المجلة الثقافية الجزائرية

جماليّة التلقي في قصة “هاتف الهادي ” للكاتبة بسمة الشوالي

 منير بولاهمي – تونس

 المقدمة: لا يملك القارئ لقصة :” هاتف الهادي” للكاتبة بسمة الشوالي – الصادرة ضمن مجموعتها القصصيّة “جلسة شاي في الحديقة الخلفيّة للعمر” عن دار النشّر المصرّية “فاصلة للنشر والتوزيع” –(2026)- إلاّ أن يتفاعل مع الذكريات والرموز المتوفّرة في هذا النصّ القصصيّ.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ نظريّة جماليّة التلقي هي من اهتمت بمسألة تفاعل القارئ مع النصّ، بل إنها تأسّست من أجل إبراز هذا التفاعل والاهتمام به، وذلك بالتركيز على دور القارئ في إنتاج المعنى من خلال تفاعل النصّ مع تجربته الذاتية. إذ ترى هذه النظريّة أنّ النصّ لا يحمل معنى محدّدا من قبل الكاتب فقط، بل إنّ تفاعل القارئ معه يُنتج أيضا دلالات جديدة تعتمد على خلفيّاته وتجاربه .

جماليّة التلقي في قصة “هاتف الهادي:

تتجلّى جماليّة التلقّي في هذه القصة من خلال اعتماد الكاتبة على أسلوب تخييليّ يقوم أساسا على التأمّل والذكريات، وهو ما يفتح الباب أمام القارئ لاستحضار تجاربه الشخصيّة مع الأمومة، والوحدة والحنين وهكذا يجد القارئ نفسه شريكاً في بناء المعنى.

ويبدو أنّ الكاتبة قد أعدّت العدّة جيّدا وتسلّحت بمختلف الوسائل اللغويّة والتقنيات الفنّية لتحقيق ذلك من خلال حسن اختيارها للصور البلاغيّة، وحسن استخدامها للرموز (مثل الهاتف والسطح والغروب) كأدوات تفتح مساحات للتأويل تتيح للقارئ أن يقرأ هذه الصُّوَر من منظوره الخاصّ، فيرى في الهاتف رمزاً للتواصل أو لانعدام التواصل، ويرى في السطح مكاناً للحريّة أو مكانا للوحدة والانعزال، ويرى في الغروب لحظة للنهاية أو لحظة للبداية. وهكذا تتداخل الذكريات مع الواقع في القصّة، ممّا يخلق لدى القارئ تجربة واقعيّة تتعدّد فيها زوايا النظر لمجريات الأحداث في القصّة، حيث يجد نفسه يتأمّل في مصير الشخصيّة، ويتساءل عن معنى الوجود والذاكرة والهويّة فيؤدّي هذا في نهاية المطاف إلى تفاعل القارئ مع النصّ من خلال تحفيز النصّ له على التفاعل مع الأسئلة الوجوديّة التي تطرحها الشخصيّة من نوع: (هل الحياة مجرّد محطّة عبور؟ وهل الذاكرة هي ما يبقينا أحياء؟ وكيف نتعامل مع فقدان الأحبة؟) وغيرها من الأسئلة التي يمكن أن يثيرها تفاعل القارئ مع النصّ القصصيّ الذي تلعب فيه اللغة الشاعرية، التي تستخدمها الكاتبة، الدور الأبرز في جعل القارئ يشعر بالحنين والوحدة، فيُعيد صياغة النصّ من خلال تجربته الشخصيّة، وهو ما يعزّز جماليّة التلقّي. وبهذا فقط يُمكن للقارئ أن يرى في القصّة صورة مصغّرة لواقعه الذاتي أو للواقع الاجتماعيّ التونسيّ، حيث تبرز من خلاله قضايا التهميش، والوحدة، وفقدان القيم الأسريّة، فيتفاعل معها من منظور اجتماعيّ ونفسيّ.

الخاتمة:

 لا شكّ أنّ عنوان النصّ القصصيّ ” هاتف الهادي ” للكاتبة بسمة الشوالي إلى جانب موضوعه وجنسه الأدبيّ وخصائصه الفنيّة تطرح على القارئ العديد من الأسئلة التي تجعل العلاقة بينه وبين النص القصصيّ علاقة تفاعليّة وهو ما فرض علينا تطبيق نظرية جماليّة التلقي في قراءة هذه القصة لأنّ هذه النظرية هي المدخل الوحيد القادر على أن يُظهر لنا كيف يصبح النص فضاءً مفتوحاً لتأويلات متعدّدة، حيث يُساهم القارئ في إنتاج المعنى من خلال تجربته وذكرياته وانفعالاته، نظرا لأنّ هذه القصة تعتبر نموذجاً للفنّ القصصي الذي يتجاوز السرد التقليديّ، ليُحفّز القارئ على التأمّل والتأويل، ويُبرز دوره كشريك أساسي في بناء الدلالة الجمالية والوجودية للنص.