د. عالية سليمان سعيد العطروز
– مظاهر الإعجاز التشريعي في آيات غض البصر من سورة النور
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
قال الله تعالى : (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون(30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها …) [ النور 30- 31]
يعتبر الفرد لبنة الأساس في تأسيس الأسرة التي تعد بدورها النواة الأساسية في تكوين المجتمع، وعليه فإن الفرد المسلم هو نواة المجتمع المسلم، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وإذا فسد الفرد فسد المجتمع ، لذلك اهتمت التشريعات الإسلامية بتحقيق صلاح الفرد بصورة تضمن من خلالها إقامة مجتمع نظيف .
ولقد تحدث الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى في صدر تفسيره للآيتين السابقتين بكلام طيب أستميح لنفسي نقله دون اجتزاء، لصلته الوطيدة بموضوع البحث ، حيث قال :\” إن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع نظيف ، لا تهاج فيه الشهوات في كل لحظه ، ولا تستثار فيه دفعات اللحم والدم في كل حين . فعمليات الاستثارة المستمرة تنتهي إلى سعار شهواني لا ينطفئ ولا يرتوي . والنظرة الخائنة ، والحركة المثيرة ، والزينة المتبرجة ، والجسم العاري …. كلها لا تصنع شيئا إلا أن تهيج السعار الحيواني المجنون ! وإلا أن يفلت زمام الأعصاب والإرادة، فإما الإفضاء الفوضوي الذي لا يتقيد بقيد، وإما الأمراض العصبية والعقد النفسية الناشئة من الكبح بعد الإثارة، وهي تكاد أن تكون عملية تعذيب.. \”.
ثم يعقب رحمه الله بذكر إحدى الوسائل المتبعة في الإسلام للحفاظ على المجتمع، فيقول: \”وإحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليما، وبقوته الطبيعية ، دون استثاره مصطنعة ، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف…إن الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي ، لأن الله قد ناط به امتداد الحياة على هذه الأرض ، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها، فهو ميل دائم يسكن فترة ثم يعود . وإثارته في كل حين تزيد من عرامته ، وتدفع إلى الإفضاء المادي للحصول على الراحة . فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة ، وكان هذا بمثابة عمليه تعذيب مستمرة! والنظرة تثير . والحركة تثير . والضحكة تثير . والدعابة تثير . والنبرة المعبرة عن هذا الميل تثير . والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات، بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية ، ثم يلبى تلبية طبيعية … وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام مع تهذيب الطبع ، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة ، غير تلبية دافع اللحم والدم، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد .\”
وبتدبرنا للآيتين الكريمتين نلحظ أنموذجاً من نماذج تقليل فرص الاستثارة والفتنه بين الجنسين، بفرض الإسلام لغض البصر ..إذ أراد الإسلام بذلك ألا يتحدى الغرائز الطبيعية التي عاقب أصحابها بالجلد أو الرجم، إن هي ارتكبت الجريمة الشنعاء، التي حرم مجرد الاقتراب منها، بل ساعد على البعد عنها، وأعان كلا من الرجل والمرأة على الوقاية منها .
وبه، فقد خصصت هذه الدراسة للحديث عن الإعجاز التشريعي في آيات غض البصر ، وجاءت على النحو الآتي:
– أمر المؤمنين بغض البصر:
قال تعالى: ( قل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) [النور :30]
\” بدأت الآية الكريمة ببيان أمر الله تعالى لمحمد (عليه الصلاة والسلام) بأن يبلغ المؤمنين بما أمرهم به ربهم ؛ وذلك واضح بصورة جليه في فعل الأمر الموجه إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) وهو (قل)، وتوجيه الخطاب إلى النبي (عليه الصلاة والسلام) إنما ينبع من باب هيمنة المربي على المربي ، فقد يفرط من المرء من ذلك بعض المنهيات وهو غافل، فكأن الأمر بحاجة إلى هيمنة البعض على بعض ، وبخاصة متى كان للبعض حق الهيمنة العامة . وذلك شأنه ( عليه الصلاة والسلام) مع المؤمنين، ويلحق به كل من له الإشراف ، بل المؤمنون في مثل هذا بعضهم على بعض رقيب ، فذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهذا من الأساليب المقوية للتماسك بين جماعة المؤمنين ، وكأنها تجعل بعضهم في كفالة بعض \” .
\”خص الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالذكر في هذه الآية ، لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ، ويحفظ الفرج عما لا يحل ؛ لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام، والمؤمنين مأمورون بها ابتداء ،والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له ، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها ، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة ، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبلة ، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له.\” وبالتالي يمكننا القول بأن وصف الإيمان من حقه أن يحمل على اتباع الهدى ، فلا يتصور من المؤمن إلا سرعة الامتثال للتشريع .
قوله تعالى : ( يغضوا من أبصارهم) [النور: 30]
معنى الغض:
\” يقال في اللغة : غض بصره وصوته وغيرهما أي كفه وخفضه . ويقال أيضا : غض من بصره ومن صوته ويقال : غض الطرف : أي خفضه استحياء وخزيا ، وغض طرفه عن فلان : احتمل المكروه منه، ولم يأخذه بفعله ، وغض فلان حقه : أي نقصه إياه ..\”
\” وقوله : (يغضوا ) مجزوم في جواب الأمر ، كأنه قيل قل لهم : غضوا يغضوا…\” وإنما قد دلت هذه الصيغة (يغضوا) على سرعة استجابة المسلمين لأمر الرسول (عليه الصلاة والسلام )، بحيث لا يكاد يصدر منه التبليغ من الله حتى يمتثل له المسلمون .
(من) للتبعيض ، كما يقول الإمام الزمخشري، لان غض البصر جملة متعسر وشاق، فالله سبحانه وتعالى لا يأمر بصرف كل نظر من أنظارهم ، وإنما يأمرهم بصرف بعضها عما حرم الله تعالى .
قول تعالى : ( ويحفظوا فروجهم ) [النور 30]، يقول الإمام الطبري \”.. ويحفظوا فروجهم من أن يراها من لا يحل له رؤيتها؛ بلبس ما يسترها عن أبصارهم \” فإن قيل : ما سر تقييد غض البصر بمن دون حفظ الفرج ؟
قال الإمام الزمخشري _رحمه الله _ جوابا عن هذا السؤال : \”… قلت دلالة على أن أمر النظر أوسع ، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن … وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين ، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقا أن أبيح النظر، إلا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلا ما استثنى منه\”
وتتجلى روعه التشريع الإلهي بتقديم الآيات الكريمة للأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لما من علاقة وطيدة بينهما ، فإن النظر بريد الزنا ووسيلته، فكان السبب في الأمر بغض البصر هو سد الذرائع إلى الفساد، ومنع الوصول إلى الإثم والذنب
وقد قال (عليه الصلاة والسلام ) : ((إياكم والجلوس بالطرقات ،فقالوا: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مالنا من مجالسنا بد ، نتحدث فيها ، فقال: إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه ، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ،والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ))
وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن ، قال : اصرف بصرك عنهن . قوله تعالى 🙁 قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) [النور :30] وليتضح الأمر أكثر فاعلم أن لغض البصر أقساماً، وهي:
– منها ما هو واجب، كغضه أي كفه عما نهى الله سبحانه عن النظر إليه، مثل : عورات الناس ، ومحاسن النساء ، فهذا من شأنه أن يباعد بين من غض بصره، والوقوع في الحرام الذي قد يترتب على عدم غض البصر ، وهذا يعني أنه إذا وقع بصر أحدهم على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا ، لأن تلك هي النظرة الأولى أو نظره الفجاءة وقد تسامحت فيها الشريعة، ولم تعتبرها حراما ارتكب ، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب : ((لا تتبع النظرة النظرة فإنما الأولى لك، والثانية عليك ))
– ومنها ما هو مستحب مندوب إليه، مثل كف البصر عما لا فائدة في النظر إليه إذا النظر عندئذ تضييع للوقت والجهد بغير طائل .
وبصوره عامه يستثنى من الأمر بغض البصر صور تعرض للإنسان فيها حاجة حقيقية إلى النظر وجه المرأة، فاذا أراد مثلا أن ينكح امرأه، فليس له أن ينظر إليها فحسب، بل هو مستحب له على الأقل
قوله تعالى : ( ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون ) [النور:30] .
(ذلك) اسم إشارة للبعيد استخدم في هذه الآية، للدلالة على علو شأن المقصود الإشارة إليه ، مما ذكر في الآية من غض البصر وحفظ الفرج ،وقوله : ( أزكى لهم ) أي أطهر لهم عند الله تعالى، والإتيان بصيغه أفعل قد يكون للمبالغة في الطهارة أو النفع ،لا على معنى التفضيل على شيء آخر فيه ذلك ، بل على معنى أنه يوجب من الطهارة حظا وافرا .
قوله تعالى : ( إن الله خبير بما يصنعون )
توضح هذه الآية أن الله تعالى خبير بأفعال العباد وأحوالهم، لا يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر، واستعمال سائر الحواس، وتحريك الجوارح، وما يقصدون بذلك . فعلى العباد إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركه وسكون
– أمر المؤمنات بغض البصر
قال تعالى :(وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن و يحفظن فروجهن …) [النور:٣١] .
– سبب النزول :
\” قوله تعالى 🙁 وقل للمؤمنات …) الآية . أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : بلغنا أن جابر بن عبدالله حدث أن أسماء بنت مرثد كانت في نخل لها ، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات، فيبدو ما في أرجلهنّ ، يعني الخلاخل ، و تبدو صدورهن و ذوائبهن ، فقالت أسماء : ما أقبح هذا ، فأنزل الله في ذلك ( وقل للمؤمنات …) \”
يقول الإمام القرطبي حول هذه الآية :
\”… خص الله سبحانه و تعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ؛ فإن قوله تعالى :(قل للمؤمنين) يكفي ، لأنه قول عام، يتناول الذكر و الأنثى من المؤمنين ، حسب كل خطاب عام في القرآن. و ظهر التضعيف في \” يغضضن \” و لم يظهر في \” يغضوا \” لأن لام الفعل من الأول متحركة، و من الثاني ساكنه، و هما في موضع جزم جواباً للأمر …\” .
يوجه الله تعالى الخطاب مرة أخرى لنبيه (عليه الصلاة و السلام) بأن يبلغ المؤمنات بأمر الله لهن، بالغض من أبصارهن عما يكره الله النظر إليه ، و أن يحفظن فروجهن من أن يراها من لا يحل له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم .
تعددت الروايات التي يُستدل بها على وجوب احتجاب النساء من الرجال الأجانب ، فكان من أشهرها حديث ابن أم مكتوم عن أم سلمة (رضي الله عنها) قالت :\”كنت عند النبي (عليه الصلاة و السلام) وعنده ميمونة ، فأقبل ابن أم مكتوم، و ذلك بعد أن أمرنا بالحجاب ،فدخل علينا فقال : احتجبا ، فقلنا : يا رسول الله أليس أعمى لا يبصرنا ؟ قال : أفعمياوان أنتما ؟ ألستما تبصرانه \” فإن قيل لماذا قيد غض البصر (بمن)، وما سر تقديم الأمر بغض البصر على حفظ الفرج ؟ فقد سبقت الإجابة عن هذين السؤالين في المبحث الأول . و لا ضير في التذكير بأن ما ينطبق على الرجال بالنسبة لأقسام غض البصر ، و المسألة المتعلقة بنظرة الفجاءة ينطبق أيضاً على المرأة .
وبعد الانتهاء من بياننا لأحكام غض البصر ، و لتحقيق الوضوح الكامل في الحكم، كان لا بد من الحديث عن أقسام العورات، و أحكام النظر إليها بصورة موجزة ، و فيما يلي عرض ذلك :
•العورات على أربعة أقسام:-
– عورة الرجل مع الرجل :-
فيجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن الرجل، إلا عورته ما بين السرة و الركبة ، و الركبة و السرة ليست بعوره ، و عند أبي حنيفة رحمه الله أن الركبة عورة .
-عورة الرجل مع المرأة :-
فللمرأة المسلمة أن تنظر من الرجل المسلم الأجنبي عنها في أرجح الأقوال : إلى بدنه كله ما عدا ما بين السرة و الركبة . وقيل لا تنظر من بدنه إلا إلى الوجه و الكفين، و الرأي الأول أصح عند العلماء .
-عورة المرأة مع المرأة :-
فهي كعورة الرجل مع الرجل فلها أن تنظر جميع بدنها إلا ما بين السرة إلى الركبة ، و عند خوف الفتنة لا يجوز النظر إلى بدنها ، و لا يجوز أن تتضجع المرأة مع المرأة . و لا يجوز للمرأة الذمية أن ترى من المرأة المسلمة ما تراه أختها المسلمة ، لأن الذمية أجنبية في الدين، فلا ترى من المرأة المسلمة إلا ما يراه منها الرجل الأجنبي؛ وهو الوجه و الكفان .
– عورة المرأة مع الرجل :
في الأمر تفصيل :-
• إذا كانت أجنبية فجميع بدنها عورة ، و لا يجوز أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه و الكفين ، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع و الشراء ، و إلى إخراج الكف للأخذ و العطاء . و يستثنى من هذا الحكم الضرورات؛ كنظر الطبيب المسلم الأمين، و نظر من يقوم بالختان و غيرها ، و ذلك من رحمة الله بالناس.
• و إذا كانت المرأة ذات محرم من الرجل بنسب أو رضاع أو مصاهرة ، فعورتها معه كعورة الرجل ما بين السرة و الركبة ، وقال بعض العلماء بل عورتها ما يبدو عند المهنة .
• وإذا كانت المرأة زوجة للرجل فإنه ينظر إلى جميع بدنها، حتى إلى فرجها إلا أنه يكره النظر إلى الفرج عموماً .
• و إذا كانت المرأة مجوسية، أو وثنية، أو متزوجة، أو مكاتبه فهي كالأجنبية .
• و إذا كانت المرأة أمة مملوكة لا يحل له الاستمتاع بها، فعورتها كعورة الرجل، وإن كانت ملك يمينه، و يحل له الاستمتاع بها، فهي في العورة كزوجته.
والله أسأل أن يتقبل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، إنه حسبنا وإليه مناب.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
* أستاذ مساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في الجامعة القاسمية بالشارقة
Dr. Alia Suleiman Saeed Al Atrouz
Assistant Professor, Department of Islamic Studies, Qassimiya University, Sharjah





