هلويز ليريتي
ترجمة: الحسن علاج
ما الذي يجعل المرء يقرأ مدام بوفاري أو هاري بوتر؟ ما فائدة أن يُفتن بقصص مختلفة من ألفها إلى يائها وأن يسيل دموعا على مصير شخصيات لم توجد أبدا؟ ليست التسلية هي إسهام الأدب الوحيد. فعبر مواربة التخييل، يعمل الأدب على توسيع تجربتنا كما يمنحنا رؤية أخرى حول العالم وحول أنفسنا.
الرواية على أحسن ما يرام. تُباع كل سنة بفرنسا ست مرات أكثر من أعمال العلوم الإنسانية (1)، دون احتساب ازدهار أدب الشباب . لماذا هذا النجاح؟ الإجابة ليست واضحة. لا تدعي الرواية حقيقةً ولا موضوعيةً. تتطلب قراءتها مجهودا يقدر بالعديد من الساعات والعديد من الأيام، إن لم تكن أسابيع عديدة. ما الذي يتم البحث عنه في قراءة الرواية، ما لايتم العثور عليه لافي الأعمال النظرية ولا التطبيقية، ولا في الأفلام، ولا في تدفقات التسلية التي توجد رهن إشارة المستهلك المعاصر؟
الاستثنائي، الوقتي والضئيل
قبل مباشرة هذا البحث نبدأ بمساءلة عبارة “رواية”. عماذا يتم الحديث؟ فخلف نفس العبارة تتصادم أنماط من النصوص المختلفة غاية الاختلاف، روايات الأطروحة، روايات واقعية، روايات بوليسية، روايات مسلسلة، روايات المحطة، روايات نسائية، روايات الأطفال، روايات فروسية، مدام دو لافاييت، مارسيل بروست، غيوم موسو Guillaume Musso) ( … لطالما تمت محاولة استبعاد الخرافات من الجنس الروائي، الحكايات، القصص القصيرة، المحكيات، والمذكرات. على أنه تم القبول أحيانا بالأشكال السردية الجديدة، التي يتم نشرها عبر الإنترنت أو الهاتف الجوال. إن تلك القوائم ليست مقنعة دائما. لا يزال تحذير غي دو موباسان ساري المفعول: “إن الناقد الذي لا يزال يجرؤ على كتابة: “هذه رواية وتلك ليست برواية” يبدو لي أنه وُهب حدةَ بصر أشبه ما تكون إلى حد كبير بعدم الكفاءة (2) .”

الرواية متعددة، لذلك، وهذا هو السبب في أنه لا يوجد أي سبب صريح للتورط في قراءتها. جنس في تحول دائم، يكمن استمراره في تقلبه. أيا كانت المعارف التي ينقلها، والطموحات النظرية التي يمكن أن تدخل في ملكيتها، فإنها تظل الأقل علمية من الخطابات. لا تعرض الرواية الوقائع، لا تستكشف المفاهيم، ولا تستنبط الأفكار. تعارض صرامة العلوم بالاتفاقي واللامتوقع. وضد الشامل والمفاهيمي، تُنصّب الاستثنائي، سريع الزوال، الضئيل جدا، الشهواني، فرصة لقاء، نبض قلب، عنف إحساس أو شجار… وبالتالي محاولة قراءة الروايات في رف الأنشطة المسلية، وحتى العاطفية، هناك حيث تستبقي الأعمال الأكثر تعليمية لنفسها دائرة المعرفة. “إن المجال الحقيقي للإدراك هو العلوم، يؤكد رونالد شوسترمان (Roland Shusterman)، وهو متخصص في الاستثيقا . لم يكن المتخيل في أي وقت من الأوقات معرفة (3) . “
فهم الإنسان فهما جيدا
وبالرغم من ذلك، ترتفع أصوات عديدة من أجل إثبات ال”قوة الكشفية “أو ال” قوة الإدراكية” للأدب. إن ما نبحث عنه في الروايات، سيتمثل في “الفهم الجيد” للإنسان، العالم والحياة. وهكذا يتذكر تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov) (بأن ” الأدب هو أول العلوم الإنسانية“. جيرار جونيت (Gerard Genette)، جان ماري شيفر Jean Marie Schaeffer) ( ، رينيه روشليتز Rainer Rochlitz) ( كلهم يؤكدون ، على طريقتهم، بأن إسهام الرواية هو إسهام من طراز معرفي. يبحث المؤرخون في الأدب عن “حقائق تاريخية”. فحتى العلوم الإدراكية تقدم مساهمتها في هذا الصرح النظري: مسلحةً بمعارفها حول إواليات الدماغ، تقوم باقتحامات بشأن النقد الأدبي (4).
في سياق هذا الغليان، يبقى سؤال يحير ويرسم خطوطا فاصلة بين أدباء، علماء اجتماع، مؤرخين، وعلماء الإدراك: ما هو نوع المعرفة النوعية التي تسهم بها الرواية؟ وبالتأكيد، فإنه بإمكان الروايات إعادة بناء تاريخي، فك شفرة العلاقات الاجتماعية، أو تفيدنا بطريقة صادمة، حول سيكولوجيا الإنسان. لكن ومن وجهة النظر هذه، فهي لا تتمتع بأي خصوصية بالنسبة للعلوم الإنسانية، الدراسات أو السينما. هذا هو السبب في أنه ينبغي تمييز محتوى المعارف التي يحملها نص ما، والمخيال الذي يقوم ببسطه. اختزال جول فيرن Jules Verne) (إلى دور المعمم لعلوم عصره، تجاهل عرض الانفعالات الأكثر عتاقة الذي تم تنسيقه في رواية عشرون ألف فرسخ تحت الماء (1870): إرادة قوة، مغالاة، كره البشر… كذلك، فإن رواية الغريب (ألبير كامو، 1942) تكوّن، في جوانب معينة، تركيبا لثيمات كبرى للفلسفة الوجودية: العزلة، الموت، الغيرية، العبث. لكن كما لاحظ رولان بارت ذلك، “إن ما يجعل من الغريب عملا، وليس أطروحةً، هو أن الإنسان يجد نفسه مزودا ليس فقط بأخلاق، بل أيضا بميل إلى الدعابة (5) “.
يمكن القول تحديدا نفس الشيء عن روايات ميشال هولبيك Michel Houellebecq) ( ، التي تخبرنا حول علم النفس العاشق أو السياحة الجماعية، لكن القيمة الأساسية لذلك تكمن في الجو الفريد الذي ينبثق عنها. مرح، بيئة عالم مكتوب على الورق، أو مزاج شخصية مختلقة من ألفها إلى يائها: حدسيا، نشعر بأن كلمات المؤلف تقول “شيئا ما” استثنائيا بخصوص عصرنا أو بخصوص أنفسنا. بشكل دقيق لأن نسجها مكون من أحلام وكلمات، وليس من وقائع وأفكار، تعمل الروايات في آن واحد، على إثراء كفايتنا اللغوية وفهمنا للواقع. عاملة على تفجير المقولات الجاهزة من أجل التفكير في الإنسان والمجتمع، كما أنها تمنح “لوازم رائعة من أجل خيال علماء الاجتماع“، تفترض آن باريرا Anne Barrére) ( ودانيلو مارتوشيللي Danilo Martuccelli) ( .

حيوات بالوكالة
تهتم الفلسفة الأخلاقية من جهتها، بالدور التربوي للرواية. تصر مارثا ناسباوم Martha Nussbaum) ( ، وهي تعد من بين ممثليها الأكثر شهرة، على قدرة التخييلات على إبراز ما فشلت الفلسفة في البرهنة عليه. يكمن فن الروائي في رؤية العالم؛ يعود فن القارئ إلى استعارة عيني آخر، الراوي. وفي هذا الصدد، فإن الرواية تسمح بالتواجد تباعا في جلد المخبر، عشيقة، طاغية أو يتيم. يزودنا التخييل، بطريقة أو بأخرى، بحيوات بالوكالة. وفي هذا الصدد، فإن التخييل يعمل مثل مضاعف للتجارب، وهذا يتم منذ الطفولة. وهكذا فإنه يضعنا في علاقة مع تعقيد حيواتنا الخاصة مثل حيوات الآخرين. ومن جهته، فقد تحدث الفرنسي ميشال بيكار Michel Picard) (في كتابه القراءة كلعب (مينوي، 1986) عن “نمذجة بواسطة تجربة للواقع المتخيل“. وبطريقة أو بأخرى، فإن القارئ يقوم باختبار أوضاع لا يستطيع عيشها في الواقع. فهو يمكنه اختبار بعض الأوضاع، ورفض أخرى، وحيازة مزايا تلك التجارب من دون أن يتعرض للأخطار الواقعية.
وفي هذا الصدد، فإن أحد الأبعاد الأكثر تأثيرا لقراءة رواية، يكمن في وظيفته التخاطرية. عند قراءته رواية ما، فإن أي قارئ يجد نفسه يتلفظ ذهنيا بأفكار ليست أفكاره. لذلك وبالتقدم في قراء رواية مذكرات هادريانMemoires d’Hadrien) (لمارغريت يورسونار Marguerite Yourcenar) (1951) ، آخذ على عاتقي ال”أنا” التي يتم التعبير عنها هناك. أجد نفسي مدفوعة بقوة كبيرة في رأس إمبراطور روماني في شيخوخته . إن استبطان الآخر ، هذا، يوضح الألفة الاستثنائية التي نشعر بها فيما يتعلق ببعض الشخصيات. نحسهم يحيون، يتكلمون، يعملون “بداخلنا”. هذه التجربة المتميزة جدا، فهي تارة مزعجة، وتارة أخرى مبهجة، أيّ فيلم من الأفلام لا يستطيع إعادة إنتاجها. يتم فهم، من ذلك الوقت، السبب في اقتباس الروايات في الشاشة الكبيرة غالبا ما يتبدى مخيبا للأمل…
إن القراءة باعتبارها سيرورة إدراكية، تكشف عن نفسها مثل سيرورة عاطفية قوية للغاية. أيّ رواية تتحدث عن ذكائنا، لكن أيضا عن قلبنا . استعاد ميشال بيكار، بعد أومبرتو إيكوUmberto Eco) (الذي قارن قراءة رواية بلعب الشطرنج (6)، صورة اللعب هذه من أجل إغنائها. تعمل قراءة رواية ما، بحسبه، على الجمع بين نشاطين لعبيين متميزين جدا: ال”لعبة” وال”مرح”. تتجذر اللعبة، شأنها في ذلك شأن لعبة الشطرنج، في العقل: إنها لعبة التفكير، التي تستدعي ذكاءنا، قدراتنا على التكيف والتوقع، حسّنا الإستراتيجي. يتجذر اللعب في المخيال: إنه تقمص الأدوار، الذي يتشيد على التماهي مع صورة خيالية. فمن جهة، ينفلت القارئ مع الشخصية، يسافر في الزمن ويعيش مغامرات مشوقة؛ ومن جهة أخرى، فهو يصيغ فرضيات بخصوص تتمة القصة ويحتفظ بحس نقدي. لدى هذا النموذج ميزة إعادة تأهيل ال”الرحلة الخيالية” التي يقترحها أي تخييل سردي، دون إهمال البعد التأملي للقراءة.
عودة اللذة
ضمن هذا السياق، فإن بعض منظري الأدب يسائلون مفاهيم الانفعال، اللذة والهروب. لأن الغالبية العظمى من القراء تثبت ذلك: فهم يقرؤون الروايات أولا من أجل الانفلات والتسلي، أكثر من التفكير واكتساب معارف. لطالما تم ازدراء هذه البداهة من قبل نظرية الأدب، تعثر على مؤسسين جدد وجادين جدا. لذلك يقترح فانسون جوف Vincent Jouve) (، مؤلف كتاب تأثير الشخصية في الرواية، إعادة الشخصية إلى مركز سياق التواصل الأدبي (7). ويرى منظر الأدب هذا في التماهي مع الشخصيات أساس انفعالاتنا الأدبية: “فلأن رابطة عاطفية توحدنا بلوسيان دو روبيمبري Lucien de Rubempré) (الذي، بمواصلة قراءة رواية الأوهام لمفقودة، تهتم بالدوافع ـ السيكولوجية والاجتماعية ـ التي أدت إلى خسارته. فلأن شخصيات بروست، تعتبر كل على حدة، مغرية، سمجة أو مسلية والتي يجوب المرء، بابتهاج، عالم رواية البحث عن الزمن الضائع، مسلما في نفس الوقت برؤية الحياة والفن التي تنعكس فيها. الرغبة في إجلاء التماهي ـ وبالتالي العاطفي ـ من التجربة الجمالية يبدو منذ ذلك الحين منذورا إلى الفشل (8). “

بالإمكان المضي قُدما، والقول بأن الانفعالات التي يتم الإحساس بها، الأحلام التي تتم صياغتها أثناء القراءة أنها ذات أثر حاسم ، ليس فقط على تأويلنا لرواية ما، بل أيضا في وجودنا الخاص. لا يكيّف القارئ أعماله وفقا لأعمال الشخصيات بالضرورة (فأن تحب ساد، لا يعني أن تصبح ساديا، كما أن دراسة مكيافلي لا تجعل المرء مكيافليّا). لكنه يستطيع أن ينقل في حياته سجايا، انفعالات وصيغاً مستعارة من الرواية المفضلة. لقد حافظت جملة المتأنق أوسكار وايلد، بخصوص شخصية من شخصيات بالزاك، على شهرتها: “يعتبر موت لوسيان ريمبري أعظم مأساة في حياتي. “أكد ماركو فارغاس ليوسا، وهو مؤلف معاصر، على طريقته: “لقد ترك عدد قليل من الشخصيات الأدبية أثره في حياتي بطريقة أكثر استدامة، أكثر من كائنات من لحم وعظم كنت أعرفها. “ومن المعروف أن شخصية فارتر لغوته (1774) قد دفعت مراهقين إلى الانتحار أو رواية هلويز الجديدة، لجان جاك روسو (1761)، قد عملت على تعديل التوازن العاطفي لأجيال عديدة.
إثبات الذات أو مواجهتها؟
عن أي شيء يبحث المرء في هذه التجربة، التي يتضح أنها مثيرة للقلاقل؟ وما هي المخاطر التي يعرض نفسه لها؟ هذا هو المكان الذي تتم فيه العودة إلى تعدد المعنى الأساسي للجنس الروائي: كل شيء يرتهن بالرواية، التي وقع عليها الاختيار. تكمن مهارة الكتب الأكثر مبيعاBest Selers) (في أن تقدم لنا شخصيات تشبهنا. فقيمها هي قيمنا، أهواؤها تتحدث إلينا، تحديدا لأنها مبتذلة. لذلك فإن تلك الروايات تشجع القارئ في اعتقاداته وانتظاراته. إنها إوالية معروفة جدا في علم النفس الاجتماعي: الآخر يشبهني، فهو يطمئنني. ها أنا ذا محميّ وساكن الروع بواسطة شخصية الرواية، التي أعتز بها بالمقابل. خلافا لذلك، فإن بعض الروايات تواجهنا من خلال غيرية جذرية. وهي حالة رواية الأبله، مثلا، لفيودور دوستويفسكي (1868)، ورواية لوليتا لفلادمير نابوكوف (1955) أو رواية الخيرون لجوناثان ليتل Jonathan Littel) ( (2006) . لا يتأتى الاهتمام أبدا من تعرفنا على أنفسنا، بل بقابليتنا على أن، نتعرف فيها على جانبنا المظلم. فمن جهة، يسعى القارئ إلى إثبات الذات، ومن جهة أخرى، مواجهتها. وفي جميع الأحوال، فإن فانسون جوف يلاحظ، “يبعث إلينا آخر النصّ، سواء أتعلق الأمر بالسارد أو بشخصية ما، عن طريق الانكسار، بصورة عن أنفسنا (9) ” .
ليست القراءة مجرد محاورة مؤلفين كبار من الماضي والحاضر. إنها تجربة فكر. إنها استضافة ألسنة أخرى، عوالم أخرى وأمزجة أخرى. أن يصل المرء داخل شخصيته بين معارف وإثارات جديدة. إن الإمساك برواية ما هو أخذ موعد مع الذات .
ـــ
مصدر النص: المجلة الفرنسية علوم إنسانيةSciences Humaines عدد ممتاز خصص ملفا تحت عنوان: كيف يمكن للأدب أن يغير حيواتنا يونيو ـ يوليوز 2021 .
(1) ملاحظة اقتصاد الكتاب، “قطاع الكتاب: أرقام مفتاحية 2008 ـ 2009 “، تقرير وزارة الثقافة، لم يتم تضمين أدب الشباب، مارس 2010.
(2) غي دو موباسان، “الرواية”، تقديم بيار وجان، في روايات، غاليمار ، “لابلياد”، 1987.
(3) رولان شوسترمان، “متى تقرأ ، هو أن تفعل: القيمة اللاإدراكية للتخييل” Tropismes,n 11,2003.
(4) انظر ريمي سوزان، “علوم الإدراك : نحو نقد أدبي جديد؟” Le Monde ,30 avril 2002 .
(5) رولان بارت “الغريب، رواية شمسية” ’ في الأعمال الكاملة، جزء 1، 1942 ـ 1961، 1993، أعيد طبعه، سوي، 2002.
(6) أومبرتو إيكو، القارئ في الحكاية. دور القارئ، ترجمة فرنسية، غراسيه، 1985 .
(7) فانسون جوف، تأثير الشخصية في الرواية، بوف، 1992.
(8) فانسون جوف، القراءة، هاشيت، 1993.
(9) نفس المرجع.





