أحمد رابطي
ضمّن سعيد خطيبي روايته «نهاية الصحراء» (الصّادرة عن دار نوفل) جريمة وقعت خريف 1988، لمغنّية اسمها زكيّة، مورست ضدّها العديد من الضّغوطات الثّقافية الدّونيّة الذّكورية؛ بدءًا بوالدها واخوتها الذين اعتبروا الأنثى هامشاً أمام سلطتهم/مركزهم، وتصل بنا الرّواية إلى ذروة سرد الأفعال القمعيّة التي تنظر إلى المرأة نظرة شهوانيّة دونيّة، يفعّل عليها العنصر الذّكوريّ مختلف ثقافاته القهريّة دون اعتبارها تجاوزات. لتنتهي حياة «زكيّة» كتائهة بين تقاليد المجتمع الذي يرفض سياسة الاعتراف بالآخر/الأنثى، حيث أُجبرت على أن تكون هامشاً في منحى التّقليد الأعمى، وبين رفض أهلها عودتها لمنزلها، وسياسة الاستغلال التي تعرّضت لها خارج البيت، سوف تلقى حتفها جثّة هامدة.
وقد سيطرت شخصية «زكيّة» على موضع هامّ في «نهاية الصّحراء»، ساهم في تحريك مجريات الأحداث من جهة، والتّعبير عن الاستلاب الّذي عانته الأنثى ككينونة اجتماعية من جهة مقابلة، فأصبحت كينونة ورقيّة تعبّر بها الذّات المستلبة عن نقائصها، وتحقّق داخل العمل الرّوائيّ ما لم تحقّقه في الواقع بفعل التّهميش الذي مورس ضدّها.
تعرّضت زكيّة إلى التّبخيس في قدرتها على إبداء صوتها من منطلقات رتيبة توارثتها الأُسر، فظلّت تابعة للرّجل/ سلطة الأب الذي حرمها من إنتاج ثقافة بديلة تنحو صوب الانفلات من ثقافة المجتمع. فـ «زكيّة» ذاتٌ تعيش داخل حدود بيت، لم يُعاملها والدها بموقف اللّيونة التي تؤدّي إلى الإقناع، ولم يعط لها قيمة اقتصاديّة ككيان بشريّ يفكّر وله القدرة على الإنتاج الكمّي والكيفي، فقام بتعطيل مقولاتها اللّغويّة مستعملاً سلطة الخطاب المتعالي، فحرمها من معادلة (أنا موجود إذا أنا قادر على الإنتاج) واستبدلها بمعادلة (أنت موجود إذا أنت تابع)، وأرغمها على الخضوع لسلطة الجبر الذي يوجب الانصياع/الخضوع، الأمر الذي أدّى بالذّات المهمَّشة إلى التّفكير في الهروب من تلك القيود التي تكبح ذاتها وقدرتها على إنتاج ثقافة بديلة.
بعدما حُرمت الذّات المهمَّشة «زكيّة» من إقناع أسرتها على قدرتها في إنتاج قراراتها بنفسها، وانزوت تحت لواء الهروب من تلك القيود الجبريّة، تعرّضت لاستلابات أكثر خطورة من الاستلاب الأسريّ، حيث مارس عليها المجتمع استلاباً جنسيّا متعدّد الأطراف/الجهات، وجعل منها ذاتا قيميّة بالنّظر إلى جسدها فحسب، فأعين المجتمع الذّكوريّ تعلي من مكانة الأنثى إذا تعلّق الأمر بتلك الكتلة الجندريّة، وهو الفعل الذّكوريّ الذي تكون له ردّة فعل متعالية، الأمر الذي يجعل من الأنثى تستعيد بعضاً من قيمتها ولو أنّها قيمة منبوذة داخل المجتمع الذي يشبع شهواته من خلال ذلك الجسد، والذي أوهمه أنّه في موضع الإيجاب ليُمارس عليه سلطة الاستلاب، فالعلاقات التي وقعت فيها امتازت بالآنيّة وعدم الرّضى.
إنّ «زكيّة» قد حملت في ذهنها ثقافة مضادّة تقوم على فعل المتروك قصد استعادة جزء من أناها، وهو ما يشبه انتقام المجني عليه من الجاني، فقامت بالغناء والاختلاء بالرّجل لتنتقم من رجل همّشها مسبقاً، بدءاً بالأب ووصولا إلى الذّوات الذّكورية التي صيّرت ذاتها وفق رغباتها.

فالأفعال الّتي قامت بها «زكيّة» تنضوي ضمن عقيدة دينيّة وعُرفيّة أشهر من أن تُعرف، وترفض كلّ تلك المحرّمات/الممنوعات، والذّات هنا شوّهت قيمتها عندما تجاوزت تلك الحدود المتّفق عليها، حيث أنّ فعل الهروب الذي قامت به يؤدي منطقيّا وعُرفيّا إلى التّفكير بما ينجرّ عنه من ممارسات جنسية صارخة ترتكب في حقّها، حينما اختزلت كينونتها في طابع جنسيّ، وقد جسّدت الرواية هذا الاختزال في قول المحامية نورة: “في هذي لبلاد، الحوت ياكل الحوت وقليل الجهد يموت“. وهو موروث ثقافي شعبويّ يسترسل ثقافة الاستغلال الّذي تعيشه الأنثى والاستلاب الرّهيب الذي تقتاد صوبه، فـ «زكيّة» استغلها الآخر جسداً لإشباع شهواته، وتخلّص منها بطريقة رهيبة حين عُثر عليها جثّة هامدة.
بلغت «زكيّة»، في حدود سلطة المجتمع الذي تعيش فيه، أقصى درجات التّهميش؛ وهو الشّعور الذي أحسّته حينما وجدت نفسها مجبرة على الخنوع تحت وطأة التّقليد الأعمى، والذي يجعل منها مِلكا للآخر، تحقّق مطالبه ثمّ ما يلبث أن ينفلت منها وهو ما حصل حين بعث “رجل مجهول” رسالة لزكيّة، كتب في ثناياها على لسان خليلها: “زكيّة، هذه آخر رسالة أكتبها إليك، أرجو منك أن تتفهّمي وضعي. لا خيار لنا سوى أن نفترق…أمّي رفضت طلبي، ولن تتحقّق رغبتنا في الزّواج…إذا حاولت الاتّصال بي مرّة أخرى فتحمّلي العواقب. لن أتسامح معك“. وقد أجبرها حبيبها على تركه، حيث لم يذكر السّارد اسمه للدّلالة على تعدّد الأنوات الذّكوريّة التي قهرت «زكيّة» ضمن الامتثال لقوانين عقائديّة بحتة وصارمة في الوقت ذاته، الأمر الّذي نجم عنه شعور هذه الذّات بتبعيّتها للرّجل ووقوعها تحت سلطته، وينتج هذا الشّعور حينما تفكّر الأنثى تفكيراً سلبيّاً تجاه أعضائها، من خلال تصوّرها العام أنّ جسد الذّكر أعلى سلطة من جسدها، وأنّ أعضاءها لا يمكنها أن تستغني عن أعضاء الرّجل جاعلة منها حاجة ملحّة تضاهي حاجة الجسم للغذاء والماء. وقد حصرت واجبها نحوه في إشباع نزواته، وبمجرّد أن قامت «زكية» بانتهاك حرمة صون شرفها الذي يرتبط أساساً/جوهراً بالجسد، فقد كتبت لنفسها مكانة وضيعة تحقّقت بأدائها للفعل الممنوع دينيّا وعرفيّا، فأصبحت في غياهب التّضليل والتّيه، من زاوية أنّ الأمّ تتمنّى لابنها أنثى شريفة و «زكيّة» لم تعد كذلك.
من خلال الاستلابات الّتي تواترت على شخصية «زكيّة» تجب منّا الإشارة إلى أنّ السّارد يروم إلى الانغماس في ثقافة سائدة في المجتمع تتمفصل في جعل الأنثى تابعاً تمارس عليه أشكال التّدنيس والاستغلال، وكلّ هذا في سبيل اجتثاث تلك الثّقافية الدّونية، واستبدالها بثقافة جديدة تعيد للمرأة مجدها.
لقد اعتمد سعيد خطيبي على منهج علائقيّ يرتكز على ضرورة تغيير تلك النّظرة الثّقافيّة الاحتقاريّة الّتي ارتسمت معالمها تجاه الأنثى، عن طريق ربط الحقيقيّ بالمتخيّل، بهدف تحقيق الموازنة بين سلطتي الحقّ والواجب مناصفة بين الذّكر والأنثى.





