المجلة الثقافية الجزائرية

مع طه حسين

أ.د. عصام الدين عارف فتوح

حُرِمَ من نعمة البصر، إلا أنه كان مصدر نورٍ للملايين من العرب، وكان نجماً ساطعاً، احتفى به أعظم مثقفي العالم من كتاب وأدباء وفنانين ومفكرين. عاش حياة حافلة بالعطاء لوطنه العربي والإسلامي، ووطنه المصري. وعمل طه حسين طيلة ما يربو عن ثمانين عاماً جاهداً لإثراء الفكر العربي، وكان موسوعياً في غزارة معارفه وتنوعها، عبر تخصصات إنسانية شتى، بالإضافة إلى تتويجه عميداً للأدب العربي، فشملت مؤلفاته النقد الأدبي والإسلاميات والفلسفة والأدب الفرنسي والكلاسيكيات، إضافة إلى التاريخ وعلم الاجتماع، الذي تتلمذ على يد مؤسسه الحديث إيميل دوركهايم، متناولاً بالبحث ابن خلدون أول من أسس له تراثياً، وهي الأطروحة التي نال عنها درجة الدكتوراة.
حصل طه حسين على الدكتوراة الفخرية من العديد من أعرق جامعات العالم، ومنها جامعة أوكسفورد بإنجلترا، وجامعات فرنسا، وإيطاليا، وأسبانيا، وألمانيا. كما أسهم في ريادة فن الرواية العربية، وأنجز أعظم سيرة ذاتية في تاريخ الأدب العربي، تضاهي سير جان جاك روسو، وأوجاستين، وآخرين.
لم يتوقف طه حسين يوماً عن القراءة، وإن كان قد تمنى أن يكمل رائعته الأيام بجزء أخير قبل أن توافيه المنية. ولعلنا قد نستعيض عن ذلك الجزء الناقص بتحفة زوجته ورفيقة دربه، التي رافقته رحلة العمر زوجة مثالية، شاركته الانتصارات والتحديات، وما أكثرها، والتي انتصر عليها بحب نادر الوجود، وإرادة صلبة، لعلها أعظم عنوان لقصة حب امتدت لأكثر من نصف قرن.
لم تكن سوزان بالطبع كاتبة محترفة، ولم تتعلم العربية قط خلال حياتها بالقاهرة. ولم تغير مدام طه حسين من دينها، ولم يطلب زوجها منها ذلك في يوم من الأيام. إلا أن مدام طه حسين كانت تدرك عظمة فكر ذلك الذي ارتضت أن تكون زوجة له، ولا نبالغ إذ زعمنا أنه قُدّر لطه حسين أن يكون عميداً لآداب القاهرة، والرئيس المؤسس لجامعة الإسكندرية، وكذلك أهم وزير للثقافة في مصر، إذ قام بجعل التعليم مجانياً في جميع مراحله، وكان أول من دعا – مع هدى شعراوي وأحمد لطفي السيد – إلى إدراج البنات في الجامعة الحديثة، بل وشجع المتفوقات منهن على استكمال دراستهن عن طريق بعثات إلى الخارج، على الرغم من انتقادات السلفيين، بل وبعض المثقفين وأعضاء البرلمان من ناحية أخرى. وتشهد بذلك الأستاذة الجامعية الكبيرة والناقدة، د. سهير القلماوي، بأن عميد الأدب العربي، الذي طالما عدته أباً روحياً وأستاذاً عظيماً، تدين له بكل الفضل في كل ما حققته من انجازات علمية وثقافية.
نقول أن تلك المرتبة لم تكن مفاجئة في يوم من الأيام لتلك الزوجة، التي آمنت بقدرات زوجها منذ اليوم الأول لزواجهما، بل ويمكن القول بأن حبها وجهودها قد ساهمت – إلى حد كبير – في اضفاء الثقة والطمأنينة على ذاك المفكر الذي كان يشكو من سوء الفهم أو الظلم منذ نعومة أظافره، حين كان يرتعد ليلاً متخيلاً العفاريت والجان في وحدته القاتلة بداره الريفية الصغيرة، وفي شبابه، بعد تعثر بعثته إلى الخارج بسبب قيام الحرب العالمية، ويعاني من ضربات سياسية وبيروقراطية لطموح لم يكن له حد، لينهل ما وسعه الاستزادة منه عن طريق أصعب الشهادات التي تطلبت، بجانب اتقان اللغة الفرنسية، دراسة التراث الإغريقي اللاتيني، ومن ثم نجاحه الباهر الذي شهد به أهم أساتذة فرنسا.
كانت الفتاة الفرنسية المتعلمة المثقفة، والتي كانت تطمح للعمل مدرسةً، تعلم من قريب أو بعيد، ما يخبئه لها القدر، أن تستجيب لإعلان صغير في صحيفة محلية، يطلب قارئة لشاب أجنبي كفيف. تطورت جلسات القراءة إلى مناقشات مستفيضة في شتى المجالات، وفي الأدب الفرنسي خاصة، فأصبحت القارئة صديقة وأستاذة في آن واحد، ويقول عميد الأدب عنها: “كانت صديقتي أستاذتي، فأنا مدين لها أن تعلمت اللاتينية ونجحت في نيل اجازة الآداب، وأنا مدين لها أخيراً أن تعلمت اليونانية واستطعت أن أقرأ أفلاطون في نصوصه الأصلية” (84).
ظل يوم 12 مايو 1915، موعد لقائهما الأول بمونبلييه، موعداً مقدساً لقصة حب استمرت ليوم رحيل العميد في 28 أكتوبر 1973. كانت سوزان محبة لوطنها الأصلي فرنسا، إلا أنها رأت فيها عدواً حين شاركت في العدوان الثلاثي الغاشم مع إنجلترا وإسرائيل على مصر عام 1956. وقد اشترطت قبل أن تُقدِم على الكتابة عن حياتها مع شريك العمر أن يصدر الكتاب باللغة العربية أولاً، ولم يهدأ لها بال إلا عندما قام المترجم السوري بدر الدين عردوكي بترجمة النص الأصلي، الذي نشرته دار المعارف بمصر، والتي طالما نشرت أعمال طه حسين المختلفة.
كان جاك بيرك – المستشرق العالمي وأول مترجم للقرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، وأستاذ العربية والشرق أوسطية في الكوليج دي فرانس – من أعز أصدقاء طه حسين، كما ارتبط أيضاً بعلاقة صداقة بأرملة طه حسين، ومع ابنه مؤنس المقيم بفرنسا، الذي ارتبط بعمله في اليونيسكو، أول من اقترح على سوزان محاولة كتابة سيرة حياتها مع الفقيد العظيم بعد مرور سنتين على وفاته، واثقاً من قدرتها على أن تنير جوانب شخصية وفريدة لذلك المفكر، ملقية الضوء على طبيعة العلاقة بينهما، ودوره كزوج وأب حنون لأمينة ومؤنس، في رحلة تتناول دوره السياسي والمعارك الصحفية المتعددة التي خاضها دفاعاً عن قيمه ومبادئه، وكأستاذ جامعي متفرد، تتلمذ على يديه الآلاف، بل وأصبح مدرسة متفردة في النقد الأدبي، والمنهاج الأكاديمي، اضافة لما قد قدمه لوطنه كوزير تنويري، وترأسه لمجمع اللغة العربية عاملاً على نشرها في جميع أنحاء المعمورة، واهتمامه بالترجمة من العربية وإليها، ليجعل منها حضارة انسانية، تتحاور مع باقي الحضارات بالأخذ عنها والاضافة إليها.
كان طه حسين يحتل مكانة متميزة في محاضرات بيرك، الذي أفرد لدراسة أعماله وكتاباته حيزاً بالكوليج دي فرانس. ورأى بيرك في زواج طه وسوزان أمراً شديد الندرة من حيث اختلاف أصولهما الحضارية والدينية، في بيت ساده الحب والاحترام على مدى عمر شهد الكثير من آيات التكريم والتقدير، وناءى بعواصف الحقد والحسد والبغضاء، وكان منزلهما مزاراً للمفكرين والأدباء من الشرق الأوسط وأوروبا، وشهد مآدب رؤساء وقادة، بل وعرف ضيق ذات اليد في مراحل متعددة من حياتهما معاً، وكان عليهما (احياناً) أن يتدبرا ببضعة جنيهات قليلة، بابتسامة راضية، واقتناع تام بأن الله عز وجل يرزق من يشاء بغير حساب.
لم تكن سوزان كاتبةً، إلا أنها رأت في دعوة بيرك فرصة سانحة لاستكمال حوار قد بدأ منذ قرابة ستين عاماً، ولم ينته بغيابه الجسدي منذ رحيله، كما رأت في كتابها فرصة مثالية لمبادلة طه حسين، الذي طالما أهداها كتباً صار أغلبها من كلاسيكيات الأدب العربي. وعنونت سوزان كتابها “معك: من فرنسا إلى مصر- “قصة حبٍ خارقة”.” وعلى الرغم من أن الكتاب قد يتم تصنيفه على أنه سيرة، أو ينظر إليه على أنه يوميات، أو ببساطة كقصة حب، إلا أنه، ولا شك، سجل حافل لانجازات طفل ضرير من أعماق صعيد مصر، صار بكفاحه رمزاً وطنياً للإخلاص والمثابرة، ولقدرة الأدب على تجاوز الحدود الزمانية والمكانية، والقدرة على التعبير عن أمل الإنسانية في سلام وعدل يظلل شعوب العالم بفن راق جميل.
لم تسهب سوزان في وصف معارضة الأهل والأصدقاء، معلقة باقتضاب: “كان ما كنت انتظره من رد الفعل: “كيف؟! مِن أجنبي؟! وأعمى؟! وفوق ذلك كله مسلم؟! لا شك أنك جُننتِ تماماً!” (32)، بل اكتفت بالإشارة إلى صلابة موقفها، وتصميمها على الارتباط بهذا النموذج الفريد من البشر، وقد أشارت عرضاً، إلى تأييد عمها القس، الذي كانت تكن له أعظم الإعجاب، وتعرّف بطه وتنزه معه لبضع ساعات، مهنئاً إياها وقائلاً في مرح: “بوسعك أن تنفذي ما عزمتي عليه” (33). وحزن طه لوفاة ذلك العم قائلاً: “لقد كان عمك القس أحب رجل إلى نفسي” (33). واختارت سوزان بالفعل حياةً رائعةً، ووصفتها صديقتها بالقول: “لقد ملئت حياتك” (33). وكان طه حسين قد قال لسوزان في يوم مقولة تشبثت بها ما بقي من العمر: “لعل ما بيننا يفوق الحب” (32).
كان طه بالطبع جاداً في عمله إلى درجة الصرامة، وكان قلمه حاداً في الدفاع عن كل ما يؤمن به. وعُرِفَ بسخريته اللاذعة من معارضيه مما خلق له الكثير من الأعداء، فلم ينافق أو يهادن كبار الشخصيات والساسة، من الملك وحتى رؤساء الوزارات من أمثال سعد زغلول، وصدقي، وثروت.
وكان طه بالغ التأثر بشعر رهين المحبسين – أبا العلاء المعريّ، وشخصيته، حافظا لأشعاره، التي يغلب عليها التشاؤم، فاعتبر لدى الكثيرين شخصاً سوداوياً، كاره للحياة، على عكس الرجل الذي عرفته سوزان وخبرته طوال العمر، إذ أن طه سوزان كان محباً للطبيعة الخلابة عن طريق اللمس، وما يستنشقه من أريج الأزهار، وما يسمعه من زقزقة الطيور والعصافير. وكان يسعد أثناء تواجده بفرنسا بالتردد على المسارح المختلفة، ويضحك ملء شدقيه على المشاهد الكوميدية. كما كان ذلك الشاعر الناقد، متذوقاً للموسيقى، يحضر السيمفونيات العالمية، ويهوى جمع الاسطوانات، بل وقد زين منزله باقتناء آلة البيانو، تناوب العزف عليها الكثير من العازفين العالميين، المرحب بهم دائماً وأبداً في بيوت طه حسين.
ولم يكن طه حسين عصيّ الدمع كما قد يبدو للكثيرين، بل وطالما بكى وفاة الأقربين إليه من المعارف والأصدقاء والأهل. ويزخر الكتاب بحنان ذاك العملاق تجاه ابنته أمينة، التي أهداها “الأيام”، وولده مؤنس، إذ كان لهما بمثابة الصديق، ورفيق اللعب، القادر على ابهارهما بالقصص والأساطير، التي لم تخلو جعبته منها طوال سنوات طفولتهما.
كان يطيب لطه حسين أحياناً التنادر والتفكه مع أصدقائه الأدباء، فدأب مثلاً مع صديقه – أستاذ الجيل – أحمد لطفي السيد، على أن يتنابذا، ما أسماه الأخير، “السقرطة”، حين كان يأخذ كل منهما رأياً معارضاً لمحاوره. وتتذكر سوزان بإعزاز وتقدير مضمون احدى هذه الحوارات التي مستها هي شخصياً.
اقترح لطفي ضرورة الانفصال الزوجين مؤقتاً من وقت إلى آخر، مما أثار طه، الذي صاح قائلاً: “هل تجد أن من المقبول أن تنزل الصاعقة على رأسي؟”
لطفي: “أنت تعتبر إذاً أن انفصال الزوجين يشبه الصاعقة؟”
طه: “لا، بل إن الانفصال أشد هولاً.” (51)
أما مع توفيق الحكيم، فقد بدأ معه مشروعاً مشتركاً، أثناء تواجدهما بفرنسا، وأهدياه بالطبع إلى “مدام طه حسين”، ضاحكين من كتاب عن شهرزاد، تلك الشخصية الساحرة، التي طالما شغلت فكر توفيق الحكيم، بعيدة تماماً عن مسرحه الفكري، أو عن نقد طه حسين الأدبي الملتزم وأبحاثه الأكاديمية، فكان بذلك عملاً متفرداً ضمن الأعمال الكاملة لكل منهما. وكان توفيق الحكيم، بالطبع، سجيناً لبرجه العاجي، مفضلاً التأمل عن بُعد في أحوال العالم ومشاكله، بعكس طه حسين، الذي كان في خضم مشاكل وطنه السياسية والاجتماعية والثقافية، مدلياً بدلوه في كل قضية، ومؤازراً لمن آمن بأنه يستحق المؤازرة. وعلى الرغم من كثرة مشاغله وتعددها، إلا أن منزله ووقته كانا يتسعان لاستقبال مئات الزوار على مر السنين، من طالبات مدرسة ثانوية إلى صحفيين وأدباء مبتدئين.
حصل طه حسين على قلادة النيل من الزعيم جمال عبد الناصر، الذي شاركه المفكر الكبير حلمه بنشر الديمقراطية والاشتراكية، ومعاداة الاستعمار والصهيونية. إلا أنه آثر الانسحاب تدريجياً من الحياة العامة، بعد أن توجس عداء الثورة للفكر الحر. وتم تكريم طه حسين من ملك أسبانيا، وملك المغرب، وكان الرئيس التونسي بورقيبة يعده صديقاً شخصياً له ولعائلته. وتلقى طه حسين بكل إعزاز مباركة البابا، الذي دعى له ولعائلته ولموطنه، والتقى طه حسين بالزعيم التاريخي الفرنسي دي جول، حين كان قائداً لجيش فرنسا الحر، وقبل توليه الرئاسة بسنوات، وسعد طه حسين كثيراً أيضاً بلقائه بغاندي المناضل وداعية السلام، وشاعر الهند العظيم طاغور، كما التقى بهيلين كيلر، وتبادلا عبارات الاطراء والإعجاب، ورأى في تصميمها اعجاز يفوق اعجازه.
أمضى طه حسين السنوات الأخيرة من عمره بفيللا أطلق عليها اسم “رامتان”، أي الخيمتين أو المقامين المتجاورين، وسلم سوزان كل المقادير بتلك المملكة الجديدة التي شاركت في تصميمها وتنسيقها، لتكون مصدر راحة لزوجها، خاصة بعد اجرائه لعملية جراحية أثرت على قدرته على السير، واصابته المفاجئة بنوبات من الإغماء.
كان طه حسين، شأنه شأن الملايين من المصريين والعرب، يعاني عقب نكسة 1967 احساساً بالاحباط والمهانة، إلا أن العناية الإلهية أمهلته حتى انتصار أكتوبر، فلقى ربه راضياً مرضياً، تاركاً زوجة مخلصة ساهمت بدور فعال في تخليد ذكراه.