بقلم: سيليا لاكو
ترجمة: د.محمد غنيم
يعمل علماء الأعصاب على كشف غموض هذه الحالة الوسيطة، وكشف دورها في معالجة الذاكرة وإمكاناتها الإبداعية
كل ليلة، عندما تستلقي لتنام، تبدأ رحلة استثنائية – ليست عبر الفضاء، بل عبر التضاريس المتغيرة لوعيك الخاص. هذه الانتقال، المعروف بفترة بداية النوم، ليست مجرد ضغط على زر لتحويل اليقظة إلى نوم، بل هي تحول تدريجي ودقيق يعلقك بين عالمين. وقد اعتُبرت لفترة طويلة مجرد مقدمة للنوم، لكن الدراسات الحديثة تشير إلى أن هناك الكثير في هذه الفترة الغسقية المثيرة للاهتمام.

عقلك لا ينام فجأة
لا يتوقف دماغك عن العمل ببساطة عندما تغفو؛ بل إنه يدخل في حالة حدودية آسرة، تحوم بين اليقظة والنوم. تخيل دماغك كمدينة كبرى عند الغسق، حيث تخفت أنوار الأحياء المختلفة وتهدأ في أوقات متقطعة. تبدأ الرحلة في المناطق تحت القشرية، وهي الأجزاء الأعمق والمخفية من الدماغ. ومن هناك، مثل التموجات المنتشرة عبر البركة، يتقدم النعاس إلى القشرة (الطبقة الخارجية من الدماغ)، ويتحرك تدريجيًا من الأمام إلى الخلف. يمكن أن تستغرق هذه العملية برمتها من إغلاق مناطق الدماغ المتتالية ما يصل إلى 20 دقيقة.
إن الدخول التدريجي في النوم يفسر لماذا قد لا تتذكر اللحظات القليلة الأخيرة قبل أن تغفو أثناء مشاهدة التلفاز أو القراءة. إن أجزاء الدماغ المسؤولة عن معالجة المشاهد أو تقليب الصفحات تظل نشطة، حتى بعد أن تنام مناطق أخرى، وخاصة المناطق العميقة، بما في ذلك المهاد والحُصين، مما يعطل قدرتك على تكوين ذكريات جديدة عن تلك الدقائق الأخيرة.
خلال هذه العملية، يتأرجح الدماغ بين حالات قصيرة العمر متعددة خلال ثوانٍ، تشبه أرجوحة تتحرك ذهابًا وإيابًا – أحيانًا تقترب من اليقظة، وأحيانًا أخرى تميل نحو النوم. هذه التقلبات فريدة من نوعها في فترة بدء النوم. إذا أخذنا صورة للدماغ في هذا الوقت، فسنلاحظ ليس فقط حالة وسطية، حيث تكون أجزاء من الدماغ في حالة يقظة وأخرى في حالة نوم، ولكن أيضًا منظر متغير باستمرار للنشاط. في الواقع، إن عملية النوم لدى كل شخص فريدة مثل بصمة إصبعه.
رقصة معقدة بين المعالجة الداخلية والخارجية
بمجرد أن تبدأ في النوم، قد تجد نفسك منغمسًا في دوامة من التجارب الغريبة
تفسر الطبيعة التدريجية لبداية النوم سبب وجودك في مزيج من العوالم الداخلية والخارجية. إن التفعيل المبكر للمناطق الجبهية (المركز العقلاني في الدماغ) يفسح المجال لتجارب شبيهة بالأحلام، بينما يحافظ بقية الدماغ على القدرة على المراقبة العقلية. لهذا السبب، بينما أنت تغفو، يمكنك الاستمرار في معالجة المعلومات من محيطك – قد تلتقط شذرات من المحادثات أو أصوات أخرى وحتى تستجيب لها.
في دراسة ذات صلة، طلب الباحثون من المشاركين أن يبدأوا في مهمة أثناء استقرارهم للنوم، تتضمن تصنيف الكلمات إلى فئات تتعلق بالحيوانات أو الأشياء عن طريق الضغط على الأزرار المناسبة. بينما بدأ المشاركون في الغفوة (كما تم تقييمه من خلال تسجيل نشاطهم الدماغي باستخدام جهاز تخطيط كهربية الدماغ EEG)، لاحظ الباحثون أن النائمين كانوا لا يزالون يقومون بمعالجة الكلمات الخارجية ويضغطون بدقة على الأزرار الصحيحة. والأمر اللافت هو أن هذه القدرة استمرت حتى عندما اقتربوا من مراحل النوم الأعمق، مما يدل على أن الدماغ النعسان يظل متصلًا ببيئته المحيطة.
ومع ذلك، حتى عندما تبقى بعض أجزاء دماغك متصلة بالعالم الخارجي، يدخل وعيك الذاتي في حالة من النعاس قد تتضمن تجارب شبيهة بالأحلام تُعرف بالحالة الهجينية. بمجرد أن تبدأ في النوم، قد تجد نفسك غارقًا في دوامة من التجارب الغريبة والمفاجئة التي تصاحب هذه الحالة. تتفاوت هذه التجارب من شخص لآخر (ويمكن لبعض الأشخاص تذكرها بشكل أفضل من الآخرين)، ولكن من أمثلة هذه التجارب هي الصور الومضية، والأغاني الغريبة في الخلفية، والأشكال الهندسية التي تتراقص أمام عينيك، وحتى سيناريوهات أحلام مكتملة. يمكن أن يحدث هذا الانحدار السريع إلى عالم الأحلام بسرعة كبيرة لدرجة أننا غالبًا ما نبدأ في الحلم قبل أن ندرك أننا نغفو.
فترة مهمة لمعالجة الذاكرة
أظهرت الملاحظات الدقيقة لهذه التجارب الهلوسية الانتقالية في مختبرات النوم أنها غالبًا ما تتضمن عناصر من تجاربنا الأخيرة أثناء اليقظة – أذكر أحد المشاركين في مختبرنا الذي حلم بنفسه، أكبر سنًا، ومع العديد من الأقطاب الكهربائية على رأسه، وهو يطارد حصانًا حول المختبر.
يمكن لعقلك الذي يكاد يكون نائمًا أن يجمع الذكريات، مما يخلق سيناريوهات تشبه الأحلام تربط بين الذكريات المختلفة.
لقد أثبتت دراسة أجريت على أشخاص لعبوا لعبة “تيتريس” قبل القيلولة وجود استمرارية في محتوى الأفكار بين اليقظة وبداية النوم. قام الباحثون بمراقبة المشاركين عن كثب، بما في ذلك ثلاثة مرضى يعانون من فقدان الذاكرة، أثناء بدء غفوتهم، وأيقظوهم بلطف عند بدء النوم للاستفسار عن محتوى أفكارهم. ومن المدهش أن معظمهم أفادوا بتجارب هلوسة انتقالية مرتبطة بلعبة “تيتريس”، مثل رؤية قطع اللعبة تسقط أمام أعينهم، حتى إن المرضى الذين لم يتذكروا أنهم لعبوا اللعبة أيضًا أبلغوا عن هذه التجارب! وهذا يشير إلى أن أدمغتنا تبدأ في دمج عناصر من التجارب الأخيرة في أفكارنا الشبيهة بالأحلام تقريبًا فور اقترابنا من النوم.
والأكثر إثارة للاهتمام، أن هذا الاسترجاع للذكريات لا يقتصر فقط على الأحداث الحديثة. أظهرت إحدى الدراسات أن دماغك يمكنه أيضًا دمج هذه الذكريات مع ذكريات أقدم، لكن ذات صلة دلالية، مما يخلق سيناريوهات شبيهة بالأحلام تربط بين فترات مختلفة من حياتك. على سبيل المثال، أثناء رؤية قطع تيتريس من لعبة اليوم، قد تسترجع أيضًا ذاكرة مشابهة للعب مع مجموعة ليغو من طفولتك، مما يربط بين تجارب تفصل بينها سنوات. تشير هذه العملية إلى أنه خلال حالة الهلوسة الانتقالية، لا يقوم دماغك بمجرد التهدئة؛ بل يقوم بإعادة معالجة الذكريات بشكل نشط ويقوم بفرزها، مع تحديد أي منها يجب الاحتفاظ به ودمجه في الذاكرة طويلة الأمد. يمكن أن يؤدي هذا المزج بين الأفكار والذكريات المختلفة إلى إشعال ارتباطات جديدة وإبداعية، تمامًا كما يفعل الرسام عندما يمزج الألوان بطرق جديدة لم يسبق لها أن رُؤيت من قبل.
فترة بداية النوم محطة مثالية للإبداع.
إذا كنت تقرأ هذا وتتساءل لماذا لم تختبر مثل هذه الهلوسات الانتقالية الحية أثناء غفوتك، فلا تقلق – من الشائع أن تمر عبر هذه التجارب الغنية دون أن تدركها تمامًا في الوقت الحالي أو تتذكرها لاحقًا (الاستيقاظ في منتصف هذه التجارب والانتباه إليها، كما يحدث في دراسات النوم، يمنحها بطبيعة الحال أهمية أكبر).
قد تتساءل أيضًا عما إذا كان بإمكانك بطريقة ما التقاط هذه اللحظات العابرة. يُقال إن المخترع توماس إديسون والفنان سلفادور دالي قاما بذلك بالفعل، حيث وضعا “فخاخًا” لالتقاط لحظات الهلوسة الانتقالية، بهدف اقتناص ومضات الإبداع المحتملة قبل أن تختفي في غياهب النوم. سرّهما؟ أخذ قيلولة بينما يمسكان بجسم يسقط بصوت عالٍ عند غفوتهما، ليوقظهما في اللحظة المناسبة لتسجيل الأفكار الجديدة.
وجدنا أن الكوكتيل الإبداعي المثالي يتواجد في تلك الحالة الانتقالية بين اليقظة والنوم.
أكدت الأبحاث الحديثة أن فترة بداية النوم، التي تقع عند الحدود بين اليقظة والنوم، يمكن أن تعزز الإبداع بالفعل. خذ على سبيل المثال حالة مرضى النوم القهري، الذين يعانون من نعاس مفرط خلال النهار. على عكس معظم الناس، ينزلق هؤلاء المرضى إلى النوم بشكل متكرر بسبب الحدود المسامية بين النوم واليقظة. في أبحاث أجريتها مع زملائي، أظهرنا أن هؤلاء الأفراد غالبًا ما يحققون درجات أعلى في المهام الإبداعية الواقعية مقارنة بأقرانهم. وكان هذا الإبداع المتزايد مرتبطًا بشدة مرضهم: فكلما زادت تجاربهم الهلوسية المتعلقة ببداية النوم وغيرها من التجارب المتعلقة بالنوم، زاد مستوى إبداعهم. يشير هذا إلى أن رحلاتهم المتكررة إلى حالة الهلوسة الانتقالية قد تعزز قدراتهم الإبداعية على مر الزمن.
يمكنك أيضًا الاستمتاع بالفوائد الإبداعية لبداية النوم – كل ما يتطلبه الأمر هو قيلولة قصيرة! في دراسة حديثة أجريتها مع زملائي، أظهرنا أن المشاركين الذين غفوا لمدة دقيقة واحدة كانوا أكثر عرضة ثلاث مرات لاكتشاف حل مفاجئ لمشكلة مقارنة بأولئك الذين بقوا مستيقظين أو دخلوا في نوم أعمق. بل وتمكنا من التنبؤ بما إذا كان المشارك سيختبر لحظة “آها” فقط بناءً على نشاط دماغه خلال فترة الراحة. وجدنا أن الكوكتيل الإبداعي المثالي يوجد في تلك الحالة الحدودية بين اليقظة والنوم، ويتألف من مستوى معتدل من موجات ألفا الدماغية (دليل على النعاس) ومستوى منخفض من موجات دلتا (دليل على عمق النوم).
بناءً على هذه الرؤى، يعمل باحثون آخرون على تطوير أدوات لاستكشاف والاستفادة من الإمكانات الإبداعية لفترة بداية النوم. إحدى هذه الابتكارات، التي طورها فريق في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هو قفاز يُسمى “دورميو” مزود بأجهزة استشعار للكشف عن اللحظة الدقيقة التي ينام فيها الشخص من خلال مراقبة معدل ضربات القلب، توتر العضلات، وتوصيل الجلد. عندما يكتشف القفاز بداية النوم، يُطلق إنذارًا لإيقاظ المشارك. في إحدى التجارب، استخدم الفريق الجهاز لتوجيه المشاركين للتفكير في كلمة معينة – “شجرة” – بينما يغطون في النوم. لاحقًا، ذكر المشاركون رؤيتهم لأشجار في تجاربهم الهلوسية أثناء الانتقال للنوم، وأظهروا إبداعًا أكبر في المهام الإبداعية المتعلقة بالأشجار. يبدو أن استغلال الرحلة نحو النوم قد كان على صواب من قِبل إديسون ودالي. إذا كنت ترغب في استكشاف هذا المشهد الانتقالي بنفسك، فلماذا لا تجرب طريقتهما في الإمساك بجسم ما أثناء أخذ قيلولة؟
أظهرت الأبحاث الحديثة تسليط ضوء جديد على الانتقال من اليقظة إلى النوم، كاشفة عن فضاء حدودي فريد يمر فيه كل من الجسم والعقل بسلسلة من التغيرات الديناميكية والعميقة. يتباطأ نشاط الدماغ، تسترخي العضلات، ينخفض معدل ضربات القلب، وتتذبذب مستويات الوعي والاستجابة للمحيط، وتظهر تجارب غنية أشبه بالأحلام. يمثل هذا الوقت نافذة على وظائف معرفية هامة، مثل الذاكرة، وأيضًا على بزوغ شرارات إبداعية.
في المرة القادمة التي تجد نفسك مستلقيًا دون نوم، تذكر أنك لا تنتظر فقط لتغفو – بل تقف عند عتبة رحلة استثنائية.
==============
الكاتبة : سيليا لاكو/ Célia Lacaux أكملت سيليا لاكو درجة الدكتوراه في معهد الدماغ بباريس. تشغل الآن منصب باحثة ما بعد الدكتوراه في جامعة جنيف بسويسرا، حيث تواصل دراسة تأثير النوم على الإبداع.





