المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

من مشابهات لغوية إلى أفق جديد للكلمة:  كيف خلق القرآن امتدادات دلالية للكلمة؟

يحيى عباسي بن أحمد

ملخص: تبحث هذه الدراسة في الكيفية التي نقل بها القرآن الكريم الكلمة العربية من نطاقها الدلالي الجاهلي المألوف إلى أفق جديد أوسع وأعمق. تحلل الآليات التي شكّلت ما يمكن تسميته بـ”الامتداد القرآني للكلمة”، عبر مقاربة تزاوج بين اللسانيات الدلالية وفلسفة التأويل. تنطلق من فرضية نقدية مفادها أن القرآن لم يخضع لأصول اللغة العربية فحسب، بل أعاد تشكيلها من الداخل، مَخْرِقاً النظام الدلالي القبلي عبر إنتاج “مطلق دلالي” يتجاوز الاستعمالات الشعرية والمعجمية السابقة.

1. المقدمة

عرف العرب قبل الإسلام لغةً غنية قادرة على التعبير الاستعاري، حبلى بالإمكانيات الشعرية. بيد أن هذه القدرة، كما يرى طه عبد الرحمن، ظلت محكومة بأفق التجربة الإنسانية المحدود وبالشبكة الرمزية للعقلية الجاهلية. مع نزول النص القرآني، لم يتم توظيف هذه اللغة واستثمار طاقاتها فحسب، بل جرى إعادة بنائها جذرياً، حتى أن الكلمة القرآنية صارت معياراً يُقاس عليه ما سبقها، لا العكس. هذا الانزياح الأساسي يفسر ما يمكن وصفه بـ”الصدمة الدلالية” التي واجهها العرب الأوائل، حيث وجدوا أنفسهم أمام لغة مألوفة في ظاهرها، متعالية على مألوفها في عمقها وغايتها.

2. الإطار النظري: الكلمة بين نظام اللغة وحدث الوحي

يميز فرديناند دي سوسير بين اللغة كنظام (Langue) والكلام كاستعمال فردي (Parole)، حيث يسبق النظامُ الفردَ ويحدد خياراته. وفي سياق آخر، يرى بول ريكور أن الكلمة تحيا كحدث وجودي في فعل التأويل، حيث يتجدد المعنى في كل لقاء مع النص. أما القرآن فيمثل ظاهرة فريدة تتجاوز هذا الثنائي: فهو يأخذ بنية اللغة النظامية (العربية) ليجعلها حاملة لمعنى يتخطى قابليتها الأصلية. الكلمة فيه ليست “دالاً” يبحث عن مدلول ثابت في المعجم، ولا حدثاً وجودياً محضاً، بل هي “دال مبدع” يخلق مدلوله الخاص في سياق الفعل الوحياني التأسيسي. هذا الانزياح يستدعي، وفق محمد أركون، تأسيس “معجم داخلي” (Lexique interne) للقرآن يفكك مقولات المعجم التاريخي.

3. الآليات القرآنية في خلق الامتداد الدلالي

3.1. الانتقال من المعنى الجزئي إلى المطلق الوجودي

انتقلت بعض الكلمات من دلالتها الحسية المباشرة إلى دلالة وجودية شاملة. فكلمة “نور” كانت في الاستعمال الجاهلي تُطلق على الضوء المحسوس (نور الشمس، النار). أما في القرآن فتحولت إلى مفهوم ميتافيزيقي وقيمي معرفي: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور: 35). هذا الانزياح، كما يلاحظ نصر حامد أبو زيد، ليس توسيعاً كمياً بل تغييراً نوعياً في طبيعة المدلول، حيث صار “النور” نظاماً للهداية والكشف الوجودي.

3.2. توحيد المفهوم مع تكثير المعنى (الاقتصاد الدلالي)

تمتلك الكلمة القرآنية قدرة على الاحتفاظ بوحدة مفهومية مركزية مع التوسع في الدلالات السياقية. فكلمة “قلب” ترد في القرآن:

• كعضو جسدي: “وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46).

• كمركز للوعي والإدراك: “إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء: 89).

• كمحل للإرادة والعناد: “وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ” (الأنعام: 110).

الوحدة الدلالية تكمن في كونه “مَحَطَّ التأثر والاختبار”، بينما تتعدد تجليات هذه الوظيفة.

3.3. التحول إلى أداة هداية لا مجرد علامة

الكلمة القرآنية تؤدي وظيفة توجيهية وحِكْميّة، فهي لا تصف واقعاً بقدر ما تبني واقعاً مرغوباً. فمصطلح “التقوى” في الجاهلية كان يدل على الحذر من خطر محسوس. أما في القرآن فقد تحول إلى مفهوم مركزي ينظم العلاقة مع المطلق: “ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ” (البقرة: 2). لقد أصبح، كما يوضّح طه جابر العلواني، نظاماً أخلاقياً ومعرفياً شاملاً يوجه السلوك والفكر.

3.4. الانزياح عن المرجعية الشعرية الجاهلية

الشعر كان “ديوان العرب” والمرجع الأعلى للفصاحة. القرآن كسر هذه المرجعية بخلقه سلطة لغوية مستقلة. فكلمة “كتاب” في الجاهلية تعني أي مخطوطة أو رسالة. بينما اكتسبت في القرآن دلالات متعددة متراكبة: الوحي المنزل (النساء: 105)، القانون الكوني (فاطر: 11)، اللوح المحفوظ (الواقعة: 78)، والقدر (الحديد: 22). هذا الانزياح، بحسب محمد أبو القاسم حاج حمد، أنتج “لغة كونية” تتجاوز المحلية القبلية.

3.5. بناء الشبكة الدلالية السياقية (المعجم الداخلي)

فهم الكلمة القرآنية لا يتم بالرجوع إلى معاجم ما قبل الإسلام فقط، بل من خلال شبكة علاقاتها داخل النظام القرآني نفسه. مصطلح “آية” مثلاً:

• في الجاهلية: علامة أو أثر.

• في القرآن: معجزة حسية (البقرة: 73)، دليل عقلي (الأنبياء: 30)، جملة نصية (هود: 1)، ظاهرة طبيعية دالة (الروم: 22).

هذه الشبكة تخلق ما يسميه عبد المجيد الشرفي “الدلالة السياقية الشاملة” التي تُبنى عبر تكرر اللفظ في سياقات متعددة.

4. أمثلة تطبيقية موسعة

4.1. كلمة “رحمة”

• في الجاهلية: عاطفة إنسانية (عطف الوالد، كرم السيد).

• في القرآن: نظام كوني وسنة إلهية: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ” (الأعراف: 156). تحولت من شعور فردي إلى قانون شامل يحكم العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين الإنسان والوجود.

4.2. كلمة “أمة”

• في الجاهلية: جماعة من الناس تجمعهم نسب أو مكانة.

• في القرآن: اكتسبت أبعاداً زمنية وقيادية ومعرفية:

o جماعة: “وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ” (آل عمران: 104).

o زمن: “وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ” (هود: 8).

o قدوة ومنهج: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً” (النحل: 120).

أصبحت الكلمة تحمل مفهوم “النموذج الحضاري المتكامل”.

5. من المشابهات اللغوية إلى الانجذاب الدلالي: قلب العلاقة

يمثل المنهج السائد في التراث التفسيري، خاصة في “غريب القرآن”، محاولة ردّ المفردات القرآنية إلى استعمالاتها في الشعر الجاهلي وكلام العرب. بيد أن الأطروحة المركزية لهذا البحث تقول إن العكس هو الأصوب: القرآن هو الذي أصبح معيار اللغة، وصارت الاستعمالات السابقة تُقاس عليه لا العكس. الكلمة القرآنية “تنجذب” نحو مركز دلالي جديد تفرضه عليها، ويصبح هذا المركز هو الأصل في الفهم. هذا ما يفسر، جزئياً، وصف الزمخشري للقرآن بأنه “سحر حلال”، إذ أدخل اللغة في نظام دلالي جديد أعاد تشكيل وعي المتلقي.

يقدم هذا المنظور تحدياً للدراسات الاستشراقية المبكرة التي حاولت، كما في أعمال نولدكه، تفسير الغريب القرآني حصراً عبر المنظور الجاهلي، متجاهلة القدرة الإبداعية للنص على إنتاج معانيه الخاصة.

6. الخلاصة والتوصيات

لقد أسس القرآن نظاماً دلالياً جديداً يتجاوز الوظيفة التواصلية للغة نحو وظيفة وجودية هادية. لم يكن الامتداد الدلالي مجرد “توسيع” للمعجم، بل كان إعادة خلق للعالم عبر الكلمة. وهذا يفتح آفاقاً بحثية عدة:

توصيات بحثية:

1. دراسات معجمية مقارنة: إعداد معجم تاريخي دلالي يتابع تطور الكلمات المفتاحية من الجاهلية إلى القرآن ثم إلى الاستعمالات اللاحقة.

2. تحليل حاسوبي: استخدام أدوات تحليل النصوص (Text Mining) لرسم خرائط دلالية لكلمات القرآن ومقارنتها مع المدونات الشعرية الجاهلية.

3. مقارنة بين الأديان: دراسة ظاهرة الانزياح الدلالي في النصوص المقدسة الأخرى (كالعهدين القديم والجديد) ومقارنة الآليات.

4. دراسات تأويلية معاصرة: تفعيل مناهج علم الدلالة الحديث والسيمائيات في كشف طبقات المعنى القرآني.

القرآن، في النهاية، لم يكتف باستعمال اللغة، بل جعل الكلمة أفقاً مفتوحاً على المطلق، متحرراً من قيود التجربة البشرية المحدودة، وهو ما يضمن استمرار حيويته وقدرته على توليد المعنى عبر العصور.