المجلة الثقافية الجزائرية

قراءة في رواية «وهم الهوية في محراب امرأة موريسكية»

قراءة في رواية «وهم الهوية في محراب امرأة موريسكية» لأمال بصافي

بقلم: د. إيمان جريدان

تقديم الرواية: 

صدرت رواية «وهم الهوية في محراب امرأة موريسكية» للروائية الجزائرية أمال بصافي في طبعتها الأولى سنة 2025 عن دار ببلوماني للنشر بالجزائر، وتقع في نحو 120 صفحة. وهي رواية تاريخية تستلهم الذاكرة الموريسكية، وتفوح صفحاتها بعبق الأندلس، حيث تستحضر جانبًا من الحياة الاجتماعية والثقافية للموريسكيين، من خلال قصة إنسانية تنسجها الكاتبة على خلفية تاريخية مؤثرة.

تدور أحداث الرواية سنة 1900، وتتخذ من زهراء محورًا رئيسًا للسرد، وهي طبيبة شابة فائقة الجمال، سامية الأخلاق، تنتمي إلى أسرة موريسكية مسلمة تتكون من الأب والأم وابنتين. تنشأ بينها وبين الشاب المسيحي خوان علاقة حب عميقة، تنتهي بإسلامه بعد صراع نفسي ٧وأسري طويل، ثم يتوج هذا الحب بالزواج، لتجعل الكاتبة من هذه العلاقة مدخلًا لطرح أسئلة الهوية والانتماء والإيمان، في إطار إنساني يغلب عليه الصفاء العاطفي والقيم الأخلاقية.

1. اللغة والأسلوب:

كتبت الرواية بلغة سهلة واضحة، تقترب في خصائصها من لغة الروايات الكلاسيكية، حيث تقوم على السلاسة والمباشرة، بعيدًا عن التعقيد اللغوي أو الإفراط في الشعرية. وقد أحسنت الكاتبة اختيار مفرداتها، فجاءت ألفاظها رصينة، نظيفة، منسجمة مع طبيعة العمل وقيمه الأخلاقية، وخالية من الألفاظ السوقية أو النابية. 

أما من الناحية الأسلوبية، فقد بدا النص قريبًا من أساليب الرواية التقليدية، بما يذكر القارئ بأجواء روايات مدام بوفاري وبعض الأعمال الكلاسيكية، مع ظهور لمسات تعبيرية حديثة تبدو متأثرة أحيانًا بصياغات تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في تراكيب النفي والإثبات، من مثل: (امتلأ البيت من جديد، لا بالأثاث، وإنما بروحها). ص67.

ومع ذلك، فإن هذه الملامح الأسلوبية لم تنتقص من جمالية السرد؛ إذ نجحت الكاتبة في تقديم سرد بسيط مشوق، قادر على أسر القارئ منذ الصفحات الأولى بفضل حسن إدارة الأحداث وسلاسة الانتقال بين الشخصيات، فتارة تنتقل إلى عالم زهراء وأسرتها، وتارة إلى حياة خوان، ثم إلى باسل وعائلته، في حركة سردية متوازنة كسرت رتابة السرد الخطي، ومنحت الرواية إيقاعًا متجددًا حافظ على تشويقها حتى نهايتها.

ويبرز الوصف باعتباره أحد أهم عناصر البناء الأسلوبي في الرواية؛ فقد أولت الكاتبة عناية كبيرة بالتفاصيل الدقيقة، وجعلت منها وسيلة لإغناء مخيلة القارئ، وتعميق إحساسه بالمكان والزمان، وهو ما يتجلى في وصفها للأسواق والأحياء القديمة، كما في قولها:

 (ثم انطلقت إلى السوق وسط المدينة في ساحة سان برونو San Bruno، ويعتبر هذا السوق أيقونة تاريخية يضم بائعي الطوابع والتحف القديمة والأثاث). ص56.

وفي موضع آخر تقول:(كانت شمس كانون الثاني تميل إلى الغروب، وفجأة كانت العائلة تجوب أزقة ألخافيريا العتيقة في سرقسطة، وبدأت الدروب التي كانت تعج بالباعة تدخل في هدوء الشتاء). ص57.

كما أولت الكاتبة اهتمامًا بالغًا بالأنساق الثقافية للحياة الأندلسية، فحضرت الأطعمة والأزياء التقليدية بوصفها مكونات ثقافية أسهمت في بناء الجو الروائي وإضفاء قدر كبير من الحميمية على السرد، ومن ذلك:(تحضر طبق البطاطا بالبازلاء ولحم الضأن…فتقوم بتقشير البطاطا ووضعها في قدر مع لحم الضأن وكمية من البازلاء). ص23.

وكذلك قولها:(اختارت زهراء أجمل ثيابها، وهو ثوب أبيض من قماش الحرير، طويل يصل إلى ما تحت الركبتين وينتهي بنوع من الدانتيل الأبيض اللامع، مرصع بحبات جوهر أبيض عند الكتفين. ووضعت شالا من الشاش فوق رأسها مع طوق من الفضة). ص8.

ولم يقتصر الوصف على المرئيات، بل امتد إلى عالم الروائح والألوان والأصوات، حتى غدت الحواس جميعها شريكة في تشكيل المشهد الروائي؛ إذ تعبق الرواية بروائح النباتات والتوابل والعطور والأطعمة، وتتردد فيها أصوات المطر والرياح والباعة والمارة، بما يمنح النص حيوية لافتة، ويتجلى ذلك في قولها:

(دخلت ألكسندرا منزل قمر بخطى ثابتة، تحمل بين يديها باقة من الورود وعلبة من حلوى السمسم. وقد فاجأتها رائحة البيت إذ تنبعث منه روائح الياسمين والقرنفل والقرفة الخارجة من المطبخ، إضافة إلى رائحة الحطب المتصاعدة من الموقد). ص9.

وتقول أيضًا: (أما خوان، فقد استفاق على رائحة المطر فوق أشجار البلوط). ص56.

ثم تبلغ هذه العناية بالتفاصيل الحسية ذروتها في قولها: (كان الهواء نقيا، مبللا بالحزن الجميل، مليئا بالحنين. كان خوان يحس بأن الزمن بطيء. كانت رائحة المطر تختلط برائحة الخبز التي تخرج من فرن المخبزة، ودخان طفيف يخرج من مواقد البيوت الحجرية التي تملأ الأندلس). ص64.

ومن خلال هذا التوظيف المتقن للوصف، استطاعت الكاتبة أن تحول التفاصيل اليومية الصغيرة إلى عنصر فاعل في تشكيل العالم الروائي، وبناء الإيهام الفني.

2. الشخصيات وبناؤها الفني:

اعتمدت الكاتبة في بناء شخصياتها على ثلاث عائلات رئيسة، هي: عائلة زهراء، وعائلة خوان، وعائلة باسل. وقد شكّلت هذه العائلات الإطار الإنساني الذي تحركت داخله أحداث الرواية، وربطتها منظومة قيمية مشتركة قوامها الفضيلة، والتسامح، والاحترام، والتماسك الأسري، والوفاء للمبادئ الدينية والإنسانية.

وتبرز زهراء بوصفها الشخصية المحورية في الرواية، وقد رسمتها الكاتبة بصورة مثالية؛ فهي طبيبة شابة، فائقة الجمال، رفيعة الخلق، قوية الإيمان، تجمع بين الرقة والثبات، وتتحول مع تقدم الأحداث إلى مركز تستقطب حوله بقية الشخصيات. وفي المقابل، يتطور مسار شخصية خوان تطورًا نفسيًا وفكريًا، إذ ينتقل من التردد والصراع الداخلي إلى الاقتناع بالإسلام، فيتحول هذا المسار إلى أحد أهم المحركات الدرامية في الرواية.

كما حضرت الشخصيات الثانوية، ولا سيما أفراد العائلات (يعقوب، قمر، عبلة، نصير، لوثية، باسل، ألكسندرا، ألفريدو) بوصفها شخصيات مساندة أسهمت في دعم البناء السردي وإبراز الأبعاد الاجتماعية والثقافية للعالم الروائي، دون أن تطغى على الشخصيتين الرئيسيتين.

غير أن القارئ يلاحظ أن معظم الشخصيات، سواء أكانت مسلمة أم مسيحية، تتقارب في سموها الأخلاقي، حتى يكاد يغيب عنها نموذج الشخصية الشريرة أو المنحرفة أو الانتهازية. ولا شك أن هذا الاختيار ينسجم مع الرؤية القيمية التي أرادت الكاتبة ترسيخها، ويجعل الرواية تحتفي بالخير والتسامح والوفاء، إلا أنه في المقابل يحدّ من حدة الصراع الدرامي؛ ذلك أن حضور الشخصية المضادة غالبًا ما يمنح الحبكة مزيدًا من التوتر، ويسهم في تعميق التحولات النفسية والفكرية للشخصيات الأخرى، ويزيد من كثافة الحدث الروائي.

3. جماليات المكان والعمران:

يعد المكان أحد أبرز المكونات الجمالية في هذه الرواية، إذ لم تتعامل معه الكاتبة بوصفه إطارًا تجري فيه الأحداث فحسب، وإنما بوصفه عنصرًا دلاليًا يسهم في تشكيل الرؤية السردية واستحضار الذاكرة الحضارية للأندلس.

وقد أولت الكاتبة المكان عناية واضحة، وإن جاءت في بعض المواضع مقتضبة، فأشارت إلى عدد من المعالم العمرانية والدينية، مثل الكنائس والأسواق والأحياء التاريخية، كما رسمت صورة بديعة لمدن الأندلس بأسقفها المكسوة بالقرميد الأحمر، وحدائقها الغناء، بالأشجار ومختلف الورود والنباتات العطرية، ومرافئها الساحرة :(جلس على سور حجري يطل على المرفأ، والبحر يشرب آخر ضوء كأنه لا يريد أن ينتهي). ص 88.

وهو وصف أسهم في بناء فضاء روائي نابض بالحياة، يستحضر سحر الأندلس ورونقها. وتحول المكان بذلك إلى عنصر فني يعكس ازدهار الحضارة الأندلسية، ويمنح القارئ إحساسًا بالحياة اليومية التي كانت تنبض بها تلك المدن، بما فيها من أسواق، وأحياء، ومخابز، وحدائق، وبيوت حجرية، وهو ما أضفى على النص قدرًا كبيرًا من المصداقية الفنية، وجعل المتلقي يعيش تفاصيل المكان وكأنه يراه رأي العين.

وقد عززت الكاتبة هذه الصورة بعناية لافتة بالتفاصيل الحسية؛ فامتزجت العمارة بالروائح والألوان والأصوات :(كانت رائحة القرنفل تفوح من البيوت التي تأتي بها الريح صوب المارة في السوق. كانت تعج بالمارة وأصوات لغة غير معتادة بين القشتالية والعربية حتى الألخميادو). ص56. وغدت المدن شخصيات حية تشارك في صناعة الحدث، لا مجرد فضاءات صامتة تحتضنه.

4. البناء التاريخي للرواية:

نجحت الكاتبة إلى حد بعيد في استحضار الأجواء الموريسكية، وإحياء جانب مهم من الذاكرة الأندلسية، من خلال استدعاء العادات الاجتماعية، والملابس، والأطعمة، واللغة، والعمران، بما منح الرواية طابعًا تاريخيًا واضحًا، وجعل القارئ يعيش تفاصيل تلك المرحلة في إطار سردي مشوق.

غير أن الرواية تسجل بعض الملاحظات المتعلقة بالانسجام التاريخي. فقد جعلت الكاتبة زمن الأحداث سنة 1900، وهو تاريخ له خصوصيته من حيث طبيعة الحياة ووسائل النقل والاتصال. فإذا كانت الرواية قد تضمنت استعمال الشخصيات للهواتف، والسيارات بوصفها وسائل مألوفة ومتاحة للجميع:(نزل الجميع من السيارة، وأخذ كل منهم حقيبته ودخل المنزل) ص72. فإن ذلك يثير إشكالًا تاريخيًا؛ لأن الهاتف في تلك الفترة كان وسيلة اتصال سلكية محدودة الانتشار، تقتصر غالبًا على الإدارات وبعض بيوت الأثرياء، كما أن السيارات كانت لا تزال نادرة الوجود، في حين ظل القطار الوسيلة الحديثة الأكثر انتشارًا آنذاك.

ومن ثم، فإن هذا التفاوت بين الزمن الروائي وبعض التفاصيل المادية يضعف بدرجة محدودة عنصر الإيهام التاريخي، ويؤثر في دقة البناء الزمني للرواية. غير أن هذه الملاحظة تبقى في حدود الهفوات التاريخية الجزئية التي لا تمس البنية الفنية العامة للنص، ولا تقلل من نجاح الكاتبة في استحضار الذاكرة الموريسكية، أو في تشييد عالم روائي قادر على استعادة روح الأندلس وجمالياتها.

5. القيم الفنية والفكرية للرواية:

تستمد الرواية قيمتها الفنية والفكرية من قدرتها على الجمع بين التخييل الروائي والبعد التاريخي، إذ تعيد إحياء مرحلة مفصلية من تاريخ الموريسكيين، وما ارتبط بها من معاناة إنسانية وصراعات دينية وهوياتية، في قالب سردي بسيط ومشوق.

ولا تقتصر أهمية الرواية على استحضار المأساة التاريخية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل صورة الأندلس الحضارية، من خلال استدعاء عمرانها، وأزيائها، وأطعمتها، وأسواقها، وحدائقها، وما يحيط بها من روائح وألوان وأصوات، وهو ما منح النص بعدًا توثيقيًا وثقافيًا، دون أن يفقده روحه الفنية.

كما تطرح الرواية قيمًا إنسانية نبيلة، في مقدمتها الإيمان، والتسامح، والوفاء، والصدق، والانتماء، واحترام الأسرة، وهي قيم حضرت في مختلف مستويات السرد، وجعلت الرواية تحمل رسالة أخلاقية واضحة، دون أن تقع في المباشرة الوعظية أو الخطابية.

وتتميز الرواية كذلك بسهولة لغتها ووضوح أسلوبها، الأمر الذي يجعلها قريبة من مختلف فئات القراء، ولا سيما اليافعين والقراء الجدد، إذ تقدم لهم معرفة تاريخية وثقافية عن الأندلس في قالب روائي سلس، بعيد عن جفاف الكتب التاريخية.

وفي المجمل، يمكن القول إن «وهم الهوية في محراب امرأة موريسكية» عمل روائي ينجح في استعادة جانب مهم من الذاكرة الموريسكية، ويقدم للقارئ رحلة ممتعة في فضاءات الأندلس، مستندًا إلى لغة سلسة، ووصف ثري، وبناء قيمي واضح. وإذا كانت الرواية لا تخلو من بعض الملاحظات الفنية والتاريخية، فإنها لا تنال من قيمتها الأدبية، بل تظل تجربة روائية جديرة بالقراءة، خصوصًا لما تحمله من شغف بالتاريخ، وحرص على إحياء الهوية الحضارية للأندلس، وإبراز بعدها الإنساني والثقافي في إطار سردي مشوق.