(3)
الكَذب والسّرقة في المُدوّنة العلاماتيّة العربيّة
محمّد خريّف*
الكَذب والسّرقة كَلمتان مُتلازِمتان تلَازُمَ الفِعل وأداته، والكذب أداة السّرقة وماالسّرقة إلاّ ّغاية الكذب ومبرّره، وهُمَا أي السّرقة والكذب من لوازم الوُجُود الإنْسانيّ ودواعي بقائه العلاماتيّ الواسع اللآمُحدّد جُغرافيّا وتاريخيّا.لكن أمام عجز الإحَاطة بعَلاماته المتكاثرة بِعَدْوى البيوسيمياء نكتفي في هذا المَبحث المُتوَاضِع بالنّظر في ما تيسّر لي- كائنا علاماتيّا ناقصا -من مظاهر حُضور الكذب والسّرقة في المُدوّنة العلاماتيّة العربيّة باِعْتبارها ملفوظا شفويّا جهويّا مدوّنا يبدأ بمنظوم كلام ما يُعرف بشعر ماقبْل الإسْلام وهو الموْسُوم بالجاهليّ كذب مذْهَب وسَرقة إيديولوجيا وماهو بجاهليّ ولا إسْلامي ،بل هُو هذا وذاك ،تختلط فيه علامات الكَذِب والسّرقة بعلامات الصّدق وحسن الوفاء لأداء الأمانة وهو خلط كان له من جَدَل الاٍرْتباك في حَصْر عَدد المعلّقات والشكّ في الشّعرالجاهليّ لاسيّما مع طه حسين ما يدعو إلى السّؤال عن سِرّتشابُه قِيَم العِرض فيه مع قيم الحدث القرءانيّ ولاسيّما قيم الصّدق وآداء الأمانة وإدانة السّرقة وسَبيلها الكذب إلاّ في حالات ومنها حال الصّعلكة، وإذا بالآية تُماهي القصيدة والقصيدة بدورها تُمَاهي ماسبقها من توصيات الديانات السّماويّة الأخرى كالمسيحيّة واليهوديّة التي لاتقطع مع تعاليم الديانات السّابفة كالزرادشتية وغيرها من الفلسفات القديمة النابذة للكذب والسّرقة باعِتبارهما علامتيْن قوْليّتيْن ينتفلان بالنسخ ومسخ الماهية من منظومة عقائديّة إلى أخْرى تَصير بالتوٌفيف الافتراضي وتصّلّب الفكرة ونفاذها في الجماهير قُوَى حقّ ربّانيّ أمين ،قد لايخْلْو بدوْره بمنأى عن التّسليم الإيمانيّ ،من مُهْمل الشكّ العلاماتيّ ومن بصَماته كذب الكلام وسَرقته وهي بَصَمات لاقُدْرة لَهَا عَلى مُواجهة صوْلة “إعْجاز القول” وهو من إعْجاز “القرْءان” وما الآية إلاّ نصّ فُرْقَان مُبين منزّل من السّماء لاّ ممْسوخ مَسخ حُطام علاماتيّ أرْضيّ لم يُقَلْ لأوّل مرّة لذلك كانت الآية كأنّها قصيدة وماهي بقصيدة ،وكذلك القصيدة كأنّها آية وماهي بآية في منظومةالظنّ والشكّ خارج منظومة يقين مُصادرة التسليم والإيمان بالخوارق والمعجزات ،إذ لا قطيعة سيميائيّة بين قول الآية وقول القصيدة في منظومة التفكير السّيميائيّ الحديث ونقيضها منظومة فقهيّة واقعة تحت ضغط التّسمية الاِعتباطية التي تمْحو عناصر المُفارقة الطبيعيّة للأشياء وتجعل منها وعْيا جمعيّا بقطيعة رُوحيّة سِماويّة التّوقيف دون قطيعة علاماتيّة أرضيّة الشّيوع ،وإذ عَلامات الإسْلام في تقويمها السّيميائيّ اِمْتداد طبيعيّ لتناسل عدْوى امّساخ علامات التّلاقح اللغويّ بين الشّعوب قبائل وأُمَما في مُحيط فتْرة ماقبل الإسْلام المفتوح على الثقافات الأخرى،وهومُحيط فتّرة تحوّل تضيق بتوقيف الإعْجاز وتتّسع بشيوع البيو سيمياء، فتنتقل من مرحلة الوثنيّة إلى مرحلة الميتافيزيقا تأويل توقيف ولا وقف لحَركة سيميائيّة وان ظلت عاطلة أو مغيّبة في خضمّ هيمنة سُلطة البقاء لكلام السّماء بالإقناع والاِقتناع بدلائل الإعْجاز القوليّ للقرءان فسَاد خطاب التصديق وهيْمن على سائر أنواع الخطاب الأخرى من شعر ونثر ،وعُدّ الإيمان بالإعْجاز من شُرُوط التأسيس الأبديّ لِمَعارف وعلوم فقهيّة لغويّة من شانها أن تَحمي خطاب النصّ الأعظم من آفات أكاذيب الكلام وسرقاته الناشئة بدورها عن آفات لحن الداخلين في الدّين الإسْلامي من الأعَاجم وغيرهم من المُسْتعربين ،فكان عصر التّدوين عصر انتقاء ورقابة وكانت معه كتابات التّدوين ومنها كتب تدوين الأحاديث والسنة و الأدب والتأديب و ما ماثلها من كتب الأخبار والأمثال والرّسائل والنوادر والمقامات وغيرها من كُتب الرّحّالة وعلماء تهذيب الأخلاق فالقصة والرّواية في العصْر الحديث حيث كان لتيْمة الكذب والسّرقة حُضُور لافِت لامناص ّ لنا من اِقتفاء أثره السّيميائيّ في هذا المبحث بدءا بالسّؤال عن علاقته بالأفكار السّابقة لتعاليم النصوص الدينيّة العظمى وهي أفكار واردة في ديانات أخرى كالزرادشتية وغيرها ؟لكن قبل متابعة علامات الكذب والسرقة في المدونة العربيّة الإسلاميّة، فكيف كانت حال الكذب والسّرقة في الديانات الأخرى ولاسيما في الديانة الزرادشتية ؟
*ناقد من تونس





