محمد حسين حمصي*
لحظات مرّت، وجدنا أنّ ما يقوله يحيى عصيٌّ على أفهامنا، نحن الأصغر منه سناً، فآثرنا اللعب وعدنا إلى الركض ثانية وتركناه فوق العشب الطري يهدر بصوته العالي ، لكن كلماته الفخمة ملأت أسماعنا، فتوقفنا عن اللعب وتسمرنا أمامه نستمع ..سرق منا الدهشة والترقب، لم يعد ثمة صبية وألعاب وتسل.. بات يحيى متربعاً على تل الكلام، يغرف بملء فمه ويرشق من حوله و أمامه، بات كما لو أنّه يخطب في جمهور عريض صاخب يعوم في بحر كلماته الدافق ..
رواية “طوق الأحلام” للكاتب السوري محمد شويحنة، صدرت الطبعة الأولى عام 2004 عن “مركز الإنماء الحضاري”
طوق الأحلام هي
عمل أدبي يغوص في واقع المجتمع السوري عموما و الحلبي خصوصاً، تعكس الرواية رغبات الإنسان وهو يحاول أن يصل لما يريد، ومواجهته أما الحياة الواقعية والاجتماعية .
تكشف لنا الرواية كيف يمكن أن تتحول الأحلام إلى مطبّات توقع أبطالها نحو أزمات متتالية، مصورةً عمق الوجع الإنساني والنفسي في بلاد مثل بلادنا هذه.
تدور أحداث الرواية في فترة ستينيات القرن الماضي، حيث
تطلعنا على عادات وخصوصية هذا المجتمع، وكيف تأثر بالأحداث الجتماعية و السياسية والأزمات، مثل نكسة حزيران وغيرها، والمستجدات الاجتماعية مثل دخول السينما إلى حلب، وكيف كانت تلعب السينما وفنونها دوراً مهماً في أحداث الرواية، حيث تشكل متنفساً للبطل ونافذة يحاول من خلالها الهروب من واقعه المأساوي وتحقيق أحلامه، وأيضاً كيف كانت ظروف الحياة، ونمط العائلات التي تعيش في دار كبير حيث ينقل الكاتب تفاصيل البيئة الحلبية وشوارعها وأزقتها وعاداتها بروح من الحنين والنشوة، وما كان يحدث عادة في تلك الحقبة من الظروف الاجتماعية، من أسرار ومشكلات بين الأولاد والنسوة والتطلعات الفردية والجمعية .
تبدأ الرواية بحلم يعود بالذاكرة إلى أيام العائلة الكبيرة وأولاد الأعمام والعمات، التي يتصدرّ بطولاتها عدّة شخصيات، أهمها “يحيى بن عبد الرحيم” اليتيم المقعد الذي تميّز بذكائه وشغفه بالحياة مما يجعله يقوم بأفعال يعجز عنها الأصحاء، محاولاً التمرد على واقعه وكسر القيود لتحقيق الأحلام، وابن عمّه “شمس الدين” وعدّة شخصيات أخرى ثانوية مثل “الزغنون” والعم عزو “والكثير من النسوة مثل “كوثر و فدوى” الخ ..

تتميز الرواية بالبعد النفسي للشخصيات، وصراعها الصعب بين الأحلام و الواقع، ولعلّ اسم الرواية “طوق الأحلام” لا يشير فقط إلى الزينة بكلمة “طوق” فنلاحظ في الرواية أنّه كان عند أغلب أبطال الرواية، ولا سيما “يحيى” كان الطوق خانق مثل قيد يجرّه بعيدا عن رغباته وأحلامه، واستطاع الكاتب أن يجعلنا نعيش بذاك المجتمع من ناحية الزمان و المكان، فالوصف الدقيق على لسان الأبطال، يجعلك واحداً بينهم ، إضافة للغة الكاتب التي تميل للشاعرية، فتأخذ الرواية طابع جماليّ آخر يساعد في إيصال شعور الشخصيات، بطريقة شاعرية سلسة غير معقدة .
تأخذنا الرواية برحلة عبر أحداثها وشخصياتها وكيف أن الأحلام البسيطة والطبيعية قد تأخذ أصحابها للهلاك في ظروف اجتماعية لا تُعنى بالأحلام و تجعلها فخّاً توقع أصحابها فيه نحو هاوية لا مصير فيها .
*كاتب من سوريا





