د.عبد المنعم همت
ثمة أشخاصٌ لا يمكن الحديث عنهم بلغة الرثاء التقليدي، لأنهم لم يكونوا مجرد حضورٍ عابر في سيرة الآخرين، بل كانوا بنيةً أخلاقية قائمة بذاتها. هكذا كانت تتونا، فاطمة محمد حسن الصائغ؛ امرأةٌ لم تصنع ضجيجاً حول اسمها، غير أنّ اسمها استقر في القلوب بوصفه مرادفاً للطمأنينة.
لم تكن عظمتها في أحداثٍ استثنائية، وإنما في انتظامها اليومي، في قدرتها على تحويل البيت إلى فضاءٍ إنساني يتجاوز حدود الأسرة. في كوستي، حيث عرفتها أول مرة وأنا طالبٌ في المرحلة الثانوية، كان بيتها مع الوالد مصطفى عباس مفتوحاً للأصدقاء، عامراً بالحياة، نابضاً بالفعل الاجتماعي. لم يكن ذلك الانفتاح طارئاً أو موسمياً؛ كان جزءاً من فلسفة عيشٍ تؤمن أن البيت الذي لا يتّسع للناس يضيق بأهله.
استقبلتنا، نحن أصدقاء ابنها معتصم، استقبال الأم التي ترى في رفاق ابنها امتداداً طبيعياً لعائلتها. لم تسأل كثيراً، ولم تضع مسافاتٍ بين الداخلين والبيت؛ كانت تمنح الثقة قبل أن تُطلب منها، وتمنح الدفء قبل أن يُفتقد. في حضورها كان المكان يهدأ، وكأنها تضبط إيقاعه الداخلي دون أن تُظهر ذلك.
ثم جاء الانتقال إلى الحلة الجديدة في الخرطوم، فانتقل العنوان وبقي الجوهر. ظل البيت مركزاً لتجمع الأصدقاء، ومساحةً للنقاش، وبيئةً يتعلّم فيها الشباب معنى الجماعة. لم يكن البيت مكاناً للجلوس فحسب؛ كان مدرسةً غير معلنة في الأخلاق المدنية: كيف نصغي، كيف نختلف، كيف نحفظ الودّ، وكيف نحمل همّاً يتجاوز ذواتنا.

كانت تتونا تدير هذا كله بروحٍ هادئة. لم تتصدر المجالس، ولم تفرض حضورها، غير أن تأثيرها كان عميقاً. كانت تعرف أن الاستقرار يبدأ من التفاصيل الصغيرة؛ من ترتيب الأشياء، من جاهزية المطبخ، من نظافة الزوايا، من العناية بما قد لا ينتبه إليه الآخرون. ثلاجتها، في تنظيمها الدقيق، كانت شاهداً على عقلٍ اقتصادي رصين؛ لا إسراف يُخلّ بالتوازن، ولا تقصير يُشعر بالعوز. كانت تدبّر البيت كما يدبّر العاقل حياته: باعتدال، ووعي، وإحساس بالمسؤولية.
ما ميّز فاطمة محمد حسن الصائغ لم يكن الكرم وحده، وإنما نوع الكرم؛ كرمٌ يحفظ كرامة الآخر، ولا يضعه في موضع الامتنان الثقيل. كانت تُعطي وكأن العطاء فعلٌ طبيعي، وتستقبل وكأن الاستقبال حقٌ للناس عليها. في ابتسامتها اتساع، وفي صوتها هدوء، وفي نظرتها يقين بأن الخير ممكن، وأن الإنسان يستطيع أن يصنع أثراً عميقاً من داخل حياته البسيطة.
رحلت تتونا، غير أنّ بيتها الذي كان مفتوحاً ما يزال مفتوحاً في الذاكرة. بقيت صورتها وهي تتحرك بخفةٍ بين الغرف، تهيئ المكان، وتمنح كل قادم إحساساً بأنه في بيته. بقيت درساً في أن المرأة تستطيع أن تصنع من بيتها مركز إشعاعٍ اجتماعي، ومن حضورها قيمةً أخلاقية تتوارثها القلوب.
رحم الله فاطمة محمد حسن الصائغ، تتونا التي لم تكن اسماً عابراً في سيرة أصدقائنا، انما كانت ركناً وستظل من أركان التكوين، ووجهاً من وجوه الخير الذي لا يغيب.





