ترجمة: سعيد بوخليط
س- تبدو متشائما نحو المجتمع، هل تعتقد بأنّ ”المستمتع” وفق مصطلحاتك، يمثّل نموذجا بصدد الاختفاء؟
ج- بالتّأكيد، أنا متشائم حيال المجتمع! عموما يعتبر كل مجتمع سيّئا تقريبا.بشكل أو آخر،ارتباطا طبعا بمجتمع يوصف بكونه متطوّرا أو ديمقراطيا.وضع لايمنع بكيفية أو أخرى هذا المعطى السيّئ في تصوّر الفنّان.هناك فرق كبير بين شخص ينفّذ فيه حكم الإعدام أو يزجّ به في السّجن، ثمّ أن يكون حرّا بهدوء،أو بالأحرى إمكانية تدبير أموره. يأخذ وصف ”المستمتع” الوارد في السؤال وضعه حسب سياقات الحقب. بهذا الخصوص، توجد فترات تقريبا مناسبة، مثلما يحدث على مستوى الطّبيعة وهذا مايثير اهتمامي،بمعنى آخر لاأكتب عن فترات محدّدة كما القرن الثّامن عشر مثلا. الاستناد إلى حدّ ما على المعرفة التّاريخية،يتيح إمكانية تعيين الحقب. تعتبر أحيانا أكثر الفترات حرّية طويلة للغاية قد تستمرّ ثلاثين او أربعين سنة، أو على العكس مقتضبة جدّا، أيضا، هناك أنفاق طويلة تَحُول باستمرار دون النّفاذ صوب المعلومات وكذا الوثائق. نجهل ربما تاريخ وجود بعض المستمتعين الذين أرغموا على حياة السرّيّة. أخيرا، لدينا وثائق عن حقب عدّة يمكننا نعتها ب ”السّعيدة” كازانوفا على سبيل المثال.
س-نلاحظ انطلاقا من روايتكَ ”نساء”، نضجا حقيقيا لأسلوبكَ، أفق تأكّد مع نصوصكَ الصّادرة بعد ذلك، وكذا إعادة التّقديم لاسيما من طرف الرّوائي مع كثير من الفكاهة. هل تبيّن لك مثالية هذا التّوافق بين ”اللّغة” و”السّرد”؟
ج- لاتوجد رواية مثالية، بل مجرّد بناء لمجموع. يوجد مقطع صغير يمكنني الإحالة عليه، أعتقد بين صفحات رواية ”شغف ثابت”، حيث سلّطتُ الضّوء على شخص يشيّد قصرا صغيرا، أوّلا البساتين، ثم المرتكزات الأساسيّة، إلخ. معطيات الهندسة بشكل عامّ. إنّه بناء، وليس مثالية. ينجز كل نصّ من تلك النّصوص هدفا محدّدا جدّا.بمعنى توجد مداخل عدّة،مثلما الشّأن مع الهندسة الباروكية،يمكننا الولوج عبر شرفات، غرف أو حدائق. يبدو مسلّيا القيام بذلك وليس مثاليا. نموذج قصر وسط الفضاء، غير مرئيّ إذا أردنا، مادام يستحيل تشييده حقا على سطح الأرض ليس قصرا في إسبانيا، ولا في الأحلام بل ضرورة بنائه من خلال اللّغة!
س-أشرتَ سابقا إلى رفضكَ التّجريد. ألا ينطوي جوابكَ أعلاه على تناقض بخصوص استحضار التّاريخ مع الحاح تامّ في نفس الوقت على استبعاد الحكاية؟ فهل توجد إمكانية لبلوغ التّشخيص دون هاته الحكاية؟
ج-مايزعج في الحكاية، منحاها الاختزالي قياسا ل ”التّاريخ”، وفق مفهومه الكبير! طبعا، تستند نصوصي على بداهة وجود راوٍ يختبر وضعية معيّنة. يعمل الرّاوي في رواية ”الحفلة في فينيسيا”، المفترض بأنّه أمريكي، على تهريب الأسلحة والنّساء، ثمّ بين صفحات الرّواية الأخرى”شغف ثابت”، يسرد شغفا ضمن عناصر ثانية كثيرة مرتبطة بالنّشاط السرّي الثّوري لفتوّته. لو كنت أقدم حكاية فقط، فلن أنفتح على التاريخ، أو الاكتفاء فقط برواية تاريخية، غير أنّ الأخيرة غير مهمّة في ظلّ انتفاء تجربة واقعية للمتكلِّم. يلزم خلال كلّ مرّة، إحداث فجوة مع كلمتي”الحكاية”، ”الشخصية”. حتما يوجد سارد هنا، ضمن سياق معطى تاريخي (يخوض مغامرات، ثمّ النّساء…)، وفي الوقت نفسه تنفتح تجربته على روافد كليّة للتّاريخ، والباطن ثم أحقاب مختلفة حيث أمكنه التّواجد والتصرّف. يسرع الجميع في رواية ”شغف ثابت” نحو مفاتيح وفق تصور يشبه قليلا ماتنطوي عليه الرّواية الخرافية أو الميتافيزيقية، ولم يلاحظ أيّ شخص تمحور مختلف المعطيات حول الصين. ما العلاقة الجامعة بين ذلك؟ تحديدا، السّعي إلى إعادة تحيين ارتدادات الماضي. يبدو غريبا رؤية شخص زار الصين خلال القرن العشرين، أضحى تصرّفه فجأة كما لو يعتنق المذهب الطاوي.
س-لكنّه تاريخ ”مختلس” في نهاية المطاف؟
ج-بل تجلّي التّاريخ حسب مفهومه الكبير، ضمن معطى سياق تاريخي. بمعنى يمكّن السّارد ضمن الحدّ الأقصى، التّأكيد بأنّه يعيش هنا لكن بوسعه أيضا العيش فعلا خلال حقب مختلفة جدا. سحر تاريخي معيّن، بحيث إذا تخيّلت نفسي بأنّي سأقضي ليلة في مدينة فيينا وسأحضر حفلة موسيقية يعزف خلالها رجل قصير القامة شاحب السّحنة قليلا اسمه موزارت على آلة البيانو،هو مشهد رائع وأنا أفترض حضوري في عين المكان، أظنّها صورة وردت بين صفحات رواية ”المنتزه”، لكنّها أضحت رؤية راسخة أكثر في رواية ”فردوس”. بوسع القارئ أن يلاحظ مستوى ترميز ذلك حين اطّلاعه على النّسخة الصّادرة ضمن منشورات سلسلة ”نقد”، مثل عمل فيكتور هيغو”أسطورة القرون” وقصيدة ”بدا لي جدار القرون”. المزعج مع المفهوم الضيّق للرّواية، تغييب الحمولة الشّعرية. بينما أتطلع نحو استعادة شعرية مختلف الأزمنة عبر مضمون رواية تختبر موقفا.
س-تواجه إذن زمنين باستمرار؟
ج-بالضّبط، الأمر كذلك. هناك زمنية سردية بالموازاة مع انبثاق جوانب تاريخية كاملة. أحيل مثلا على ماكتبته في روايتي ”القلب المطلق”، بحيث تواجد سارد وامرأة، ثمّ بزغ فجأة أنطوان وكليوباترة شكسبير. يلزم إظهار كل جسد في إطار استمرارية هائلة للزّمان، دون اختزاله إلى شروطه الوجودية الاجتماعية والزّمانية.
س-تخبرنا في مقدّمة ”نساء”،بأنّها ليست رواية للطّليعة، ظاهريا في كل الأحوال. أيضا تكلّمت بنبرة تهكّمية عن”رواية الرّوائي المعاصر”. فما الذي ارتكز عليه ”الرّوائي المعاصر” خلال سنوات الثّمانينيات؟
ج-تحدّثتُ كثيرا عن هذه الرّواية التي شكّلت قطيعة مع كلّ منجزي السّابق. لماذا هذا الاقرار؟ هذا مايثير اهتمامي. ما الفوائد التي أراهن عليها؟ استمرارية نفس البحث بوسائل أخرى. فيما يتعلّق بالاجتماعي، فقد شكّلت الرّواية طعنا ولم تستسغها الجامعة أساسا، لأنّها بكلّ بساطة استعادت ماجرى حقبة السّبعينيات. بالتّأكيد، يأخذ السّياق منحى أبعد من ذلك ينتهي نحو إعادة الاعتراف برولان بارت جاك لاكان ولوي ألتوسير. تطرّقت الرّواية لبعض ماجرى سنوات السّبعينيات، لاسيما ماتعلق بالقارّة النّسائية. هناك علاقة ضعيفة بين النّساء اللّواتي بدأن سنوات السّبعينيات وأمهاتهنّ وكذا جداتهنّ. تتمثلّ الإشكالية راهنا، في الوقوف على معطيات العودة والارتداد. تساؤلات يمكننا طرحها وبوسع الرّواية العمل على إرسائها. كتابة رواية بخصوص تلك السّنوات،جعلني أكتب سلفا تاريخا عن المرحلة.فضلا عن ذلك، هناك الكثير من الموضوعات التي ظهرت ولازالت مستمرّة مثل الإرهاب.لقد انطوت رواية ”نساء” على مشهد إرهابي،مثال إشارة رائدة.شعرت بالمرح وأنا أعاين تكرارا نفس المشهد تقريبا من طرف ميشيل ويلبيك في روايته ”منصّة”،كما تحدّث عن النّساء في روايته الأخرى ”الجزئيات الأساسية” وبالنّسبة لكاترين مييه على سبيل الذّكر،يمثّل الكتاب الذي أصدرته مؤخّرا عن سيرة حياتها الجنسية عملا ممتازا أدبيا، ولم يكن بوسعها إنجازه في حالة عدم صدور روايتي ”نساء” قبل عشرين سنة.مضامين مقارباتها دقيقة جدّا.طريقة وصفها للذّكور لحظات متعتهم،والطّريقة التي يهدّدونا بها تقريبا. امتلكت كاترين مييه تنوّع تجربة كبيرة، على طريقة المتخصّصين في دراسات ثقافات الشّعوب إلى حدّ ما. سيرة مذهلة من خلال التّدقيق المرئي واللّفظي، ولاعلاقة لها بالإباحية.
س-يمكننا إسقاط نفس التّأويل على بعض رواياتكَ.
ج- نعم تماما. مما يؤكّد وضع اليد على نقط حسّاسة جدّا وعنيفة.
س-اعتُبرت نصوصكَ تحريضية، سواء نظريا، بحيث اصطدمت رواياتكَ سنوات (1960- 1970) جذريا مع الأشكال التقليدية، وكذا على المستوى الموضوعاتي، مع رواية ”نساء”، ذات المنظور المتمرّد (تطور النّسوية، التطوّر العلمي والتّقني، الانجاب الاصطناعي، أخلاقيات علم الأحياء، سلطة النّساء).
ج-لايوجد أيّ تحريض، وماينعته المجتمع بهذه الصّفة، يعني أنّي لامست حدّا يرفض رؤيته.
س-هل تتطلّع نحو بلوغ ذلك؟
ج-بكلّ بساطة، أتطلّع صوب الحقيقة. لأنّ مايسمّيه المجتمع تحريضا، يتمثّل في قول الحقيقة. أشعر بأنّ هناك تضليل، والجميع يمارس الكذب بخصوص أشياء معيّنة، لذلك أحاول فقط قول الحقيقة. قال سارتر بين صفحات دراسته عن جان جنيه ”أقبل التّغاضي عن تصرّف سيّئ أكثر من القول السيّئ”.بالتّالي أحاول العثور على مكمن الحقيقة أينما أحسست بأنّ العالم يمارس الافتراء. هكذا بدأت رواية ”نساء” بالعبارة التّالية: ”ينتمي العالم إلى النّساء، بمعنى الموت. بهذا الصّدد، الجميع يكذب”.
س-ألم تشكِّل رواياتكَ الأولى إذن مجالات تجريبية خالصة؟
ج-يتشكّل المشروع مع الأوراق والنّصوص والمرتكزات التّأسيسية. أبدأ في العمل ثمّ التّجريب، يحدث في خضمّ الشّيء ذاته، بحيث ألحّ منذ البداية، وأظنّني الوحيد الذي قام بذلك غاية هذا المستوى، عبر بلورة ماينبغي بلورته أثناء الكتابة. أكتب أنّي بصدد الكتابة مثلما فعلت في رواية ”دراما”.
س-مارأيكَ في مفهوم الباروكية؟ هل تعتقده مناسبا للتّعريف بنصوصكَ؟
ج-نعم، شريطة تحديد دلالة وصف الباروكية الذي يُوظََّف بشكل عام. يلزم فهمه حسب السّياق التّاريخي الدّقيق: قد يكون بوسع الباروكية في الهندسة، الموسيقى، الرّسم، أن تشكّل ارتفاعا لكتلة الحرّيات في إطار خلافات صعبة. حينها نبدأ في استيعاب الباروكية وارتباطها بإصلاح مضادّ،بالتّالي تعبيرها عن سجال ديني عنيف. أحيل بخصوص الموسيقى، على موزارت المذهل، الذي يعتبر اسما عظيما بالنّسبة للموسيقى الكلاسيكية خلال تلك الحقبة.
س-ينبعث دائما صاحب النّزعة الباروكية إبّان الأزمات العميقة؟
ج-حتما،وأضايق أكثر عند الإشارة إلى الفنّ اليسوعي.عندما نتناول خريطة الباروكية، سندرك بأنّها ظاهرة أوروبّية، تجاوزت الحدود القومية والوطنية.خلال تلك اللّحظة،يمكننا تخيّل استبعاد الباروكية قدر قوة المفهوم قوميا،هكذا حال الفرنسيين. انطلق ذلك من إيطاليا، ثمّ انتقل إلى النّمسا وبولونيا. يواجه الفرنسيون إشكالية مع الوطن من خلال ثلاثة ألوان: الأزرق، الأبيض، الأحمر! الدّليل، الانتقال حديثا من اللّون الورديّ الأزرق. وضع مضحك.
س-بناء على هذا الجانب المعارض يمكننا وصف نصوصكَ وكتابتك خاصّة بالباروكية؟
ج- حسنا، في نطاق سعيها إلى أن تكون الأحاسيس متنوّعة بشكل فوري، والرّهان طيلة الوقت على النّظر، اللّمس، السّمع، فإنّها ترث وصف ”باروكي”. لأنّ الفنّ الباروكي يعني” كلّ شيء في الوقت نفسه”، الحركة، الانثناء، اللّولبية … تحاول الحواس الخمس جهد الإمكان تبادل التّأثير فيما بينها.
س-لماذا تراجع هذا المفهوم نسبيا بين طيّات النّصوص النّقدية المنصبّة على كتاباتكَ؟
ج-لاشخص يعرف بما يتعلّق الأمر! التّعليم الفرنسي، لائكي وجمهوري، التّعليم الفرنسي”قومي”، تعني التّسمية مثلما هي معارضة تاريخية للتصوّر الباروكي، وقد أوضحت ذلك عبر صفحات الدّراسة التي أنجزتها حول أماديوس موزارت تحت عنوان”موزارت الغامض ”. خلال تلك الحقبة، لم تكن هناك إمكانية لإبداع أوبّرا موزارت بالفرنسية، مقارنة مع الإيطالية والألمانية. إذن هو سجال يتجاوز الإطار القومي. انطلاقا من ذلك، فأنا غير نمطي، مادمتُ أعتبر نفسي مثل أوروبيّ من أصل فرنسي وأتجاوز الأسئلة المرتبطة بالوطن الواحد. يبدو مزعجا رؤية شخص يتحرّك فوق أرضية يفضّلون بقاءها جامدة.
س-من خلال دراساتكَ ورواياتكَ الكثيرة التي تستحضر معارف موسوعية، هل تجلّت لديكَ إرادة تثقيف القارئ، حسب صيغة معينة من النّزعة التعليمية المبهجة؟
ج-أعتقد بأنّ إيزرا باوند من قال:”أنت ساديّ، تحاول جعل القارئ يفكّر!” إنّها سادية إذن! جميل، أليس كذلك”.
س- نلاحظ تكاملا حقيقيا بين أعمالكَ الخيالية وأبحاثكَ. أفكّر خاصة في دراساتكَ السّيرية حول الماركيز دوساد، كازانوفا، موزارت، دومنيك فيفون دونون، أسماء تظهر يقينا مثل بورتريهات شخصية متحوِّرة عنكَ، تجعلنا قريبين جدا مما نسمّيه بالتخيّل الذّاتي أو أيضا تحويل الذّات إلى خيال مثلما تميّزت رواية سنوات الثّمانينيات. علاوة على ذلك، حضرت داخل نصوص رواياتكَ الإحالات السّيرية بشكل صريح للغاية. أعود هنا إلى التّساؤل عن مدى محورية إشكالية الذّات الحميمة، والسّيرة على نطاق واسع، في الأدب. بالتّالي، هل تعتقد بأنّ الأدب يمضي طبيعيا نحو جنس السّيرة الغيرية أو السّيرة الذّاتية مثل شكل روائيّ مهيمن، ضمن نطاق أنّ كل كاتب يتكلّم فقط عن نفسه، عبر الجزء الخلفي لمجمل عمله؟ فهل تشكّل راهنا، كتابة سيرة الآخرين بالمعنى الواسع للكلمة، إشكالية مركزية ضمن الرّهانات الرّوائية؟
ج- نعم، أعتقد ذلك، نعاين في كلّ الأحوال، حين قراءة عمل، امتداد تجربة الكاتب وكذا حضور سيرة يلزمها أساسا أن تكون مثيرة للاهتمام. لقد أبدعتُ مفهوم”الهويّات المتعدّدة المتقاربة”. إنّه سؤال المتعدّد، الهويّة المتعدّدة الذي يزعج جدّا شخصا يتوخّى امتلاك هويّة جامدة. قد لاتكون مجرّد سيرة بل أسطورة سيرية.لاأحبّ كثيرا مصطلح التخيّل الذّاتي ويزعجني. ينبغي عكس ذلك توظيف مصطلح الخيال الغيريّ أو الخيال المغاير، بمعنى الاستمرار في أن تظلّ ذاتكَ ضمن وضعيات متباينة بكيفية استثنائية. يمكنكَ عبور مختلف الحقب مع البقاء كما أنت لكن بأزياء مختلفة. فكرة راسخة جدّا لديّ، بعد كل شيء، ولن يكون ربّما غير كاتب واحد يواصل مغامراته عبر العالم. إشكالية السّيرة مهمّة،بحيث نرى من يمتلك سيرة فعلية أو ليس كذلك! وفي نهاية المطاف، تظلّ مسألة جدّ نادرة. أعتقد بأنّ إنجاز سيرتي سيكون على أيّة حال معقّدا بكيفية غير عادية، يقتضي الوضع ضرورة أن أموت! أرتّب الأمر حتى تصبح مهمّة كتابة تلك السّيرة معقّدة للغاية، بمعنى إقرار كتبي لها. أعتقد بأنّ جلّ مافعله كازانوفا يعتبر خيالا وإلاّ لم يكن بوسعه الكتابة. مختلف ذلك صحيح، فلماذا الخوف من هذه الحقيقة؟
س-الخوف من الواقع؟
ج-يبدو لي ذلك.
س-الواقع هو الموت؟
ج-ليس بالنّسبة إليّ! من أين جاءت فكرة أنّ الواقع موت؟ يكتسي هذا التّعريف طابعا دينيا.
س-الموت بمثابة الشّيء الوحيد الذي يستحيل التّشكيك فيه، أليس كذلك؟
ج-لست متّفقا. يلزم التّشكيك في كلّ شيء ولا أومن بأيّ شيء.
س-إذن، لاشيء يثير خوفكَ؟
ج- تُستثمر واقعة الموت، قصد الابقاء على الأفراد هادئين، معطى في غاية الفعّالية! يقتضي ذلك إرهاف السّمع سريعا نحو شخص يحدّثك عن الموت. بشكل عام، يمثل ذلك كبتا جنسيا. الجنس هو الموت. الأمر ديني، فليس الخوف من الواقع، بل الخوف الجنسي. لايوجد سوى الجنسيّ في الواقع. لوحة أصل العالم لغوستاف كوبري ليست بأصل العالم، لأنّ العالم لم يولد من جسد امرأة. حظيت الموت بقيمة مضاعفة جدا. وردت عبارة في كتاب راوول فانيغم : ”بحث في كيفية العيش من أجل الأجيال الجديدة” خلال حقبة إصدار غي ديبور لمجلة ”وضعية عالمية”. تقول الشّذرة الرائعة: ”يحظى خيار الموت بتقدير كبير لدى البؤس”. يتجلّى إذن “خيار الموت”. بالتّالي، هناك إشكالية المازوشية، إلخ، أشياء تكلّمتُ عنها بوضوح طيلة الوقت. أنقُرُ وبكيفية دقيقة جدا.
س-شكّل القرن العشرين في مجال الفنون، عصر الموت وكذا التّجسيد. جرى إبداع كلّ شيء (الرّسم، الأدب، السّينما، المسرح…) من أجل تقويض نظام المحاكاة الأرسطي. والحال، عند إلغاء التّجسيد، يبقى الواقع. لكن يلزم التّساؤل أساسا حول دلالة الواقع حقا. سؤال يبدو اليوم أكثر أهمّية ضمن سياق راهننا مع ولوجنا عصر الصّورة والافتراضي.
ج-الواقع غير الحقيقة. هكذا أستند على التّجسيد، لكن دون إلغائه أو محاولة التخلّص منه، بل قصد تضمينه. ورد في السّؤال كلمة موت، وأنا أقول ”الحياة”، أدافع عن الحياة. إذن، تضمين التّجسيد من أجل إعادة وضعه بشكل أفضل ضمن الأفق وتمثُّله وجعله أكثر وجودا. مثلا تقف أمام لوحة بول سيزان”جبل سان فيكتوار” التي تمثّل واحدة من أجمل إبداعاته، ستطرح حينها التّساؤل التّالي: كيف تصير حينما تعيش داخل اللّوحة؟ تقضي يوما داخل لوحة. تلج متحفا ثم تتأمّل لوحة، وأنت تقول: أريد اليوم أن أحيا داخل لوحة، فما الذي سيحدث إليّ؟ الوضع مسلّي. هناك أشياء كثيرة يمكن القيام بها داخل لوحة، إذا كانت ناجحة جدا.
س-قلبتَ كليّا العلاقة
ج-تماما. إذن، لايوجد مشهد خارجي، بل الولوج داخليا، ومحاولة الشّعور بما يختبره النّاس. ما الذي يحدث مع لوحة تيتيان ”فينوس أوربينو؟ أو لوحة إدوارد ماني ”أولمبيا”؟ لاوجود للافتراضي بل الواقعي والفعل نفسه. فعل فنٍّ واقعي. الواقع، عند نهاية الفرشاة، والقلم، واللّغة، والأنامل على مستوى الموسيقى، هنا مكمن الواقع وكل ماتبقى، مجرد صور. الفنّ التّشكيلي ليس صورة، ولاشاشة تلفيزيون، إنّه جسد، غير التصوّر الأفلاطوني. لذلك أستند من أجل انتقاد التّجسيد، الميتافيزيقا، على روافد مختلفة ضمنها الصين بهدف المساعدة على خلخلة هذا الوزن. بهذا الصّدد، حينما نستعيد على وجه التّدقيق تاريخ لقاء الصّين والغرب خلال القرن الثّامن عشر، نجدنا أمام انبعاث قارّة كبيرة تسائل الآخرين وتدعو كي لانظلّ عالقين عند الصور. مختلف هذا ”الورع” بخصوص إعداد الصّورة، وتشخيصها، سيحرجه الاقتحام العنيف للفنّ التّشكيلي، بحيث يمثل رامبرانت نموذجا ساطعا.
س- إلى أين يسير الأدب بحسبكَ؟
ج-بصدد التخلّص منه. يرغب المجتمع في التخلّص من الأدب، الجسد، ومايستدعيه مختلف ذلك. يحاول الأدب الدفاع عن نفسه قدر مايستطيع. هذا يعتمد على الجهاز العصبي للكتّاب ومدى قدرتهم على المقاومة. هكذا نعاين حاليا بؤس الشّعر، ويبدو الوضع مرعبا.
هامش:
مرجع الحوار: الذي أجرته إيرين سالاس مع فيليب سوليرز :
L’infini :83. été 2003, pp :10- 26


