كتب / حسين عبد العزيز
كتب الناقد الأردني (فخرى صالح) مقالاً عن الأديب العبقري/ نجيب محفوظ في مجلة دبي الثقافية تحت عنوان (من يكتب سيرة نجيب محفوظ الرسمية) العدد 76 سبتمبر / 2011
ونفهم من العنوان أن المقال يدور حول مذكرات نجيب محفوظ أى هل نجيب محفوظ خط مذكراته أم لا وذكر ناقدنا الكبير في العمود الأول من المقال (… هناك عدد محدود من الكتب التي أعدها أصدقاؤه وحواريوه وعلى رأس هذه الكتب يتميز كتاب جمال الغيطاني \”نجيب محفوظ يتذكر\”) (وكذلك كتاب الناقد المصري الراحل رجاء النقاش \”نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته\”) وأنا هنا أتذكر أنه يوجد كتاب مهم للغاية لكن لم يأخذ حقه من الدراسة والتحليل ومن ثمة الشهرة انه كتاب (أنا نجيب محفوظ .. سيرة حياة كاملة) قدمه لنا .. الكاتب والناقد الكبير/ إبراهيم عبد العزيز.
ففي هذا الكتاب المظلوم إعلاميا وثقافيا، يقدم لنا كل شيء عن نجيب محفوظ حياته في الطفولة والشباب .. والرجولة.. أدبه.. وهو وثورة 52 وعبد الناصر.. والسادات.. وكيف يكتب وحياته في الوظيفة.. والحب في حياة محفوظ وكيف تزوج ونوبل وما بعد نوبل .. وأرذل العمر.
إذن الكتاب يقدم لنا نجيب محفوظ من البداية حتى السلامو عليكم ونحن نظراً للمساحة لن نقدر أن نعرض الكتاب كله.. لكنا سوف نقرأ جزء مهم من المقدمة التي كتبها استاذنا إبراهيم عبد العزيز .. لأن في تلك المقدمة إجابة.. على ما كتبه الناقد الأردني (فخري صالح) وقل أن نمضي نتمنى اود أن اقول من هذا المكان ، تقوم وزارة التربية والتعليم بتدريس كتاب أنا نجيب محفوظ على طلاب الثانوي..
كما قدمه الناقد إبراهيم عبد العزيز إن كنا نريد لأنفسنا الخير.. وننجو من دوامة الفساد التي نتحرك فيها منذ أكثر من أربع أو خمسة عقود.
ويقرر على طلاب الجامعات المصرية ادبية وعلمية.
.. فربما يبتسم لنا الزمان ونجد عند نجيب محفوظ أخر.
**********
( اتجه عزمي علي كتابة سيرة ذاتية لنجيب محفوظ مادام لم يكتب بنفسه هذه السيرة التي سئل عنها عشرات المرات وكان في كل مرة يحتج بأن سيرته قد تضمنها كتابان هما (نجيب محفوظ يتذكر) للأديب جمال الغيطاني و(مع نجيب محفوظ) للناقد أحمد محمد عطية، ثم لحق بهما أخيرا كتاب الأديب والناقد الكبير رجاء النقاش (نجيب محفوظ صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته). كما ذكر الأستاذ أيضا أن الإذاعة سجلت له نوعا من السيرة الذاتية أذيع علي ثلاثين حلقة، مرة لإذاعة صوت العرب ومرة أخرى لإذاعة البرنامج العام، كما سجل له طارق حبيب في التليفزيون نوعا آخر من السيرة، وهذا ما جعل نجيب محفوظ يقول: (لقد كُتبت سيرتي الذاتية ونشرت وأذيعت أكثر من مرة وبأكثر من وسيلة، ولو أني حين أشرع في كتابتها بنفسي لابد أن أتذكر أشياء لم أقلها هنا ولا هناك، أنما حقيقة الأمر أني كلما وجدت موضوعا يصلح لرواية فضلت كتاباتها على السيرة الذاتية).
ولكن الأستاذ بعد كل هذه التأكيدات لا ينفي أن ظلالا وأصداء من سيرته الذاتية قد تناولها في بعض أعماله ونشرها في البعض الآخر، يقول: أنا موجود بقوة في رواياتي \”قشتمر\” هي نوع من السيرة الذاتية من خلال أربعة أبطال ومصر وأنا الذي أتكلم وأروي في رواية قشتمر أيضا هناك أجزاء من هذه السيرة في: المرايا والثلاثية وصباح الورد أما أصداء السيرة فهي تقطير لأصداء أنما هو أصداء كاتب لم يتمكن من كتابة تفاصيل حياته فلم يبق له غير المعنى العام.
أما أين شخصية نجيب محفوظ نفسه من كل ما كتب؟ فقد اعترف بشكل محدد (أنا كمال عبد الجواد في الثلاثية، إنه يحمل ما يزيد على خمسين في المائة من واقعي ولكن بشكل مروي ولكن مع ملاحظة أن التركيز الروائي تم على أزمته العقلية).
أما الشخصيات الحقيقية في حياة نجيب محفوظ والتي تأثر بها في حياته فيروي قصتها لفؤاد دوارة وكيف أنها بدأت في اتجاه ثم أنتهت إلي اتجاه آخر فيقول: الحقيقة أن المرايا هي أقرب الأعمال التي بدأت وكانها تنشد السير الذاتية بطريقة ما، وكذلك رواية (حكايات حارتنا) إلى حد ما .. الاثنتان بدأتهما كنوع من السيرة الذاتية ثم تغير منهجها وسأوضح لك..
في المرايا أردت أن أكتب سيرة ذاتية من نوع جديد ، تستطيع أن تسميها السيرة الموضوعية، بمعنى أن المتحدث فيها لا يحدثك عن نفسه وأنما عن المرايا التي أنعكست فيها صورته عن الذين عرفهم وتأثر فيهم، أي أنها سيرة ذاتية موضوعية من خلال الآخرين، تحمست لهذه الفكرة وظللت أرصد جميع الناس الذين تأثرت بهم أو أثرت فيهم، ثم حين شرعت في الكتابة بأمان المحقق الموثق وجدت أن الحصيلة قليلة جدا و لا تكفي لعمل شيء..
المدافع في الجنينة
بدأت انتاجي الأدبي:
كتبت سنة 1936 حوالي 100 قصة فما أكثر الأقاصيص التي رفض نشرها، وكانت أيام عذاب ومحنة تتكرر مع كل أقصوصة أو مقال يرد، على أن المقال كان أسرع في القبول من الأقصوصة فالنشر دائما صعب خصوصا في البداية، فقد كنا نختار بعض المجلات المتخصصة مثل المجلات القضائية التي كانت تخصص معظم صفحاتها للإعلانات، فكانت ترحب بتسويد صفحاتها لكي تسند نفسها أمام الجهات تصدر عنها لكي تحصل علي الإعانة اللازمة، فهذه كانت ترحب بما نكتبه، إنما وجدنا صعوبة بالغة في نشر أي في مجلة تستحق هذا الاسم.
كنت أكتب المقال مع الأقصوصة والرواية، وكان المقال يقبل والأقصوصة والرواية يرفضان، وجاء وقت قبلت فيه الأقصوصة فانصرفت إلى كتابتها ونشرها وأن لم أمتنع في الوقت نفسه عن كتابة الرواية، نشرت في الصحف حوالي ثمانين قصة.
نشر \”أحمد حسن الزيات\” معظمها في مجلة \”الرواية\” ونشرت الباقي في \” الرسالة\” و \”الثقافة\” وكتبت قبلها أكثر من ستين قصة لم أنشرها لأنني لم أكن راضيا عنها سأصرح لك بسر: لقد بدأت كتابة القصص القصيرة متأثرا بقصص \”محمود تيمور\” و \”المازني\” ومترجمات \”محمد السباعي\” القصصية، وعندما عدت إلى كتابة القصة القصيرة لم أكن متأثراً بأحد من كتاب القصة القصيرة بخلاف ما قرأت عن فن الرواية، لم أقرأ إلا القليل عن القصة القصيرة، بل وقرأته في سن متأخرة، كذلك ليس في مكتبتي من مجموعات القصص العالمية إلا القليل، وأكثر ما قرأت في المجلات، ومن عجب أنه كان لي صبر بلا حدود على قراءة الروايات رغم طولها، ولا صبر لي علي قراءة القصة القصيرة.
أول قصص قصيرة كتبتها لم يكن الدافع إليها فنيا ، ولكن عجزي عن نشر الرواية جعلني أتسلى بكتابة القصة القصيرة.
أول قصة نشرتها \”ملك تحت الأرض\” ونشرتها حوالى 1930 في مجلة \”الشباب\” للمرحوم محمود عزمي ، وموضوعها عن فتاة بائسة تنام في ماسورة.
الآن تغير الدنيا ، اصبحت هذه التيارات على درجة كبيرة من الخطر، والفساد هو الأب الشرعي لقوتها، أنهم يستولون على الجامعات والنقابات.. كيف؟ أعدت قراءة التاريخ الإسلامي فاكتشفت وجود هذه التيارات مع فوارق الأزمنة والمصطلحات وانها فقرة واحدة ، فهم يرون الأدب رجساً، إنني أقرأ صفحاتهم وهم يشتمونني وغيري، ويقولون أننا حثالة الغرب، وأننا ننشر الإنحلال، يتكلمون أحيانا عن أدب إسلامي، ولست أعرف أدباً إسلامياً خارج الأدب في ظل التاريخ الإسلامي وهو أدب يشتمل على أكثر مما ييحتوي الأدب الغربي من صرامة القول والتصوير. أبو نواس وبشار، أليس من الأدب الإسلامي، لقد علمت أن الجماعات الإسلامية في الإسكندرية اقتحمت معرض الكتاب وصادرت مؤلفاتنا، إلى هذا الحد وصلت الأمور، صادروا كتب طه حسين وكتبي وكتب غيرنا.
ونقطة أخرى هي العنصرية. أننا شعب لا يعرف العنصرية مطلقاً، تراث طويل عريض يخلو من العنصرية، وهذا ما يدعوه البعض بالوادعة أو اللطافة أو الألفة. أو الدفء المعروف عن المصريين في علاقتهم الاجتماعية، وموقفهم من الغرباء. ولكن الظلام الزاحف يزرع بذوراً غربية في ارضنا الطيبة، أين دور الاستنارة والعقلانية؟
الابتعاد عن تراثنا الوطني يبعدنا في الوقت نفسه عن شاطئ الأمان. هذه أيضاً مصرية . رؤية المصريون مشدودون برباط وثيق إلى الحكومة المركزية لدرجة العبادة أحياناً، مما يجعل القرب والبعد من السلطة قيمة اجتماعية، الشعور بالأمن في حضن هذه السلطة يجعل البعد عنها مخاطرة وهذه من السلبيات المصرية التي أحب التأكد عليها ولو بالتكرار، ولكني اضيف أن المصري مرهف الحساسية إزاء \”ذمة الحاكم\”، قد لا يهتم في المقام الأول باتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، ولكنه يهتم جداً ويستثار ولا يكظم غيظه من اللصوص والمرتشين.
كذلك من السلبيات الروح العائلية التي تقتل القانون، أن أصعب رذيلة في عملية الإصلاح هي تلك التي يعتقد المجتمع أنها فضيلة.
وحين أنتمي إلى الوطنية المصرية، فأنني أدرك السلبيات والإيجابيات جيداً في الشخصية المصرية، ولكن لا معنى لأدبي خارج نطاق هذه الرؤية.
عرف الشعب المصري على مدى تاريخه صنوفاً من القهر والاضطهاد فتكونت لديه \”شخصية\” لها معالمها المميزة كالصبر الذي استمده من الحياة الزراعية والصمود الذي يتغلب على الفناء، وهو لا يتعدى على الآخرين بل مفعم باللطف والإنسانية وحسن المعاشرة، ولكنه من جهة أخرى اعتاد القهر فاكتفى بالسخرية بدلاً من الصراخ، وخّفّتّتْ لديه على حد ما حاسة المقاومة واضطرته الحاجة إلى النفاق والفهلوة، وهي رذائل تحتاج الى مساحة من الحرية حتى يتخلص منها.
جربت كل أنواع وطرق الكتابة تلقائياً .. هناك أعمال لا أبدأها إلا وقد اكتملت ونضجت تماماً ولا يكون أمامها إلا كما يقولون بلغة المعمار \”التشطيب\” أعمال أخرى أبدأها وأهم أجزائها فقط هو الواضح في ذهني.. أو محرورها الرئيسي، وهذه الأعمال غالباً ما تكون من النوع غير المتعدد الشخصيات مثل \”الطريق\” على سبيل المثال، لكن هناك أعمال ابدأها من درجة الصفر وتتضح وتستوي علي الورق مثل معظم القصص القصيرة.
أما الكتابة الثانية فليس لها مدة زمنية محددة. قد أعيد كتابه عمل فى سنة أو أكثر وفي أي حالة من هذه الحالات فأنا أكتب الكتابة الأولى بسرعة.. أكتب كل ما يخطر على بالي لتنتهي صورة العمل المبدئية في شهر على أقصى تقدير يومياً تنتهي ساعات الكتابة وأنا \”خلصان\” .. كل حواس الفنان: عقله .. قلبه، يشتغل معه وهو يكتب وبعد أن ينتهي يكونون قد تعبوا أنا أثناء الكتابة حر مائة في المائة، ولم يحدث قط أن تنازلت عن حريتي. بعد النشر حين أسمع بعض التعليقات أشعر أحيانا بالخوف.
الكاتب يعبر عن نفسه وليست هناك لحظة يمكن أن يفرق فيها بين الوعي والاوعي أو نسبة أحدهما إلى الآخر. الكتابة عملية شديدة التعقيد، في العادة أمتلك تخطيطا ذهنيا للرواية سابقاً على الكتابة، الكتابة ليست مجرد تنفيذ لهذه الخطة لأن الكتابة هي عملية الكتابة ذاتها. الخطة فكرة عامة جداً، أما الكتابة فهي رواية، ويحدث أثناء التبييض أن أغير قليلاً هنا أو هناك. هذا فى العادة ، ولكن حدث أنني بدأت أعمالاً وفي ذهني – كما هو الشأن فى \”بداية ونهاية\” أنها ستكون كوميديا، وإذا بها تنتهي بمأساة. وحدث أيضاً أنني بدأت \”تحت المظلة و\” حكاية بلا بداية ونهاية\” و \”شهر العسل\” وليس فى ذهني أى خطة أو انفعال أو موضوع، بدأت هذه الأعمال هكذا وانتهت على النحو المكتوب. أين الوعي واين اللاوعي فى ذلك كله؟ لا أدري. قليلة جداً تلك الأعمال التي بدأت عندي من فكرة، والأغلب أنها تبدأ من شخصية أو عاطفة أو موقف أو علاقة.
البداية دائما هي الأصعب.. الوقفة الأطول تكون دائما عند البدء.
لا تخطيط ولا تلقائية!
المسألة كالآتي:
يصح فى اللحظة التي أقول لك فيها السلام عليكم أن تأتيني فكرة .. وفي اللحظة التي أشرب فيها كوباً من الشاي أن تأتيني فكرة.. بداية هي لحظات ونقط من التلقائيات تجمعت.. هناك كاتب يحب أن يكون على هدى عندما يبدأ فيستعين بخطة، وهناك من يقول: لا .. \”تجي في السكة\” … طبعاً هناك عمل يحتمل هذا الذي يأتي في \”السكة\”.
رواية ثم أترك ذلك كله للحظ وللصدفة. لا تخطيط ولا تلقائية. المنبع في كل الحالات التلقائية، غاية ما في الأمر أنها لا تكون على ورق.
التخطيط يمسك بالخطوط الساسية، يعني مثلاً أنا فاهم في موقف ما أن \”س\” يقابل \”ص\” ليبلغه أنه سوف يؤد ما عليه من دين مثلاً. أثناء الكتابة تتغير أشياء كثيرة.
التغيير يمس وأحياناً الجوهر. أتذكر أنني في إحدى رواياتي كونت شخصية على أنها هامشية جدا فإذا بها تصبح أساسية جداً.. كما يصل التغيير إلى العلاقات.. تتصور أن شخصية ما تلقي بأخرى وينصلح ما بينهما. أثناء الكتابة تتفتح لك الشخصيات – حين تعيش من داخلها – فتجد أن الصلح مستحيل. مثلا في قصة \”يوم قتل الزعيم\” كان لابد أن يأتي ما أتي. الواقع له منطقه وتداعياته الخاصة التي لا تتوقف أو تتخلف من أجل شاب اسمه \”علوان\” أو بنت اسمها \”راندة\”.
سألت نفسي… كل أبطال قصصي كانوا يسقطون فلماذا هذا؟ .. كان هناك وازع عندي لا يريد لهما السقوط، حافظت عليهما. الواضح أننا بدأنا نفزع من الفساد. عدم سقوطهما هو مقاومة. أدخلت على الواقع ما يجب أن يكون.. لماذا؟ لأنني أتعلق في هذه اللحظات بما يجب أن يكون.
كل الشخصيات التي قدمتها وفيها شيء من الشر، كان اتهامي للظروف المحيطة بها وليس لها، لم أقدم شخصية بشكل يجعل القارئ يكرهها. لا تغيب عني أبداً الجوانب المضيئة من الشخصية مهما كانت بشاعة الجوانب الأخرى. أنا لا أكره الناس ولكنني افهمهم على حقيقتهم، فى واقعهم القاسي. أحبهم في واقعهم القاسي، كل شخصية لها اصل واقعي، من هذا التفصيل الصغير يمكن لي أن أبني حياة كاملة، أضيف من عندي ما يتناسب العمل، وكثيراً ما يقرأ الاشخاص الذين كتبت عنهم في كتبي ولا يتعرفون على أنفسهم، ولو تعرفوا عليها لكان وقعها سيئاً.
المصير الروائي يختلف عن المصير الحقيقي، والناس يخلطون بينهما.
لست محايداً
كتبت \”السراب\” عن عُقد جنسية في حياة البطل ولم يكن في ذهني شخص بعينه، لكن أحد اصحابنا كان له صديق مجنون ولديه نفس العقدة، فذهب إليه قائلا: نجيب كتب عنك رواية فأخذ يطاردني بمسدس كان لديه وهدد بقتلي، وكان والده يعمل بالبوليس، وجاءني فقلت له \”ما تبقاش عبيط وتصدق كلام الروايات\”، ثم اختفى فقد سافر إلى الكويت ومات هناك.. الإنسان فى المجتمع يجامل الناس، وفي الفن يظهرهم على حقيقتهم. في الحياة الاجتماعية تتصرف كما يجب أن تتصرف، ولذا لا نكون صادقين تماماً، عندما نكتب تختلف الأمور، الصدق في الأدب فقط، ولكنني في الحياة أحاول أن أكون أمينا بقدر الإمكان هناك ظاهرة لا تغيب عني ابداً وهي أنني في حياتي العادية أحافظ على مشاعر الآخرين على قدر طاقتي، بمعنى أن معاملتي مع الناس تقوم على التماس الأعذار لهم بخلاف الرواية، فأنا ابدو كناقد ينظر إلى العيوب وينقب عنها وكانه يعوض بذلك أسلوبه في الحياة العملية ففي الحياة العملية لا أنظر عادة إلا إلى الجانب الحسن من الشخص الذي أقيّمه، واتسامح في أخطائه، في الرواية يحدث العكس تقريباً، هناك نقطة أخرى كانت موضعا لتأملي بالنسبة لكثير من الشخصيات التاريخية في تأثيري وانطباعي ثم في حديث المعاصرين لهذه الشخصيات عنها، وقد فسرتها بأن الإنسان إنسان، له غرائز تربطه بعالم الحيوان وله عقل وضمير وهو الجانب المستخلص من الحضارة والمجتمع الذي يربطه بعالم الإنسانية، إذن لكل إنسان جوانب إيجابية وجوانب سلبية، وحين تتعرف إلى شخص من خلال أعماله فأنت تتعرف على إيجابياته، فمثلا محمد على عرفناه كمشيد للقناطر الخيرية وترعة المحمدية والمصانع والجيش والإمبراطورية، الجانب الآخر له محمد على المتعجرف، الأناني الغادر الذي يستضيف الناس ثم يقتلهم وينفي الذين انتخبوه ليصبح واليا في اليوم التالي لاختيارهم له، والإنسان هكذا دائما، وليس بمقدوره أن يكون له إيجابيات مجردة، والغرب أقدر منا على تصوير شخصياته العامة، فهم حين صوروا البيت الأبيض قدموا الرئيس بحسناته وسيئاته هو ومن حوله، أما نحن فحين نتعرض لشخصية تاريخية فإننا نحولها إلى دامية وكأنها منذ ولادتها كانت شخصية تاريخية.
كجميع الناس يميل قلبي إلى اناس وينفر من آخرين، ولعه مما هو جدير بالذكر والملاحظة أني لا أمارس الكراهية أكثر من لحظات. فعلا لأنني لا أحب أن ألوث نفسى ، لأن الكراهية تلوث النفس ، والدخول في عداوات عقيمة يضيع الوقت، والوقت أغلى من أن أضيعه في الخناق، وأنا طوال عمري تعرضت لصداقة الصدقاء كما تعرضت لعدواة الأعداء، فلو كنت تفرغت لعدواة الأعداء والرد عليهم والدخول معهم فى معركة لكان نصف إنتاجي قد راح في المهاترات، فأحسن شيء أنك تتوكل على الله وتُعْرض عما عدا ذلك، أما الشعور بالغضب فإني أعرف كيف أهدهده واصرفه واستمر فى طريقي. وعندما أكتب عن أناس ألتزام جانب العدل والإنسانية، ولعل ذلك يفسر أنه يوجد فى رواياتي الشخص الشرير بالمعنى الدقيق لتلك الكلمة إلا نادراً جداً ولعله لا يوجد، والأغلب أن يوجد أناس بما فيهم من قوة وضعف وخوف وشر (أحيانا أتعمد الانتصار لطرف ضد آخر) بشرط ألا يهز السياق ولكني اتعاطف مع شخصية يظهر تعاطفي معها بصورة أو بأخرى فى الرواية. من يريد أكثر هو من يريدني أن اصرخ وليس هذا هو الفن، فى \”الثلاثية\” أو في \”الحرافيش\” تجدني على الحياد، ولكنك تشعر بأنني مع من وضد من وذلك رغم الحياد، أنا اعرف أمراً واحداً هو أن هذا العالم الذي أقدمه بمنتهى الحياد أقدمه وأنا لست محايداً.
عندما بدأت الكتابة كنت أطرح هذا كله وأنهج منهجاً واقعياً، في نفس الوقت الذي كنت أقرأ أعنف هجوم على الواقعية كان الأدب العالمي قد تعرض للواقع عبر مئات الأعمال ثم انكفأ إلى الداخل، إلى تيارات الوعي واللاوعي وما وراء الواقع، لكن بالنسبة لي وللواقع الذي أعبر عنه لم يكن قد عولج معالجة واقعية بعد.
والموضوعات التي بدأت بها الواقعية مثل \”خان الخليلي\” \”القاهرة الجديدة\” و \”زقاق المدق\” كنت أريد أن اقدم فيها البيئة بشخوصها، وهذا لا يناسبه سوى الواقعية. أذكر أن رواية \”زقاق المدق\” عرفتني بالمازني وتوفيق الحكيم وطه حسين. المازني قال لعبد الحميد جودة السحار: أريد التعرف على مؤلف هذه الرواية، فدلني السحار على بيت المازني في شارع فاروق – شارع الجيش الآن – وقال لي المازني: إن الأدب الذي تكتبه اسمه الواقعية وهذا له خطورته، وفي أوربا تسبب فى مشاكل وقضايا. خذ بالك من هذه المسألة خاصة أننا فى مصر قد تعودنا على الرواية الذاتية. بمعنى لما طه حسين يكتب \”الأيام\” فهو طه حسين، العقاد يكتب \”سارة\” فهو بطل سارة، أنا أكتب \”إبراهيم الكاتب\” فأنا إبراهيم الكاتب ، توفيق الحكيم يكتب \”عودة الروح\” فهو يتناول شخصية أولاد عمومته، وأنت حينما كتبت \”زقاق المدق\” وغصت فى الأعماق سيقولون إنك تكتب سيرتك الذاتية فخذ بالك، الأدب الواقعي غير الذاتي ونحن لم نتعرف فى مصر إلا على أن الرواية هي سيرة كاتبها، فاعمل حسابك: إما أن تغير الطريقة أو أن تأخذ بالك من المحاذير التي يمكن أن تقابلك.
هذه كانت نصيحة المازني لي ولم يكن من الممكن أن أعمل بها، لأن الرؤية الواقعية كانت قد تغلبت على شخصيتي بشكل لم يكن من الممكن التخلص منه، وبدونها لن أكتب. ولقد انتهيت إلى أن وطني لم يقدم ما كان قدمه كتاب فى أوطان أخرى في الرواية الواقعية وكان من غير المنطقي أن أقدم واقعي من خلال تيار اللاوعي الذي يجسد واقعا يتميز بالتعقيد والتشاؤم، لم ارغب في أن اقفز على المراحل وأردت أن أكون نفسي وأن أصف واقعي كما أراه.
إن الواقعية وقد تجاوزوها فى أوربا عندما أحس الكتاب الغربيون أنها لم تعد ناجحة للتعبير عما يحدث وعما يجدُّ، أما بالنسبة لي فالواقعية كانت الطريقة الوحيدة للتعبير عما يحدث من حولي ولعلي أول روائي عربي استعمل اللعب على الزمن وتبادل الضمائر في روايتي \”اللص والكلاب\” وبعد الخيبات الكبرى التي أصابت التاريخ المصري دعوت إلى التجديد، ففي الجانب الأدبي لم يهمني الجديد أو القديم، فالذي يأسرني هو ما يناسب موضوعي، لقد كتبت \”الحرافيش\” على أسلوب الف لية وليلة، وما يهمني باختصار هو الشكل الذي ينبع من مزاج الكاتب، أما أن أنظر إلى الجديد في الأدب كموضة مثل آخر سيارة أو آخر تفصيلة بدلة فهذا شيء لا يعنيني إطلاقاً.
عفريت
فى البداية عندما كنت أكتب كان يطلع لي عفريت يقول لي: ما جدوى ما تفعله؟ لماذا تغلق الغرفة عليك؟ ما هذا النظام الصارم؟ يا راجل إنزل هيص لك شوية. لكني كنت أصرف هذا العفريت في النهاية وافرض على نفسي مزيدا من صرامة النظام فأنا موظف أعتمد على الوظيفة في حياتي. ثم ايامنا لم يكن هناك \”تسيب\” مثل \”دلوقتي\”، لو لم أذهب فى الساعة الثامنة وأظل حتى الثانية، يعني ذلك أنني سافقد وظيفتي التي أحتاج إليها لرزقي. وأنا أتعذب فى الوظيفة من أجل الساعات التي أحصل عليها بعد الظهر واعمل فيها أديباً، الوظيفة هي التي جعلتني اتمكن من أن أصبح أديباً، بعد أن أنتهي من عملي أذهب لتناول الغداء واستريح ثم أعمل ست ساعات، ثلاث للقراءة وثلاث للكتابة، وهذه الساعات يرجع الفضل فيها للوظيفة. أما عن الأسرة فقد فضلت أن أسير وفق عاداتنا وتقاليدنا ومسألة التنظيم لا تخصني وحدي وإنما تخص أيضاً \”الوحي\” أي أنني بهذا التنظيم كنت أضع نفسي في وضع استعداد لتلقي هذا الوحي.
وفى بعض الحالات كنت أجلس هذه الساعات بالقلم فى يدي والورقة أمامي دون أن يأتيني شيء ومع ذلك لم أكن أنهي الجلسة إلا في موعدها، لكن فى معظم الأحيان كنت أجد ما أكتبه وأملأ به هذه الساعات التي خصصتها للكتابة.
كرهت منذ بداية الوعي السياسي المبكر مصر الفتاة والإخوان المسلمين فالأولون افصحوا عن إنتهازيتهم وفاشيتهم في وقت واحد ايدلوجيا والآخرون بدءوا كجماعة دينية حتى أن بعد الوفديين انضموا اليها ثم أفصحت الجمعية عن نشاطها السياسي المعادي للوفد فوقفنا ضدها وسأروي حقيقة تاريخية وهى أن الوفد كان يرشح القباط من أنصاره في الانتخابات فكانوا يهزمون الإخوان في دوائر أغلب سكانها من المسلمين.
كان الزميل الراحل عبد الحميد جودة السحار ممن يميلون إلى الإخوان يداعني مرة لمقابلة الشيخ/ حسن البنا ولكني رفضت الدعوة بكل إصرار.
( وهنا لبد أن نقرأ ما تقولة السيدة زوجته لانة مهم جدا ، ان نعرفه ونفهمه….)
(نحن نعيش في هذا المنزل (بشارع النيل بالعجوزة) من سنة 1960 وحتى الآن.. وكنا نسكن قبله في منزل قرب كوبري الجلاء، ثم انتقلنا إلى هنا ..
ومن يومها لم ننتقل منه.. فالحقيقة هو يقدر مجهودي جداً ويشعر به .. ويقول دائماً عني \”جدعة\” .. هديته الوحيدة لي طوال هذه السنوات كانت \”ساعة ذهبية\” يوم حصوله على جائزة الدولة التقديرية.
كان يتمنى بما حصل عليه من قيمة مادية للجائزة بالإضافة إلى تحويشة العمر كله في شراء قطعة أرض من إحدى الشركات \”الوهمية\” في المعادي، ليبني عليها مسكنا لنا ولبناتنا، ومكتبة عامة لأهل الحي، وبعد ما دفع \”دم قلبه\” وحصيلة إنتاجه الأدبي كله. وما يملك من مال جمعه من مجهوده الأدبي اكتشف أنه راح ضحية عملية احتيال ونصب، وضاع شقاء عمره في غمضة عين، تأثر بعدها نجيب تأثرا شديدا مما اساء لصحته لدرجة أنه أصيب بمرض السكر. وللأسف نجيب حاليا لا يثق في أي تعاملات مالية وعقارية بعد هذا الحادث.
أسوأ حاجة فيه أنه متسامح جدا في حقوقه ومع الناس وعندما أناقشه في سر هذا التسامح يرد في هدوء: \”خلاص ربنا لا يريد هذا الشيء أن أحصل عليه\” وتنتهي القضية عن هذا الحد.
لقد حورب نجيب كثيرا ولكن الله سبحانه وتعالى رد اعتباره ونصره نصرا عظيما على المستوى العالمي.. وفى الحقيقة لم يتأثر نجيب من هذه التصرفات، لأنها لم تهز قيمته الأدبية، لكني كنت أنفعل وأحتج على مواقف البعض خاصة المنتجين الذين كانوا يحذفون اسمه من رواياته السينمائية حرصا على مصالحهم المادية (بعد المقاطعة العربية لمصر إثر معاهدة كامب ديفيد).
(عندما يبدأ نجيب محفوظ في التفكير في رواية جديدة) يصبح شديد العصبية، يطلب الهدوء التام.. ويثور إذا قطع عليه أحد حبل افكاره ويظل يسير في المنزل جيئا وذهابا، وهو شارد عن كل شيء.. يستمع إلى بعض الموسيقى من أي شكل، غربية أو شرقية.. وفي هذه الحالة تحرص بناته وأنا على عدم إزعاجه بأي شكل من الأشكال. عندما ألمس في تصرفاته قليلا من التوتر وميلاً للمشي في صالة منزلنا أو أمام الشقة، وعندما أجده يلف ويدور في حجرة مكتبه أدرك على الفور أن لحظات المخاض قد قربت.. نلتزم جميعا الهدوء لتهيئة الجو المناسب له بقدر الإمكان خاصة أننا نعيش في منطقة مزعجة للغاية.. كما أسرع لإعداد أكواب الينسون أو الكراوية الساخنة له إذا كان الجو شتاء.. أما إذا نزل الإلهام عليه صيفاً فأقدم له أكواب المياه المثلجة جداً إلى أن يهدأ ويمسك القلم ليعبر البداية وهي أصعب مرحلة له في كتابة الرواية، وعندما يبدأ في الكتابة يكون على العكس.. فهو يرد على التليفون، وقد يأتينا الزائرون فيخرج إليهم ليحييهم ثم يعتذر لهم بأنه يعمل ويعود إلى مكتبه.
لديه عادة أن يكتب كثيرا ويمزق ما يكتب، وكان يقول: هو أنا \”حَلمّ\” ورق، ويقطع، أنا كنت باستخسر الأوراق لأني عارفة قيمة كل كلمة كتبها، لكنه لم يعطيني فرصة ويقطع على طول، لكن أنا احتفظت ببعض الأوراق.
أحب كل رواياته، ويقول إنها جميعاً أبناؤه، وبالتالي فهم أبناؤه، ومن الطبيعي أن يحب الإنسان كل أبناءه، ولكن أكن حبا خاصّا \”للثلاثية\” التي أرى أنها تمثل مصر كلها، وأنها تتحدث في ظاهرة لم تعد موجوده في بيوتنا الآن وهي الاحترام الشديد من الأبناء لآبائهم، وليت هذه الظاهرة تعود إلى بيوتنا المصرية مرة أخرى.
كاتب وقاص




