المجلة الثقافية الجزائرية

كيف يؤثر جليس السوء في ابنك؟

(الفرق بين الطفل الذي تربى في عائلة والذي تربى في الشارع)

طه بونيني

 

في مجتمع صعب، يتساءل بعض الآباء: هل أربي ابني كما يجب تربيته، أم أربيه ليتلاءم مع المجتمع الصعب الذي أعيش فيه؟

أنت تربي ابنك أو ابنتك، وسط عالم متغيّر يزداد قسوة يوما بعد يوم، تريدُه قادرا للعيش فيه، لكنّك في الوقت نفسه، لا تريده أن يكون فردا سيئا ينتمي للشارع.

1- من مميزات الطفل ابن البيت الكريم (الطفل المؤدب)

ـ يعرف الله ويعرف الأخلاق الصحيحة ويُطبّقها.

ـ يعرف معنى الإحترام. لا يتلفظ بالألفاظ النابية والكلام الفاحش.

ـ يطيع والديه وإذا تمرّد أحيانا فيكون ذلك بردا وسلاما (يتمّ احتواؤه بسرعة وسهولة).

إذا استعمل الشاشات فهو لا يتفرّج على المحتوى الهابط.

ـ يحبّ التفوّق في الدراسة، ويسمح لوالديه بمساعدته في دروسه في البيت.

ـ لا يتنمّر على أصدقائه، ولا يحبّ التنمّر من الأصل.

ـ يحبّ القراءة والأنشطة الهادفة.

2- من مميزات طفل الشارع: قليل التربية

ـ ضعف في المرافقة الأسرية. يمكننا أن نقول أنّ هذا النوع من الأطفال هو ضحية لغياب الأسرة الصغيرة والكبيرة.

ـ يفتعل المشاكل في البيت حتّى يستطيع الخروج للشارع ولا يرتاح له بال إلا وهو خارج البيت.

ـ يتلفظ بألفاظ نابية. الطفل في الأصل صفحة بيضاء تبدأ في التلطُخ شيئا فشيئا، مع اكتساب ثقافة الشارع السوقية.

ـ السمة الغالبة لهذا النوع من الأطفال يعرف الأخلاق من خلال الفطرة ومن خلال المدرسة، لكن لا يُطبّقها، لأنّه لم يتعلم احترام نفسه والآخرين.

ـ قلّما تجده يبدي حبّا للدراسة، أو يراجع في البيت وحده أو مع الأبوين. عموما، يتميّز الطفل الذي يمضي وقتا كبيرا في الشارع بتحصيل دراسي ضعيف. لكن قد تجد منهم من يتفوّق في الدراسة بقدراته الفطرية، وهذه الفئة فئة خاصّة جدير بالوالدين والمربّين الاعتناء بها، حتّى لا يفقد هؤلاء الأطفال هذه الملكات الفطرية مع انصرام أعوام الطفولة.

ـ كثيرا ما يجلب المشاكل لوالديه فهو مُصمّم على التنمّر على أقرانه، لأنّه يعيش في الخارج والخارج هو بمثابة غابة.

ـ النضج الجنسي: ثقافته الجنسية متطوّرة مقارنة بأقرانه بحكم معاشرته لمن هبّ ودبّ حتّى من هم أكبر منه سنّا، وتأثير الرفقة السيئة عليه، ولهذا فقد يكون استعماله للشاشات سيئا، خاصة عندما يكون وحده أو بصحبة جلساء السوء.

3- تأثير جلساء السوء على أبنائنا:

تأثير جلساء السوء على من يصاحبهم ذو خطورة كبيرة لا يُستهان بها. فالأطفال يميلون لتقليد أصدقائهم بحيث يبتغون القبول الاجتماعي منهم في المدرسة أو الشارع أو القاعة الرياضية أو غير ذلك.

بعض الأضرار التي قد يُسبّبها هؤلاء الجلساء السيئين قد يكون مفعوله أبديا. ومن هذه التأثيرات:

تأثير سلوكي: تنمّر، عصيان وتمرّد على الوالدين، الإدمان على الشاشات والألعاب.

تأثير فكري: أفكار مشبوهة مثل أفكار الإلحاد، بعض العادات والآفات الدنيئة مثل العادة السرية والتدخين…الخ

بعض الأفكار قد تتغلغل في عقل الطفل ومصدرها أصدقاء السوء. ومنها مثلا: أن يعتبر الطفل الإجتهاد في الدراسة علامة ضعف في الشخصية. اقتناع الطفل بهذه الفكرة، التي ضربتُها كمثال، هو أمرٌ خطير جدا على مساره الحياتي.

تأثير جسماني: هناك بعض التأثيرات التي تنعكس على الجسم، فبعض الأفكار عندما تصير قناعات، تصبح بعد ذلك عادات، ثم تؤثر على الجسم والهرونات، مثل الأفكار ذات الطابع الجنسي.

4- توصيات للآباء:

ـ وضع برنامج للأطفال ينظم حياتهم، حسب استطاعة الآباء. لا يُكلّف الله نفسا إلا وسعها، لكن على الآباء بذلُ جهدٍ لأجل تحقيق ذلك. مثل الخرجات العائلية المسائية، ولو مشيا على الأقدام.

ـ تشجيع الصحبة الصالحة ومنع جلساء السوء من مصاحبة أولادك، خاصة في الطفولة المبكرة. عندما يتحصل الطفل على بعض المعارف التي تُكوّن حصنا فكريا منيعا، يستطيع بعد ذلك مجابهة هؤلاء في حياتهم. فالعالم مليء بكل أصناف الناس. لكن ليس من المناسب أن يترك معهم في الطفولة المبكرة.

ـ إشغال الطفل بكل سبل الخير والنشاطات النافعة.

ـ الحوار الدائم مع الأبناء، وتركهم يُبيحون بما في خاطرهم، ويُنفّسون عن مكنوناتهم ففي ذلك راحة لهم ولكم.

رسالة خاصة:

يا أيّها المُربّي، الذي يريدُ إخراج طفل ذو قدرات تتلاءم وتتناغم مع عالم متوحش تعيش فيه، أقول لك العالم مليء بأمثال هؤلاء الأشخاص المنحلّين والبلطجيين. أنت تتصوّر أن ابنك هكذا سيستطيع التكيف مع المجتمع الهابط الذي تعيش فيه لكن لا تنسى أن القانون لا يرحم، كما أنّ ابنك هكذا سيكون محدودا، بحيث لا يستطيع العيش في مجتمع متحضر. وبهذا فقد حكمت عليه بالبقاء في البؤرة الرديئة التي تعيش فيها. وبدلَ أن تسعى لتحسينها، أنت تزيدها رداءة وسوءاً.

كما أنّ ابنك لن يستطيع الارتقاء لأماكن أفضل، ولن يتمكن من الحصول على الفرص الجيدة في الدراسة والعمل. لأنّه مرتبط سلوكيا وفكريا بالشارع الذي تربّى فيه.

 من الجهة الأخرى، يستطيع الطفل المؤدب أن يرتقي ويُحقّق أهدافا أكبر بحكم المهارات التي يمتلكها. أمّا الطفل الذي لم يوفّر له أبواه إلا الشارع ليتربّى فيه فلن يتمكن من الارتقاء. وسيظل حبيس المجتمع الضيّق الذي تربّى في أحضانه. ولتعلم يا سيّدي الأب أن اللامبالاة وتشجيع الطفل ليصير ذئبا بشريا سيجعله أسوأ مما تتخيل، سيعود بالبلوى عليك وعلى نفسه، وقد يصل به الأمر إلى أسفل الدركات، مثل الفشل الدراسي والاجتماعي والمهني وقد يصل به الأمر لا قدّر الله إلى تعاطي المخدرات والسجن. ثم لن يشكرك على تلك التنشئة بل بالعكس. وهذا خُسران في الدنيا والآخرة.

ولهذا يعدّ الاستثمار في تربية أبنائك، يا أيّها الأب يا أيّتها الأم، أعظم استثمار تقومان به.