بقلم عمرو منير محمد
فتح عينيه في لحظة حاسمة ليرى الظلام الدامس يملأ الخيمة…
بالرغم من هذه العتمة المحيطة كستارٍ هبط من السماء على الأرض، بدا صوت خرير شلال المياه في الجدول المجاور سببًا لسعادته وهدوئه الذي يفتقده منذ ساعاتٍ طوال…
قرر النوم على هذا الصوت العذب المختلط بأصوات الطيور والعصافير المغردة والمعلنة عن بداية عودة الحياة إلى تلك الغابة الهانئة بعد انتهاء الليل المغتصب للغابة لساعات…
انتقل بالتدريج عقله المتوتر إلى حالة النوم السرمدية التي يتمنى أن تطول قدر المستطاع…
بمجرد أن نام بعمق ..خرجت الكوابيس المؤرقة من أعماق الذاكرة كأشباحٍ تبحث عن فوهة قمقمٍ لتخرج إلى الحرية، بعد أن التقط عقله الباطن اللجام ليسيطر بالكامل على عقله الغارق في شقاء الحياة اللامتناهي…
نفس الأحلام المزعجة تتكرر دائمًا…
شخصٌ قصير، شاحب الوجه، نحيل الجسد، مرتعد، يجري مسرعًا وسط بناياتٍ شاهقة تناطح السماء كتماثيل إغريقية ضخمة… يطارده رجال عصاباتٍ مسلحون يحاولون اللحاق به ليفتِكوا به، لكنه يجري مسرعًا في هرولةٍ تكاد تفقده السيطرة على جسده الهزيل، محاولًا الهروب من هؤلاء الرجال المصممين على الوصول إليه…
في لحظةٍ حرجة، ألقى أحد رجال العصابات بلطةً حديدية باتجاه الضحية الهاربة من قدرها، لتلتف البلطة في الهواء محدثةً صوتًا مميزًا حادًا ناتجًا عن اختراق نصلها الحاد للهواء المحيط الذي تقطعه في عجلةٍ من أمرها… يقترب هذا الصوت بشكلٍ مرعب من الضحية، لتتعالى ضربات قلبه وتتصبب جبهته عرقًا، ليقف بلا إرادة منتظرًا مصيره المحتوم…
هنا .. استيقظ الشاب من كابوسه المتكرر ليعود إلى خيمته المظلمة مرةً أخرى بعد أن شهق شهقةً عالية الحدة، وقد كاد قلبه يتوقف من شدة الخوف والهلع…
قرر أخيرًا ألّا يعود للنوم مجددًا، بالرغم من جسده المتعب من عمله اليومي المرهق… خرج إلى الغابة تاركًا خيمته الهادئة…
لامست أشعة الشمس الدافئة وجهه بعد أن اخترقت الفراغات التي تصنعها بحنكةٍ بين أوراق الأشجار المتعانقة…
مشى على الأعشاب الخضراء بقدمه العاري، مستمتعًا بقدرة الخالق عز وجل في صنع تلك الغابة الخلابة…
تحرك نحو جدول الماء بهدوءٍ ليلقي نظرةً على شفافيته، وانبهر للغاية برؤية الأسماك المتنوعة الألوان التي تسبح بانسيابيةٍ داخله لتصنع مشهدًا فنيًا متداخل التراكيب…
وبينما يتابع حركة الأسماك الراقصة، وصل إلى سمعه صوتُ حركةٍ خاطفة لخطواتٍ سريعة لأقدامٍ خفيفة تجري مسرعةً على أوراق الشجر الجافة المتساقطة في أرجاء الغابة…
التفت إلى مصدر الصوت ليرى غزالةً رشيقة تقف على بُعد أمتارٍ منه، تتناول الحشائش اليانعة بنهمٍ واطمئنان…
كانت وقفتها الشامخة بلونها البني الذهبي ترسم لوحةً زيتية جديدة تُضاف إلى تلك اللوحات العديدة الراسمة لهذا المشهد الطبيعي الذي لم يُخدش حياؤه بأي تدخلٍ بشريٍّ متطفل…
حاول الاقتراب منها تدريجيًا أملًا في ملامسة جسدها الرشيق… تحرك في خطواتٍ مدروسة متجنبًا إحداث أي صوتٍ قد يبعده عن هدفه المنشود…
فجأةً…
صوتُ جرسٍ عالٍ يرن بقسوةٍ ليقطع الاستمتاع بتلك الأجواء الساحرة… سرى في جسده تيارٌ كهربائيٌّ عالي الشدة… أدرك أن زيارته للغابة الساحرة قد انتهت في ذلك اليوم الاعتيادي…
أجبره صخب الجرس على الخروج من الغابة مسرعًا…
أزال مُرغمًا عن عينيه تلك النظارة المستطيلة الضخمة السوداء اللون، والتي اشتراها من إحدى متاجر الإلكترونيات الشهيرة بالمدينة…
وضع نظارة الواقع الافتراضي على المنضدة بحرصٍ، خوفًا عليها من أي خدشٍ قد يصيبها ويمنعه من تلك المتعة الليلية المنتظمة، فثمنها غالٍ لا يستطيع مرتبه القليل تحمّله مرةً أخرى…
تحرك بخطواتٍ متثاقلة إلى النافذة الوحيدة في شقته الصغيرة الواقعة داخل هذا المجمع السكني المكتظ بعشرات الوحدات السكنية الاقتصادية…
نظر إلى الشارع المزدحم بالسيارات المتلاصقة والمتناحرة، التي تخترق ببطءٍ هواء المدينة المشبع بعوادم رمادية اللون تصنع ما يشبه الضباب الكثيف… أشعل سيجارةً شعبية الانتشار وأخذ يطلق دخانها في الهواء، بينما يتابع حركة المرور في تلك المدينة التي هبّت عن بكرة أبيها في نفس التوقيت المبكر ليتوجه سكانها في قدرٍ محتومٍ إلى أعمالهم اليومية الضاغطة…
بقلم عمرو منير محم
روائي و قاص و عضو اتحاد كتاب مصر


