يحيى عباسي بن أحمد
ملخص: تتناول هذه الدراسة التحليل اللغوي–الفلسفي لآلية انتقال القرآن من نص “عربيّ اللسان” إلى خطاب عالمي، بالاستناد إلى قوله تعالى: ﴿ إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (يوسف: 2)، وتحليل مفهوم “مُبِين” بوصفه مفتاحًا لفهم الانفتاح القرآني على تعدد الدلالة وتجاوز الانغلاق اللغوي. يخلص البحث إلى أنّ القرآن لم يُحوّل العربية إلى لغة مقدسة قومية، بل أعاد تشكيلها لتصبح حاملاً معرفيًا كونيًا، ونَسَقًا دلاليًا قادرًا على إنتاج المعنى عبر الثقافات، مما جعل العالمية خاصية بنيوية في النص لا في الجغرافيا. كما تتناول الدراسة إشكالية الترجمة وتقارن بإيجاز مع النصوص الدينية الأخرى، وتناقش التحديات المعاصرة للخطاب القرآني الكوني.
مقدمة
مثّل القرآن لحظة انعطاف لغوي كبرى في الثقافة العربية. فقد نزل بلسان عربيّ، لكنه لم يبقَ أسير اللغة كحدٍّ جغرافي أو أنثى، بل تجاوزها إلى أفق معرفي يُخاطب “العالمين”. إنّ فهم هذا التحوّل يقتضي تحليل خصيصتين مركزيَّتَيْن:
1. “قُرْآنًا عَرَبِيًّا”: وهو اختيار لسان معيّن يملك بنية فريدة قادرة على حمل معانٍ كونية.
2. “مُبِين”: وهي خاصية دلالية تكسر احتكار الفهم وتفتح النصّ على تعددية التأويل.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذه الآلية، مع مقارنة موجزة بتجارب نصوصية أخرى، وقراءة التحديات المعاصرة لعالمية الخطاب القرآني.
أولًا: اللسان العربي كبنية مؤهلة لحمل الخطاب الكوني
1.1 العربية لغة نظام لا لغة عِرق
تؤكد المصادر اللسانية التراثية أنّ العربية تمتاز ببنية اشتقاقية عالية الكفاءة . وتتميّز بـ:
• مركزية الجذر: مما يُتيح توليد شبكة دلالية واسعة.
• القدرة على التوليد الدلالي: عبر الصيغ الصرفية المتعددة.
• الإيجاز المعبّر: الذي يحمل دلالات متعددة في تركيب مكثَّف.
• كثافة الصورة البلاغية: التي تخلق طبقات تأويلية متعددة.
هذه الخصائص جعلت العربية – قبل القرآن – لغة شعرية، لكنها أصبحت بعد القرآن لغة معرفية . ويشير الجاحظ في البيان والتبيين إلى سعة الدلالة العربية وقدرتها على حمل المعاني الكثيفة دون إخلال بالوضوح .
1.2 القرآن نقل اللغة من التجربة القبلية إلى التجربة الوجودية
كان الشعر الجاهلي – وهو النموذج الأعلى آنذاك – معبّرًا عن التجربة القبلية، بينما جاء القرآن ليؤسّس معجمًا جديدًا: الخلق، الوجود، المصير، العدالة، الحرية، الإنسان، التاريخ … وهي مفاهيم تنتمي إلى التجربة البشرية جمعاء، لا إلى الصحراء وحدها. هنا حدث التحوّل البنيوي: العربية أصبحت وعاءً لخطاب إنساني، لا لسانًا قوميًا.
1.3 عالمية القرآن من عالمية المفهوم لا من عالمية اللغة
تُبرز الآيات: ﴿ هُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 185)، ﴿ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (القلم: 52) أنّ العلاقة بين اللغة والرسالة ليست علاقة تطابق، بل علاقة وساطة. فالرسالة عالمية، واللغة وسيلة لتمكين البشر من إدراك تلك العالمية . وهو ما يؤكده نولدكه وشفالي في تاريخ القرآن حين بيّنا أنّ البنية الخطابية للقرآن تتجاوز اللسان إلى “المعنى الكوني” .
ثانيًا: كلمة “مبين” وتفكيك الانغلاق اللغوي
2.1 الدلالة الثلاثية لـ “مبين”
حصر المفسرون معنى “مبين” في مستويات متعددة :
1. واضح في ذاته.
2. مُظهِر لغيره.
3. كاشف لبنى المعنى العميقة.
بهذه البنية، لا يشير “مبين” إلى وضوح سطحي، بل إلى قدرة النصّ على كشف طبقاته الدلالية.
2.2 “مبين” كقيمة معرفية تكسر احتكار اللغة
يعرض الطبري في جامع البيان أنّ الإبانة تعني “الإفهام”، لا مجرد اللفظ . وهذا يعني أنّ القرآن:
• لا يربط المعنى بعرق لغوي.
• ولا يحصر الدلالة في طبقة ثقافية واحدة.
• ولا يجعل الفهم مقتصرًا على أهل اللسان.
بل يفتح الباب لقراءة كونية، تسمح بتعدد التأويل واختلاف القراءات.
2.3 من وضوح اللفظ إلى كشف الوجود
الإبانة ليست عملية لغوية فقط، بل معرفية أيضًا. يشير الفارابي في الحروف إلى أنّ اللغة لا تنتهي في نفسها، بل تكشف “ما وراءها” من المعاني الكلية . وهكذا يصبح “مبين” أفقًا معرفيًا لا مجرد وصف لغوي.
ثالثًا: كيف كسر القرآن أحادية اللغة؟
3.1. الفصل بين اللسان والرسالة
تقول الآية: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ (فصلت: 44)، وفيها إشارة صريحة إلى أنّ كونية الرسالة ليست رهينة لغة معينة . وهو ما يؤكده آرثر جفري في The Foreign Vocabulary of the Qur’ān حين بيّن أنّ القرآن يتضمن ألفاظًا أعجمية استدمجها بمرونة عالية .
3.2. إضفاء الشرعية على الترجمة المعنوية
يشير ابن تيمية في مجموع الفتاوى إلى جواز نقل معنى القرآن لغير العربية “لأنه هدى للناس كلهم” . وقد استوعبت الحضارات الإسلامية القرآن بلغاتها:
• الفارسية (الطبري الفارسي)
• التركية
• الأمازيغية
• الأوردية
• السواحلية
وهذا دليل على أنّ اللغة ليست جدارًا للنصّ، بل قناة لعبوره. وتجدر الإشارة هنا إلى الإشكالية التاريخية بين الترجمة الحرفية (غير الجائزة عند معظم العلماء) والترجمة المعنوية (المقبولة)، والتي فتحت باب التفاعل الثقافي مع النص.
3.3. بنية الخطاب القرآني تتجاوز حدود اللسان
يتميز القرآن بـ:
• الإيقاع الذي يعمل على مستوى الحسّ لا اللسان.
• التناسق الموضوعي عبر السور .
• الصور الكونية المشتركة بين جميع البشر (كالسماء، الأرض، الماء، النور).
• الإحالة إلى مفاهيم لا تتقيد بثقافة معينة (كالأخلاق، العدل، الرحمة).
وكلها خصائص تجعل النصّ قابلاً للعيش خارج اللغة الأولى التي نزل بها.
رابعًا: مقارنة موجزة مع نصوص دينية أخرى
يمكن إجراء مقارنة إطارية مع النصوص المقدسة الأخرى:
• العهد القديم: نزل بالعبرية وارتبط بشعب وإقليم محددين، ورغم ترجماته إلا أن مركزية اللغة العبرية بقيت في التقليد اليهودي .
• العهد الجديد: كُتب باليونانية (لغة عالمية آنذاك) مما ساهم في انتشاره، لكنه حافظ على مركزية النص اليوناني في التأويل المسيحي الأول .
• القرآن: جمع بين خاصية النزول بلغة محددة (العربية) وتفكيك مركزية هذه اللغة عبر مبدأ “المبين” والترجمة المعنوية والخطاب الكوني.
وهذا ما يميز القرآن بكونيته البنيوية وليس التاريخية فقط.
خامسًا: إعادة تشكيل الوعي اللغوي في الحضارة الإسلامية
4.1 من اللغة بوصفها هوية، إلى اللغة بوصفها أداة للمعرفة
قبل الإسلام كانت العربية رمزًا للهوية القبلية، وبعد القرآن أصبحت أداة للبحث عن الحقيقة. وهذا تحوّل معرفي جذري.
4.2 نشأة علوم اللغة لخدمة الفهم الكوني
الجهود الضخمة لسيبويه، والخليل، والكسائي، وابن جني، لم تكن لتقديس العربية، بل لجعلها أداة لفهم نصّ عالمي. يشير ابن جني في الخصائص إلى أنّ العربية “ليست أمة بعينها، بل نظام دلالي” .
4.3 تحرير العقل من “مركزية اللغة”
جعل القرآن اللغة وسيلة، وحرّر العقل من وهم أنّ المعنى محصور في لسان واحد. وبهذا فتح الباب أمام التأويل، والاجتهاد، والقراءات المتعددة.
سادسًا: التحديات المعاصرة لعالمية الخطاب القرآني
في عصر العولمة والهيمنة اللغوية (خاصة الإنجليزية)، تواجه العالمية القرآنية تحديات:
1. اختزال القرآن في قراءة واحدة: تحت تأثير الخطابات الأيديولوجية.
2. الترجمة الآلية والفهم السطحي: الذي يفقد النصّ طبقاته الدلالية.
3. الصراع اللغوي والثقافي: الذي قد يحوّل القرآن إلى أداة هوياتية ضيقة.
4. ضرورة تطوير خطاب قرآني معاصر: يتعامل مع قضايا الكونية والإنسانية جمعاء.
وهنا تكمن أهمية العودة إلى المبدأ القرآني “مبين” كمنهج تفسيري منفتح.
خاتمة
تبيّن الدراسة أنّ القرآن:
1. حوّل العربية من لغة محلية إلى وعاء معرفي كوني.
2. جعل “مبين” مبدأً معرفيًا يفتح النصّ ولا يغلقه.
3. حرّر الوعي من أحادية اللغة وأتاح تعددية التأويل.
4. أسّس لكونية الرسالة، لا لعرقية اللسان.
5. يواجه اليوم تحديات عولمة جديدة تتطلب تجديد الخطاب القرآني الكوني.
وبالتالي، فإن عالميّة القرآن ليست صفة خارجية تُفرض على النص، بل خاصية بنيوية نابعة من تكوينه اللغوي والدلالي، وقابلة للتفاعل مع كل عصر بلغاته وإشكالاته.





