علي محمد اليوسف
كنت نشرت على صفحتي فيسبوك شذرتي الفلسفية التالية : (الوجود الذي لا يعقبه عدما لا يسبقه عدما والا اصبح الوجود غير موجود) وتساءلت لماذا قال سارتر وهيدجر العدم لا يعدم نفسه. وردني اعجاب ثلاثة او اربعة اسماء هم من النخبة الثقافية العربية الاعزاء . لذا وجدت نفسي ملزما في رد جميلهم واحترامي وتقديري لهم توضيح عبارتي بما اتصوره انا صاحبها لا بتصور غيري.
لا يتخلق شيء من عدم, اي لا يتخلق موجودا من عدم يتقدمه. بمعنى لا يمكن خلق شيء من لا شيء. لذا العدم الذي يتقدم وجودا لا يكون ذلك الا ضمن علاقة افنائية حتمية تلازم الموجود ولا تسبقه.
فالعدم في ملازمته الكائنات الحية هو دلالة غير منظورة لافناء كل شيء يزامنه العدم غير المدرك الا بعد فناء الموجود الذي يزامنه العدم بحتمية إفنائه.
العدم لاشيء متعين ممكن ادراكه سوى في الدلالة الافنائية له في موجود فيزيائي او لا فيزيائي ميتافيزيقي, ولا في ظاهرة يدركها العقل بغير نتائجها الافنائية للموجودات الحية.
الموجود الذي يزامنه العدم بخاصية حتمية افنائه يكون موجودا فانيا. وهذا الفناء يمكن ان يكون انحلالا بيولوجيا – ماديا غير مدرك. فالوجود الفاني للاشياء ربما يكون انواعا لا حصر لها من السيرورات الحياتية الانتقالية من ظاهرة الى اخرى مغادرة بذلك صفاتها القديمة وبنيتها كاملة التي انحلت بعد ان طالها العدم. وهذا ينطبق عليه القانون الفيزيائي المادة لا تفنى ولا تستحث نفسها من عدم.
ثانيا لا يمكن ان يكون الشيء موجودا وغير موجود بوقت واحد. فالوجود الذي طاله الافناء بالعدم لا يمكن ان يتكرر وجوده الحياتي مرة ثانية بنفس الصفات والماهية التي ماتت سابقا بالافناء العدمي لها. ربما كان نيتشة فهم العود الابدي يحصل بنفس آلية نهوض الاجداث من قبورها مرة اخرى بنفس صفاتها وماهيتها قبل اندثارها بالموت. وهو ما لا يبقى له اية قيمة الان في الوقت الحاضر كون نيتشة امات الاله فبأي صيغة يكون العود الابدي سوى في تعليقها على تعليل اعادة دورة الزمان في تعاقبه الوهمي. الزمان ثبات دائم في دوران كل شيء بالطبيعة وحياة الانسان حوله.
لماذا قال سارتر وهيدجر (العدم لا يعدم نفسه ) كون العدم دلالة مزامنة لافناء الموجودات ولا يمكن للعقل ادراكه ولا ادراك آليه تنفيذه الافناء او الموت. لذا من المحال ان تقول لشيء انت لا تدركه انه لا يعدم نفسه او هو يعدم نفسه. وترجيح ان العدم لا يعدم نفسه هو لأنه لا شيء فماذا يعدم اللاشيء من لا شيئته غير الموجودية؟ . وقولك هذا ينطبق عليه قولك الموت لا يميت نفسه . فانت لا تدرك ماهو الموت كي تحكم عليه يميت نفسه ام لا. كما ولا تدرك آلية موت الجسد وفنائه. لهذا جرى التندر على سقطة هيدجر قوله العدم لا يعدم نفسه بسبب اعتبار الفلاسفة العبارة بديهية ان اللاشيء العدم لا يمتلك قدرة افناء ذاته. هنا حسب اعتقادي ارى العدم هو زمانية محدودة بعمر الانسان قبل وفاته لا يمكن ادراكها كقطوعة زمنية. وليس العدم بيولوجيا تزامن الوجود جزءا منه غير منفصل عنه.. وطالما العدم ليس عضويا فهو يلازم فناء الانسان بحيادية لا تتقدم حياة الانسان ولا تسبقها. لذا غالبا ما نقرن الموت بالزمن.
فالعدم حسب تعبير سارتر إفناء يركب ظهر الوجود في مسيرته الحتمية بالموت.. كما ينكر سارتر ان يكون الوجود في ذاته وجودا حقيقيا, ولا يمكن ان يكون لا وجودا. والعدم لا يعدم نفسه لكنه يبقى ملازما كل موجود وصولا مرحلة إفنائه. العدم الذي يزامن إفناء الاشياء بالوقت الذي لا يمكن ادراكه الا بدلالة فناء او موت الكائنات الحية يصبح حتمية وجودية ان الانسان هو الفناء بالحياة منذ لحظة ولادته. وهو ما تؤمن به الوجودية بتسليم مطلق.
العدم والزمن
العدم دلالة افتراضية مغايرة لشيء يفنى اي يموت ونحن لا ندرك الموت الا بدلالة موت الاشياء الحية فقط. (ما اقصده هنا الزمن الارضي الذي تكون سرعة الاجسام التي يحتويها اقل من سرعة الضوء وازيد من سرعة الصوت ). ادراك الزمن في الفضاء الكوني يقوم على دلالة ان جسم ما يتحرك بسرعة الضوء في قطعه مسافة معينة تحددها طاقة ذلك الجسم والكتلة والحجم والاحتكاك بذرات الغازات التي يحتويها الكون.
سرعة الصوت في الهواء العادي على الارض 340 متر في الثانية, ويبلغ اعلى سرعة له بالفضاء حيث يقدرها العلماء ب63 كيلومتر في الثانية. اما سرعة الضوء فتقدر ب300 الف كيلومتر في الثانية.
ولما جاء انشتاين بالنسبية العامة 1915 قال ان الزمن يتمدد وينكمش طرديا مع رصد حركة سرعة جسم داخله في قطعه مسافة معينة. والتمدد والانكماش هما خاصيتي المادة التي يدركها عقل الانسان. اذن هل اصبح متاحا امامنا ان ندرك الزمان؟ الجواب بالنفي لان الفرق بين مقدار حركة جسم على الارض تقاس مقارنة بسرعة الصوت وليس بسرعة الضوء والفارق بين السرعتين كبير جدا. لذا تبقى احتمالية عدم وجود زمن ارضي واردة. والدلالة الارضية للزمان كتحقيب وقائعي تاريخي هي محض اجتهاد للخلاص من فرضية الزمان يحتوي كل شيء وبدلالته الافتراضية ندرك وجود الاشياء.
فلسفة اللغة تلغي فلسفة الحياة ولا توازيها
استبعاد فلسفة اللغة مباحث الوجود الانساني ومناقشة مصيره وقضاياه, جعل ويجعل من مباحث الفلسفة (علوم لغة) لا قيمة حقيقية لها سوى في قواميس اللغة, تحتضر اليوم ومستقبلا سريريا.
فاذا تتهم اللغة عند فلاسفة اليوم انها تخون توصيل المعنى, فالتقصيروالخيانة لا يكون في اللغة وانما في الفكر الذي اصدره العقل ولم تتمكن اللغة التعبير عنه باكثر مما يتحمله الفكر.
تأويل النص المكتوب في متابعة فائض المعنى يدخل النص في فوضى الهوامش التي لا معنى لها. الأصل في النص معنى متعدد القراءات لكننا يجب الحفاظ على ما يدّخره من معنى أصيل لا تكتشفه القراءات العددية الكميّة بل تكتشفه القراءات النقدية النوعية. كل قراءة لغوية تترك وراءها فائض قيمة معرفية. اللغة لا تفقد مدخراتها من فائض المعنى بتعدد القراءات اللانهائية.
اصبحت علوم اللغة نسقا لغويا تجريديا نظريا تقوم عليه الفلسفات الحديثة لعل ابرزها البنيوية و التفكيكية والعدمية والتاريخانية التي نجحت في ادخال مباحث الفلسفة المعاصرة في نفق الاختلافات اللغوية حول اهمية قضايا اللغة كأدب وليس الانسان كوجود, واصبح من مهام فلسفة اللغة مركزيا مناقشة اشكاليات اللغة من حيث هي وسيلة تجعل من شكلانية الادب تجنيسا ادبيا مستقلا بذاته لا علاقة تربطه بمباحث الفلسفة. واصبح اليوم من غير المجدي مناقشة مركزية اللغة في توكيد هوية الادب التجنيسية في وقت كانت بدايته قبل خمسة قرون على يد الرومانسيين في دعوتهم واقرارهم تداخل الاجناس الادبية خاصة الرواية مع معظم الاجناس الادبية والثقافية. وهو ما عادت اليه الرواية المعاصرة اليوم.
شيء عن ديكارت وكيركجورد
مقولة ديكارت “العقل قسمة مشتركة عادلة بين البشر” لا يعني هذا أن العقل واحد مشترك عند كل البشر في تجلياته ومعطياته وتفكيره وإبداعاته, بل المقصود أن عقل الانسان إمتياز نوعي يختلف عن باقي موجودات الطبيعة من جهة, ونوعي أكثر خصوصية أنه مختلف أشد الإختلاف بين شخص وآخر داخل النوع البشري الواحد. ولم يكن ديكارت هو الفيلسوف الوحيد في إختراعه منهج الشك وضرورة إعمال العقل في معرفة الوجود كاملا, وإستثنى العقل من الايمان الديني, ومثله فعل شوبنهاور, ديفيد هيوم, جون لوك, وليم جيمس, وجون ديوي, هؤلاء جميعهم ذهبوا الى وجوب فصل الايمان الديني عن مجمل معاملة مواضيع الفلسفة وقضايا الوجود بالمنهج العقلاني, وأن تصدي العقل لمسائل الميتافيزيقا هو ضرب من العبث واللاجدوى أن يقود الى نتيجة.
وإنما يكون الايمان في التسليم المطلق الذي يكون مصدره القلب. وهذه النظرية الفلسفية تعتمدها الاديان وتشرحها بتفصيل النزعات الصوفية من أن حدود العقل تتوقف نهائيا في قفزة المتصوف من موقع الوجود الانساني الى موقع اللاوجود المتسامي الروحي في محاولة الاتحاد النوراني بالخالق. قفزة الايمان القلبي في الخلاص من سطوة العقل يرجع الفضل بها لسورين كيركجورد.
عارض سورين كيركارد العقل كي يتسق نفسيا مع ايمانه الديني, فهو يرى أنه لا يمكن ان نصل لوجود الخالق الاله بوسيلة طرائق الفكر لأن العقيدة المسيحية مليئة بالتناقضات في معاداتها العقل. وبذلك أراد بناء فلسفة وجودية مؤمنة ليس باللاهوت كنص ديني, وإنما أراد وجودية تمزج بين المادي والروحاني في تعطيلهما فاعلية العقل الايماني الميتافيزيقي غير المتحقق ادراكه.
شذرة اخيرة وتعقيب
اعتقد ان هيرقليطس قال (الوجود موجود غير موجود) وايده بذلك هيجل. اولا الادراك العقلي لا يمكنه ادراك الوجود موجودا وغير موجود في آن واحد. اذن كيف لنا تاكيد صحة هذه المقولة ان يكون الشيء موجود وغير موجود في وقت واحد؟
نحن اذا رجعنا الى حقيقة الموجود في مكانه المدرك فيه هو (حركة) اولا وتمثّلا صوريا لغويا ثانيا تكون المقولة صحيحة. لتوضيح ذلك نقول ان العقل في ادراكاته الانطولوجية للاشياء انما يدركها (حركة) متغيرة وليس ثباتا رغم ان الحواس تؤكد الادراك ثباتا. لذا انك في لحظة ادراكك العقلي للشيء انما تدركه متحركا يغادر مكانيته لانه في حقيقته الموجودية حركة دائمية وليس موجودا ثابتا لا تحكمه حركة التغيير.
نفس معيار الموجود في حقيقته ادراك حركي ينطبق عليه معنى تعبير اللغة عنه, فاللغة تلازم موجودات الاشياء في حركتها الدائمية ويكون تعبير اللغة عنها هي تعبير عن سلسلة من السيرورات الحركية للمادة المدركة في انتقالاتها ربما غير المنظورة ادراكيا للحواس دونما إشعار متبادل بين الادراك الحركي اللغوي وبين عدم ادراك الموجود انه في حقيقته التموضعية هو حركة + سيرورة مكانية متغيره يدركها العقل وتعبّر عنها اللغة. عليه يكون الادراك العقلي هو ادراك حركة شيء في تعبيراللغة عنه.
علي محمد اليوسف /الموصل
1





