلة تسعى إلى التمرّد- باغتيال هولوفرنيس أحد أبطال المسرحيّة- كوسيلة أخيرة لتجاوز عبثيّة حياتها، لا تختلف كثيرا عن الأب بانيلو في روايّة الطّاعون الذّي يواجه الوباء بالدّعوة إلى الله، لكنّه يتناسى انّ النّاس ليسوا مؤمنين كما يعتقد، وجودهم في الكنيسة بذلك العدد الكبير ليس بدافع التّوبة، أو ما شابه ذلك، بقدر ما للأمر له علاقة التمسّك بوهم الخلاص وتطهير الذات وإنقاذها من الموت، انّه شعور زائف للرّضا عن الذات) .

***

يمكن أن يكون العبث الذي يُنظر إليه بمثابة محفز يسمح للشخص بالخروج من الظلّ من خلال التمرّد، والمراد من هذا هو التخلي عن الشّعور بالدّونيّة والظلم، فالحفاظ على إرادة العبث الموجودة في شخص، مثل سيزيف، يجعله يحافظ على حبّه للحياة ولتحقيق هذا عليه المرور بفكرة الألم،لا يمكن تحقيق هذا إلاّ من خلال مواجهة كلّ أشكال العبث بتعريض النفس للألم والخسارة، الألم الحيوي هو الذي دفع أونامونو إلى الإيمان بالله، وهذا ما دفع كامو إلى الإيمان بالإنسان، تقديسه، يمكن القول انّ كامو يقدّس شيئين، الإنسان و روح التمرّد فيه، فهما نبع ومصدر وجوده في الوجود، هذا الوجود كمكان مظلم وفاسد يجب تدميره وتشييد بدله عالم يستحق أن يعاش، عالم للجميع، لكن يبقى كلّ هذا وفق نظرة كامو، بالمقابل وهذا ما يعتبر مهما في فلسفة كامو، ما يجعله مميزا عن غيره من فلاسفة عصره ، فكرة التمرّد التّي لا نجدها عند غيره،
لذا نجده يعارض وجهة النظر المتشائمة والمستسلمة للوجود التّي دافع عنها شوبنهاور، والتّي بموجبها يعتبر هذا الأخير انّ جوهر العالم هو الألم وهذا الجوهر لا يمكن تغييره، ستكون هذه إحدى الخصائص التّي تفصله عن سارتر والتّي دفعته للتصريح\”لا أشعر أنني قريب جدًا من الفلسفة الوجوديّة الشّهيرة، بصراحة، أعتبر استنتاجاتهم خاطئة\”، الغثيان والأيدي القذرة كلاهما من أعمال الخضوع في مواجهة عبثيّة الحياة، على العكس من ذلك، فإن كلّ أعمال كامو هي مسيرة طويلة من التمرّد و القتال المستميت ضدّ العبث، وفي عام 1945 عندما سُئل عن احتمال أن تجد الفلسفة التّي تصر على عبثيّة العالم نفسها ضائعة في اليأس، أجاب كامو :
\”قبول عبثيّة كلّ شيء من حولنا هو خطوة وتجربة ضروريّة، لكن يجب ألا يصبح طريقًا مسدودًا\”، إنّه يثير تمرّدًا يمكن أن يكون مثمرًا، يمكن لتحليل فكرة التمرّد أن يساعد في اكتشاف المفاهيم القادرة على تقديم معنى نسبي للوجود، حتّى لو كان دائمًا مهددًا .
***

يُعتبر بليز باسكالBlaise Pascal)‏)،مواليد 19 جوان 1623– 19 اوت 1662، فيزيائي ورياضي وفيلسوف فرنسي، اشتهر بتجاربه على السّوائل في مجال الفيزياء، وبأعماله الخاصة بنظريّة الاحتمالات في الرّياضيات، هو من اخترع الآلة الحاسبة، استطاع باسكال أن يسهم في إيجاد أسلوب جديد في النثر الفرنسي بمجموعته الرّسائل الرّيفيّة)، أوّل من بدا في الكشف النقاب عن شكوكنا الوجوديّة، يمكن اعتباره من أوائل من درسوا الذّات، اكتشف عدم أمان المعرفة وكلّ الحياة البشريّة بشكل عام بسبب طبيعتها المعقدة والمضطربة، يقول بأنّه إذا ما رفع الإنسان عينه إلى ما لا نهايّة، إلى العالم المصغّر، فإن الأرض وحتّى الشّمس ستتقلّص إلى نقطة صغيرة، يظهر كلّ شخص مرئيًا كخط بالكاد يكون محسوس في حضن الكون الواسع، الإنسان لا شيء في هذا الوجود، بمعنى آخر قبل الكون الإنسان لا شيء، إذا نظرنا من الإنسان إلى العالم المصغّر، إلى أصغر الكائنات الحيّة، نرى أنّه يمكن تقسيم كلّ شيء مرارًا وتكرارًا حتّى يصل إلى شكلها الأصغر وهو الذرّة، انّه موعد مع اللانهايّة التّي تنتهي بلا شيء، لا شيء، هو المكان الذي يكمن فيه عدم التناسب وعدم التوازن و العظمة وبؤس الإنسان، هشاشته وموته،ماذا سيفعل بعد ذلك؟، مرّة أخرى لا شيء، فرغم جبروته وهذا ما أثبته في العديد من المرّات عبر العصور فهو في آخر المطاف لا شيء، ذرة، غبار، جزيء فان، الإنسان في يأس أبدي من معرفة البدايّة و النهايّة، جهله بهما، من يستطيع متابعة هذه المغامرات الفلسفيّة المذهلة؟، كامو يقول بانّ الفلسفة هي الإجابة لهذه الأسئلة، بعكس باسكال الصّوفي رقيق القلب المتأمّل في أسباب الوجود ونهاية الإنسان، عندما نتجادل في حالة من عدم اليقين، يكون انعدام الأمن للإنسان في العالم جليا، بمعنى آخر يقول باسكال انّ كلّ شيء في هذا الوجود لانهائي، كذلك الفضاء، الوقت، السّاعات والأيّام والسّنوات، لانهائيّة الأرقام والمبادئ العلميّة، كتب\”نحن نحترق برغبة في إيجاد مقعد ثابت وقاعدة متماسكة نهائيّة نبني عليها برجًا يرتفع إلى ما لا نهايّة، لكن كلّ أساساتنا تحطمت والأرض تنفتح على الهاويّة، لذلك دعونا لا نبحث عن نقطة للأمان والحزم، دائمًا ما يشعرنا هذا بخيبة أمل بسبب تقلب المظاهر، لا شيء يمكن أن يصلح بين اللاّمتناهيتين اللّتين تحيط بنا\”.
يتعمق باسكال في الأبعاد اليوميّة للوجود البشري، ويعيد اكتشاف انعدام الأمن، الثقة، الإيمان، حيث يتشارك هذه الأفكار مع غيره من القلقين والمشكّكين لكن يختلف معهم في الإجابات، جميعهم جُبلوا على البحث في النفس البشريّة المعقدة و التائهة في كون غامض ومبهم، يكتشف فيه الإنسان انّه لا شيء، انّه ذرة، غبار، جزيء قابل للتحطم والاندثار والتلاشي، انه العبث عندما تكتشف نفسك لا شيء وفي نفس الوقت مطالب بإثبات وجودك من خلال التمرّد، مرّ على هذا الدّرب، أيضا، كيركغارد، دوستويفسكي، كافكا، فرويد، باسكال يعرف معنى النفور من الحقيقة والظلم، الفخر والغرور لدى إنسان العالم، يحتاط من الأشخاص الذين يسترشدون في حيرتهم وقلقهم بالوهم أكثر من العقل،انّ الأنماط البشرية تتعرّض يوميّا لأقسى الامتحانات صعوبة، الحبّ، الخيانة، الموت، القلق، الوحدة، المرض،لهذا السّبب، فإن المواجهة بين الكبرياء واليأس هي مواجهة مفصليّة للغايّة، في حالة باسكال مهّدت تجاربه الصّوفيّة الطريق له ليتجاوز كلّ هذا من خلال العقيدة والإيمان، حتّى لا ننس بليز باسكال فيلسوف صوفي يعتقد اّن الخلاص موجود في العودة لله\”إن معرفة الله دون معرفة بؤس الإنسان يولّد الكبرياء ،إن معرفة هذا البؤس بدون معرفة الله يولّد اليأس، معرفة يسوع المسيح هي الوسيلة الذّهبيّة، لأننا فيه نجد الله وبؤسنا\”
***

يتجسد اقتراح كامو لمعنى العبث في المعركة البطوليّة للدكتور ريو الشّخصيّة الرّئيسة في روايّة الطاعون، رمز التمرّد مع دفاعه غير المشروط عن كرامة كلّ إنسان، بينما تحوّلت عزلة سيزيف إلى بروميثيوس، نموذج البطل المتمرّد الذّي يحارب من أجل الجنس البشري، يحارب الدّكتور ريو بشكل بطولي ومأساوي، إنه مقتنع بالهزيمة النهائيّة للجنس البشري في معركة خاسرة مسبّقا لأنّ المعاناة والظلم سيستمرّان، لكنّه لا يتوقف أبدًا عن حبّ الحياة والقتال من اجلها \”لا، لديّ فكرة أخرى عن الحب وأنا مستعد للموت لأرفض حب هذه الخليقة حيث يتمّ تعذيب الأطفال، يجيب ريو على القس باميلو\”، رفع كامو\”التضامن\”القائم على الأخوّة البشريّة في المقام الأوّل على الرّغم من موت الله، التضامن كسلوك إنساني، ردّة فعل تنبع من العمق إزاء انهيار القيم والمثل العليا\”المبتذلة\”التّي سوّقها الغرب، من الملاحظ وهذا مهمّ وهو تخلي الفلسفة المعاصرة عن فكرة وجود الله، موته، ينتصر الشرّ لأنّ الله تخلّى عن الإنسان، حالة الغياب تعني موته، من المفروض أن هذا\”الله\” ينقذ الإنسان من الشّر والظلمات، لما اندلعت الحرب العالميتين أفاضت ألكاس عن حده وأظهرت للكثير من المفكّرين انّ على الإنسانيّة أن تخلق إلهها الخاص، اله قريب من هموم الإنسانيّة أملا في إنقاذها من بؤسها وشقاءها، لذا يشعر كامو وكأنّه الرّجل الأوّل، وريث زمن\”الرّجل الأخير\”، ابن العدميّة، سننقذ الإنسان من العدميّة من خلال ممارسة التضامن، وهي أخلاق لصيقة بروح الإنسان رغم طبيعته المعقدة و المضطربة، نيتشه هنا مرجع إلزامي، على الرغم من أنّ كامو يبتعد عنه بالاعتماد على أخلاق الرّحمة، وهي فضيلة شوّهها نيتشه إلى أقصى حد، رغم ذلك يمكن القول انّ التجربة العبثيّة تدمّر اليقين الأخلاقي والفكري للموضوع، يُظهر نيتشه اشمئزازه الشّديد لكلّ ما يصدر من قيم ومثل، قال \” المنحط فقط هو الذّي يدافع عن هذه الرّحمة\”، لكن السّخف ليس سوى نقطة بدايّة واتجاه للبحث الجديد، من الآن فصاعدًا، لن نتبع البديهيات الميتافيزيقيّة، أو المبادئ الواضحة التّي تعيد بناء العلم على أساسها، نحن نرغب في إيجاد افتراضات\” أخلاقيّة\”تسمح ببناء الحياة على أساسها، هذه الحياة المليئة بأوهام في عصر يؤمن بالقوّة، انّه عصر الأقوياء والأشرار و الحروب والمآسي،هذا ما حاول نيتشه قوله للعالم قبل غيره ويأتي كامو ليضع تصوّرا عميقا وشاملا لهذه المسالة من خلال دورة العبث والمأساة الإنسانيّة .

يُظهر خطاب كامو أوّل دليل حدسي، بقوله أنا ثائر، بالتّالي أنا موجود، إنّه تمرّد على كلّ أشكال القهر الذي يقمع حريتي و كرامتي كإنسان، ممّا يثير رد الفعل هو الإدراك الفوري الذّي لدينا جميعًا بهذه الكرامة المهدورة، يعكس كامو مصطلحات صاغها دوستويفسكي بقوله\”إذا لم يكن الله موجودًا، فكلّ شيء مسموح به\”، نظرًا لعدم وجود الله تحديدًا من زاويّة فلسفيّة، يجد المتمرّد انّه لا توجد حياة غير الحاضر، وهذا يعني انحسار الفرص لتحقيق السّعادة، لذلك يجب أن نختار بين حياة بدون قيم يسود فيها قانون الكفاءة فقط وهو قانون الأقوى والطريق الذي يؤدّي إلى العدميّة(انّه الطريق الذي سلكته أوروبا في الثلاثينات وكانت نتيجته تدمير العالم)، أو حياة إنسانيّة بالكامل موجّهة من خلال القيم التّي تعمل الخير وتمكين السّعادة من التغلب على الضّجر والأنانيّة والتشاؤم، هذه هي طريق الرّحمة والتضامن والأخوة ويكون هذا بوضع قيمة الحياة البشريّة فوق كلّ اعتبار، هنا نجد الحاجة الملّحة لفكر طوباوي يغذّيه\”الأمل المأساوي\”، لكن كامو يعرف أن المدينة الفاضلة ليست الجنّة الموعودة، في الحقيقة لا وجود لجنّة، بمعنى آخر لا وجود لجمهوريّة فاضلة بما للكلمة من معنى إلاّ في عقول من ابتدعوها، لذلك تتحوّل الفكرة إلى رمز ومعنى أكثر منه إلى حقيقة وواقع، لماذا؟، الواقع/الحياة/الوجود يفرض أبجدياته على الإنسان وهي أبجديات(فلسفة)تميل للعنف والقوة والأنانيّة والكذب والفساد وهذا ما لا تطيقه الأفكار و الخيال، ما لا تطيقه فكرة الإنسان التّي سوّق لها الخطاب الفلسفي، يكتشف كامو في ماركس فكرة خياليّة أسطوريّة، غير مدركة لحدودها، لا تتولى مسؤوليّة محدوديّة الإنسان أو غموض التاريخ، والذّي يجد نفسه محاصرًا في تفاؤل ساذج، لقد اعتنق هذه الطريقة في التفكير لأوّل مرّة عندما انضم إلى الحزب الشّيوعي الفرنسي في سنّ الثالثة والعشرين،دفعته رغبته في\”أن يتضاءل مقدار المحنة والمرارة التّي ابتلي بها الإنسان\”، لم تستغرق العمليّة والطرد كناشط وقتًا طويلاً، بالكاد بعد عام، لقد استنكر في الإنسان المتمرّد العبوديّة التّي يعيش فيها داخل الماركسيّة،لأنه إذا كان صحيحًا أنه ألغى سجن الله، فقد بنى مكانه سجن آخر وهو سجن الأيديولوجيّة، ينتهي الأمر بتكريس العدميّة التّي حاول نيتشه التغلب عليها، هي الأسباب التّي أدّت إلى انحطاط الرّوح الثورية إلى إرهاب الدولة، لا توجد قواعد أو قيم سابقة في التطوّر التّاريخي، فتصبح مطالب العدالة والحريّة والعقلانيّة مُثُلًا مجرّدة يُقتل باسمها الفرد الذّي تأسّست من أجل دفاعه، وهكذا تكتسب المدينة الفاضلة صفة مشوّهة لمعناها الحقيقي أكثر من كونها محرّرة.

***
ملاحظة : للموضوع مراجع عدّة .
* ( مترجم و روائي جزائري ) .