المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

قصة للأطفال الفستان الأحمر

صفاء عبد المنعم

كانت ماريا الصغيرة، تشبه حبة الكريز الجميلة، وتضحك وهى سعيدة جدا مع صديقاتها فى فناء المدرسة (فاطمة وأنجى ومريم وعائشة)، وتحدثهم كثيرا عن اللون المفضل لديها، وأنها تحب اللون الأحمر كثيرا، مثلما تحب صديقاتها، ودائما تشترى معظم ملابسها بهذا اللون النارى الصارخ، وعندما تفتح دولاب ملابسها الصغير، تقف طويلا أمامه مبهورة باللون الأحمرالمبهج.
قالت فاطمة: أنا أحب لون زهرة البنفسج.
وقالت أنجى: وأنا أحب اللون الأزرق الذى يشبه موج البحر.
وقالت مريم: وأنا أحب اللون الأصفر لون عباد الشمس.
تنتظرعائشة قليلا تفكر ثم تقول: وأنا أحب اللون الأخضر لون الزرع فى الغيط.
تقف ماريا تفكر كثيرا، ولكن اللون الأحمر مبهج بالنسبة لى لأنه لون الفراولة، وأنا أحب الفراولة.
دق الجرس وخرجت ماريا وصديقاتها من المدرسة وركبن الباص.
قالت فاطمة: عام سعيد يا أنجى، عام سعيد ياماريا، كل عام وأنتما بخير.
وقالت عائشة: كل سنة ونحن جميعا بخير، وعام ميلادى سعيد على الجميع.
وعندما عادت ماريا إلى البيت وققف محتارة كثيرا أى الملابس ترتدي اليوم، فى ليلة رأس السنة !
تأتى أمها من المطبخ على صوت الصغيرة ماريا، وهى تقف أمام دولاب الملابس فى حيرة شديدة: أمى أي الملابس أرتدى، التشيرت الأحمر، أم الفستان الأحمر ، أم البنطلون الأحمر !
تضحك الأم بحب وصفاء شديد، وتضم صغيرتها الحائرة إلى صدرها: ياصغيرتى يجب أن تنوعى فى ألوان ملابسك، حتى لا تحتارين مثل هذه الحيرة كل يوم، لقد خلق الله الطبيعة متعددة الألوان، ففيها الخضروات والفاكهة، حتى يختار كل شخص ما يناسبة، والعين تحب كل الألوان، فاللون الواحد مجهد، فكرى قليلا ياصغيرتى، أنت تحبين الكريز، وطارق يحب المنجو، وبابا يحب الموز، وأنا أحب التفاح وهكذا، الحياة متعددة الألوان والأشكال وهذا ممتع.
قالت ماريا بصوت ضعيف فارغة الصبر: ياأمى أنا أحب اللون الأحمر، لأنه يشبه لون التوت، والكريز والفراولة والتفاح، والورد البلدى الأحمر، أنا أحب هذه الأشياء، كل ماهو أحمر جميل ومثالى بالنسبة لى.
ضحكت الأم ضحكة عالية، وهى تملس على شعر صغيرتها بحنان: ياحبيبتى، الحياة بها ألوان عديدة مبهجة، بها اللون الأصفرالذى يشبه الشمام والمشمش وصفار البيض، والأزرق الذى يشبه لون البحر والسماء، والأبيض الذى يشبه لون الورق الذى تكتبين وترسمين عليه بألوانك الجميلة، والأسود الذى يشبه ظلام الليل الدامس، إن الله أعطى لنا مباهج ونعم كثيرة يجب أن نحبها ونذكرها، ونصلى ونشكره على نعمه المتعددة.
هيا اسرعى ياصغيرتى فعمك عزيز على وشك الحضور، وسوف يصحبنا معه إلى القرية لزيارة الجد والأهل والأصدقاء بعد غد، ولم أنتهى بعد من أعداد فطيرة العنب اللذيذة لطارق، وبسكويت الفانيليا الذى تحبينه، هيا أرتدى ملابسك كى تساعدينى.
قالت ماريا بصوت غاضب: صبرا ياأمى، أنا وعدتك أن أساعدك، وسوف أقوم بأعداد المائدة، والعصائر، وشجرة عيد الميلاد التى أشتراها أبى أمس، وكذلك الحظيرة التى أرسلها لى عمو رمزى منذ أسبوعين.
ضحكت الأم وقالت: أنت دائما هكذا تجهزين كل شىء فى موعده، أشكر الرب الذى أعطانى طفلة جميلة مثلك، أحفظها يايسوع من كل شر.
وقبلت الأم رأس صغيرتها، ثم أتجهت نحو المطبخ لأعداد الطعام، فطيرة العنب لطارق، وبسكويت الفانيليا لماريا.
أرتدت ماريا فستانا أحمر، ووضعت على كتفيها شال أحمر، وحذاء أحمر، فصارت حمراء مثل حبات الفراولة، وأخذت تجرى فى الشقة وهى تصيح: أنا حمراء مثل الفراولة، أنا حمراء مثل الكريز، أنا حمراء مثل الطماطم، وتنط بحذائها الجديد، ثم أقتربت من شجرة عيد الميلاد وأضأت الشموع الحمراء والصفراء والخضراء، ووضعت أسفلها الهدايا فى علب حمراء، لطارق وماما وبابا وعمو عزيز، ثم أخذت الحظيرة الصغيرة والتى أرسلها عمو رمزى من لندن منذ أسبوعين ووضعتها على المنضدة، وأخذت تنظر بعينيها الصغيرتين على الطفل الوليد وأمه والرعاة حولهما فرحين بالوليد، والخراف والبقر فى الحظيرة، وتعجبت من الألفة التى بين الثور والحمار، وبين جميع الحيوانات، وتذكرت الموقف الشهير للعذراء مريم أنها لم تطرد أحد من الحظيرة، ورأت الأم تقف إلى جوارها وهى تردد: رأيت ياصغيرتى الألفة والسعادة بين الجميع فى هذا اليوم الذى ولد فيه يسوع المسيح (المجد لله فى الأعالي وللناس المسرة وعلى الأرض السلام) ونزلت بعض الدمعات من عينى الأم، فمسحتها بظهر يدها..
عام سعيد ياماريا .
بعد لحظات دق جرس الباب، جرت ماريا وهى ترتدى الفستان الأحمر، والشال الأحمر، والحذاء الأحمر، فتحت ماريا الباب رأت عمها عزيز العائد من لندن بعد حصوله على شهادة الدكتوراة، مدت ماريا يدها، وسلمت على عمها، الذى أخذ ينظر فى تعجب إلى ماريا وسألها:
هل أنت مريضة بالحصبة ياصغيرتى؟
قالت ماريا: لا ياعمو فأنا أحب اللون الأحمر فقط.
ضحك العم بشدة وأخذ يقبل رأسها فى سعادة وحبور، وهو مندهشا كثيرا لأن ماريا كبرت وأصبحت فى الصف السادس الإبتدائى، وجرت نحو المائدة كى تساعد أمها فى وضع الطعام الشهى وخاصة فطيرة العنب، وبسكويت الفانيليا برائحته النفاذة للأحتفال بالعم عزيز فى ليلة رأس السنة.