بقلم القاص: ناصر الرّقيق
آخر ما يحمله الغريب، أحضان أمّه والشّوق إليها، نظرات والده وهو يقف أمام المرآة يحفّف شواربه، أمنية أخته إتمام زواجها، انتظار أخيه لسداد دينه، ووعدا قطعه لحبيبة -لا يعرفها أحد- بأنّه عائد يوما ما.
وقف مسلّما على جميع من جاء للسّلام عليه قبل الرّحيل، ومودّعا أهلًا اصطفّوا يبكون فراقه، نظر في عيني والدته فرآهما تترقرقان بدموع كأنّها المطر يتجمّع وينتظر لحظة الدّفق الأوّل، ثمّ نظر في عيني والده فطأط رأسه لأنّه لا يريد لعينهما أن تلتقيا، ثمّ التفت إلى أخته فانقضّت عليه ووشوشت له في أذُنه بكلام أحبّ كلّ الحاضرين معرفة فحواه، ثمّ دنا منه أخوه وربّت على كتفه ودسّ في جيبه ورقة.
وضع حقيبته فوق ظهره وهمّ بالسّير لكنّه التفت ونزع عن رأسه أمّه (مَحْرَمَتَها) ودسّها في جيبه، وقد كانت المرّة الأولى الّتي يرى فيها شعر رأسه أمّه الّتي سارعت بسكب سطل من الماء خلفه وهو يرحل مبتعدا.
سار بعيدا حتّى غاب عن أنظار الجميع، فبكاه الجميع وبكى بدوره فراق أهل وأحبّة وذكريات لن تعود أبدا. حين بلغ البحر فكّر كثيرا، هل يركبه ليعبر أم إنّ البرّ أسلم؟. دبّ في نفسه خوف شديد من نهاية في أمعاء السّمك، لكنّه قال إنّ الوقت ليس مناسبا للجُبنِ، فإمّا حياة عادلة وإمّا موت أعدل.
عدّل ياقته وشمّر عن أكمامه وضبط حزام سرواله ثمّ نزع حذاءه ورماه في البحر، فقد كانت التعليمات واضحة وشديدة الصرّامة، يجب التخفّف من كلّ شيء. حاول الامتثال أو تظاهر بذلك، لكن عزّ عليه رمي (مَحْرَمَة) أمّه وورقة أخيه، فأخفاهما حيث لا تطالهما يدٌ أبدا.
كانت ليلة مقمرة حين أبحروا في مياة دافئة، سار بهم المركب بعض ساعات ثمّ انقلب كلّ شيء. ولشدّة ما كان الانقلاب عنيفا ومفاجئا للجميع، لم يستوعب أحدٌ من الرّاكبين ما حدث في البداية، فقد غاب القمر وحلّ الظّلام، وهاج البحر حتّى صارت أمواجه كالجبال، لم يصمد المركب طويلا، إذ كان مركبا صغيرا مليئا بأحلام كثيرة، ثَقُلت به فغاص وسط المياه.
مات الجميع وضاعت الأحلام وغاصت حتّى بلغت قعر الماء حيث لا يمكن استعادتها أبدا، لكن بعد أيّام طفت على السّطح (المَحْرَمة)، وبقيت تسبح من ماء إلى آخر تنتظر يدا تمتدّ إليها فتعيدها إلى اليابسة حيث تجد رأسا ترفرف فوقها.

ملاحظة: الصّورة التقطتها من غرفة أحد المهاجرين وإن شئتم العابرين.


