حاتم السروي
لماذا لا نحب أفلاطون وهو الذي وضع الأسس الأولى للفلسفة الغربية والعلوم؟ ولماذا لا نحبه وهو الحكيم الروحاني الذي طار بنا بعيدًا عن وحل الحياة المادية؟ وأفلاطون كلمة يونانية يمكن لنا ترجمتها بـ “واسع الأفق” وهكذا كان بالفعل.
إنه الفيلسوف المتصوف الذي عرَّف لنا الفلسفة ذلك التعريف الماتع والمانع (بالتاء والنون) حيث قال إنها السعي الدائم لتحصيل المعرفة الكلية الشاملة التي تستخدم العقل وسيلةً لها، وتجعل الوصول إلى الحقيقة أسمى غاياتها.
وهو الذي كان يعلم الفلسفة في كتبه بطريقة المحاورة، والمحاورة دراما فلسفية حقيقية، يعبر من خلالها أفلاطون عن أفكاره من خلال شخصية سقراط التي تمثله في المحاورات، بل وتمثله في الحقيقة، فقد كان أفلاطون لسان سقراط وداعية تعاليمه، ومن الصعب الفصل بين سقراط الأستاذ وتلميذه أفلاطون، وخصوصًا أن سقراط لم يترك لنا أي شيء مكتوب، على حين ينسب مؤرخو الفلسفة إلى أفلاطون أربعين كتابًا، سبعٌ وعشرون منها عبارة عن محاورات موثوقة النسبة إلى فيلسوف الروح، والباقي إما أنه يُنسًب إليه أو ليس من تأليفه.
والمحاورة الأفلاطونية هي محادثة بين شخصين أو أكثر ولها موضوع محدد، وفي المحاورات يسأل سقراط/ أفلاطون الناس عن أشياء يبدو لهم أنهم يعرفونها في حين يدعي هو الجهل بها ليوقظهم من سُبَاتِهم الفكري ويخلل يقينهم الأرعن لينطلقوا في شِعَاب الفِكر ويبحثوا بأنفسهم عن الحقيقة.
كل ما نراه في المحاورات أن البطل يوضح للناس أنهم لا يعرفون ما يعتقدون معرفته، وفي الوقت ذاته لا يعطيهم إجابات مجانية، بل يثير فيهم القلق المعرفي ويدعوهم إلى إعمال العقل، ومن خلال هذه المحاورات استطعنا فهم مضمون الفلسفة الأفلاطونية التي تطورت عبر سنوات عمر الفيلسوف الكبير؛ فليس سراً أن أفلاطون الشاب ليس هو عينه أفلاطون الكهل.
وأهم ما في الفلسفة الأفلاطونية هو “نظرية المُثُل” حيث يرى أفلاطون أننا نسمي عدة أشياء بمسمى واحد لأنها تتضمن شيئًا مشتركًا، فنحن مثلًا نقول “الفنون الجميلة” وهي كلمة نريد بها كلًا من: “الرسم” و”النحت” و”صناعة الخزف بأشكال فنية رائقة” وهذا الشيء المشترك بين هذه الفنون هو “مثال الجمال” فهو كمال الصفة العامة في هذه الأشياء، غير أن “المثال” لا يمكن إدراكه بالحواس وإنما نعرفه فقط بالذهن، فمثلًا “الخير” هل هو موجود واقعيًا؟ أعني الوجود الحسي المجسم، إنه بالطبع لا يوجد مجسدًا وإنما مكانه في أذهان البشر على وجه الخصوص.
على أن الأشياء المحسوسة لا تعكس إلا قدرًا يسيرًا من “المثال” تمامًا مثلما نرى “وصيد الكهف” أو بابه وفتحته التي لا تمثل منه إلا واجهته في حين لا نعرف تحديدًا ما الذي بداخله إلا إذا دخلناه ورأينا ما فيه، فالحياة الحسية التي نعيشها لا تتضمن إلا شيئًا ضئيلًا من المعرفة، ونظرًا لأن المثال كامل وثابت فإن المعرفة الحقيقية هي معرفة المُثُل، وهي أمر لا يتأتى للعامة والبسطاء، وإنما لنخبة العارفين الذين تحرروا من العلائق، وبذلك تبرز لنا النزعة الصوفية الواضحة عند أفلاطون، والتي ظهرت بشكل عرفاني عميق في فلسفة “أفلوطين” الصوفي الكبير.
ونظرية أفلاطون في الفضيلة تطربنا ولا شك، فمن المعروف أن كل البشر يبحثون عن السعادة، غير أن أفلاطون يضع أيدينا على الشيء الذي نسعد به لا محالة، ذلك هو صحة الروح النابعة من اكتساب الفضائل الأخلاقية، وإن من لا يبحثون عن الفضيلة سيخطئون طريق السعادة رغمًا عنهم، لأن الفضائل هي الشيء الوحيد والحقيقي في هذا العالم الذي يموج بالزيف، والمشكلة الرئيسية للأخلاق هي مشكلة معرفية؛ حيث لا يعرف الكثيرون أن الفضيلة هي التي تؤدي إلى السعادة ومن ثم لا يبحثون عنها بل يعتقدون أن اكتساب المال والجاه والثروة والعيش الطيب هو الذي يسعدهم، ثم يتسائلون بعد الحصول على هذه الأشياء: لماذا لا يبارحنا الحزن؟ وما كان أيسر أن يبارحهم لو علموا أن الأخلاق ليست شعارًا فارغًا بل حقيقة ثابتة.
وأفلاطون كان يؤمن بخلود الروح وأنها لا تفنى مثل الجسد، وما لا نتفق معه فيه هو الاعتقاد بـ “تناسخ الأرواح” إذ يعتقد أن الروح تذهب بعد موت الجسد إلى “عالم المُثُل” وتبقى فيه فترة ثم تعود متقمصةً جسدًا آخر! على أننا نتفق معه في أن “العلم تَذَكُّر والجهل نسيان” فالمعرفة لا تأتي هكذا طفرةً ولا يعرف الإنسان إلا ما كان يعرفه قبل أن تحل روحه في جسده، فمن اليقيني أننا عشنا حياة روحية قبل أن تحل أرواحنا في الأجساد، ويدلك على ذلك أن بعض الأشخاص تجدهم غير مؤهلين لمعرفة بعض العلوم، في حين يعرفها البعض الآخر بسهولة، وذلك لأنهم مؤهلون روحيًا لاستيعاب وتقبُّل هذه العلوم، والحق أن أفلاطون جمع بين أمرين لا غنى عنهما لكل عالم: ذهن رياضي يتسم بتماسك المنطق وسعة الفهم ودقة التصورات، وممارسة روحية جعلت روحه طائرة في أفق لا متناهي من الجمال.
والمنطق الذي تعلمناه من تلميذه “أرسطو” هو حسنة من حسنات أفلاطون، فقد استخدم هذا الفيلسوف للبرهنة على أفكاره أسلوبًا جدليًا برهانيًا قويًا ومنضبطًا، واستعار الاستدلال الرياضي من “مدرسة فيثاغورس” وتمسك بضرورة دراسة الرياضيات حتى إنه لا يعد الرجل فيلسوفًا ما لم يدرسها.
ولعل كتاب “الجمهورية” هو أشهر كتب أفلاطون بالنسبة لنا، وفيه يتناول قضية “الدولة العادلة” ويرى – ونرى معه- أن العادل من الحكام هو الحكيم المصلح والصالح بالضرورة، أما الحاكم الشرير والجاهل فَبِهِ تشقى العباد والبلاد، وما قاله أفلاطون عن ميل الإنسان إلى الشر حقيقي – مع الأسف- لذا ينبغي على الدول أن تربي الناشئة على حب العدالة.
ويذكرنا ما قاله أفلاطون عن ميل الإنسان إلى الشر بقصيدة للشاعر الكبير “إيليا أبي ماضي” يقول فيها:
إني عرفتُ من الإنسانِ ما كانا.. فلستُ أحمدُ بعد اليومِ إنسانا
بَلَوْتُهُ وهو مُشْتَدّ القُوى أسدًا..صعب المِراسِ وعند الضعف ثُعبانا
تعوَّدَ الشرَّ حتى لَوْ نَبَتْ يَدُهُ.. عنهُ إلى الخَيْرِ سهْوًا باتَ حسرانا!
وفيها يقول: سُرُورُهُ في بكاء الأكثرينَ لهُ.. وحزنه أن ترى عيناهُ جَذْلانا
وفي فلسفة أفلاطون نرى تشبيهًا طريفًا؛ إذ يشبه أجزاء الدولة بجسم الإنسان، فالدولة تنقسم إلى ثلاث طبقات: طبقة الحكام ورجال الدولة، وطبقة الجيش، وطبقة العُمَّال والحرفيين أهل الصناعة، وكذلك ينقسم جسم الإنسان إلى: الرأس وفيه العقل، وفضيلته هي الحكمة، والقلب وفيه العاطفة، وفضيلته الشجاعة، والبطن وفيه الشهوة، وفضيلته الاعتدال، والدولة العادلة كالجسم الإنساني تقوم فيها كل طبقة بدورها لا تتعداه إلى غيره؛ فالحاكم يحكم مثل العقل الذي يضبط الشهوات، والجندي يحمي مثل القلب الذي عرفنا أن فضيلته هي الشجاعة، والعواطف كما نعلم تساعد العقل في عمله، فالقلب هو الذي يغضب من الأعمال الحقيرة والشهوات المخجلة والكذب والتدليس. وطبقة العمال والصناع هي بمثابة البطن من الجسد فهي التي توفر الأشياء المادية والمأكولة، وفضيلتها هي العمل بالعدل وإتقان العمل وخدمة الناس بدون حَيْف ولا افتئات.
ولم ينحصر تأثير أفلاطون على تلامذته الذين عاصروه، بل امتد التأثير العميق ليصل إلى فيلسوف روماني كان يعيش في مصر واسمه “أفلوطين” الذي تصوَّف وكتب في الروحانيات وكان له تأثير عميق على رهبان المسيحية وصوفية المسلمين الذين وجدوا في أفكاره ما يُناسِب معتقداتهم، وعلاقة الصوفية بأفلوطين ليست علاقة استقاء وتلمذة وإنما هي علاقة توافق وانسجام؛ لأن التصوف الإسلامي إسلاميٌ في منابعه ولم يستورده صوفية المسلمين، وإنما كانوا ينشدون الحكمة فإذا كانت الحكمة عند أفلاطون وأفلوطين فلماذا لا يأخذونها؟
ومن الجميل حقًا أن الاهتمان بأفلاطون عاد قويًا في عصر النهضة الأوروبية؛ حيث أسست أسرة “ميديتشي” – وهي أحد عائلات النبلاء ذات الشأن- أكاديمية أفلاطونية في فلورنسا بإيطاليا، وفي منتصف القرن السابع عشر للميلاد ظهرت مجموعة “أفلاطونيي كمبردج” وهي مجموعة من الفلاسفة في جامعة كمبردج البريطانية العريقة، وقد استعانوا بفلسفة أفلاطون لإيجاد الإنسجام بين العقل والدين.





