المجلة الثقافية الجزائرية

هل تحتاج الأمة إلى مفكرين أم فقهاء للخروج من أزمتها المعاصرة؟

د/ عبدالوهاب القرش

تعيش الأمة الإسلامية مشكلة تاريخية حقيقية وكبيرة تتغلغل وتتعمق وتتشعب مع الأيام ، وهي مشكلة التمزق والتفتت، وذلك بكثرة الجماعات الإسلامية والفئات والأحزاب، وتصاعد المنابزات فيما بينها، وبينها وبين فئات وأحزاب غير إسلامية. هناك خطر حقيقي يحيط بالأمة ، وقد يؤدي إلى اقتتال دموي في أصقاع إسلامية عديدة تكون نتائجه وبالاً ودماراً يصيب جميع المجتمعات الإسلامية. طبعا هناك دم إسلامي ينزف الآن بأيد إسلامية واليمن والعراق وسوريا ووفق مبررات دينية ما أنزل الله بها من سلطان ناهيك عن سيل الدم النازف للمسلمين في غزة بأيد الصهاينة الملاعين وبمباركة حكومات عربية وإسلامية.

وما يجري الآن من تفجيرات وقتل بالجملة واقتتال يسيء بصورة كبيرة وخطيرة للأمة الإسلامية، ومن شأنه أن يمزق الصفوف بين أبناء الأمة، ويحبط ملايين المسلمين وإدارة ظهورهم للأمة بحثاً عن الأمن والطمأنينة والاحترام لدى أمم أخرى. 

الحق أقول:هناك إجرام كبير وتخاذل أكبر يتم تنفيذه باسم الإسلام، وهناك فتاوى مرعبة يتم إصدارها بدون علم أو معرفة، ومن شأنها أن تبث التخلف والكراهية والبغضاء والأحقاد، وتنتهي بتفسيخ المجتمعات وتناحر أبنائها.

لقد أثر المنحى التمزيقي والدموي والتخلفي الذي تقوم به بعض التيارات الإسلامية المسيطرة على صورة الإسلام لدى أمم كثيرة، وكرس نظرة نمطية غير جيدة تبلورت تاريخياً ضد المسلمين.

ما يقوم به مسلمون يتناقض تماما مع الدعوة الإسلامية سواء كانت أعمالهم دموية أو جاهلية وظلامية، ويقدم صورة بشعة عن الإسلام تصد الناس عن الالتحاق بالفكرة الإسلامية. 

وعلى النقيض هناك مسلمون على وعي تام برسالة الإسلام، ويحاولون إعطاء صورة جيدة عن الإسلام، لكن جهودهم تضيع أمام فتاوى التخلف المتناقضة مع الإسلام، وأمام القتل الجماعي الذي يصيب المساجد والأسواق والمدارس وأماكن التجمع. وكذلك الانشغال بقضايا اجتماعية وسلوكية لا تتناسب مع الفكرة الإسلامية واحترام الإنسان.

تكمن المشكلة في أن كثير من المسلمين ابتعدوا عن القرآن الكريم وما يتوافق معه مما ورد في كتب حول السنة النبوية وأخذوا يتمسكون بأقوال تحوم حولها الشكوك وتتناقض مع القرآن الكريم والأخلاق النبوية، وأخذوا يسيرون بطريق لا يحقق الرقي والسمو والتقدم والمساهمة في الحضارة الإنسانية، وأفقدوا أنفسهم روح المبادرة والإقبال على العلم والاكتشاف والاختراع. 

تأتي أغلب آيات التشريع في القرآن الكريم بصيغة عريضة تترك للمسلمين حرية الاجتهاد عبر الزمان والمكان. 

هناك آيات قطعية النص والدلالة، لكن أغلب الآيات تفتح مجالا أمام المسلمين للتفكير والتدبير فلا يُشل تفكيرهم، ولا تُعطل عقولهم. فمثلا أمر الله سبحانه وتعالى بالشورى، لكنه لم يحدد كيف تكون الشورى: هل تتم عبر مجلس يشكله الحاكم، أم مجلس منتخب؟ هل قرارات مجلس الشورى إن وجد ملزمة أم غير ملزمة؟ الخ. فقهاء المسلمين أسهبوا بالتفصيل الفقهي حتى وضعوا الدين في مستوى عال من التعقيد.

المتتبع للفضائيات والدروس الدينية ولحكايات الجن والعفاريت وتفسير الأحلام وأسرار الأنوثة والنساء يسمع الكثير من الأقوال المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتي لا تضيف دفعة تقدمية للمسلم، وتبعده عن عبادة الله لصالح غيبيات تخرج عن روح الفكرة الإسلامية. 

من أين تأتي كل هذه التفصيلات والفتاوى والتشريعات التي تترد على أسماعنا بخاصة على شاشات التلفاز وعبر الأثير؟ 

الحقيقة أن جزء كبير من الفتاوى لا تستند إلى أساس فقهي وإنما إلى أهواء ذاتية وعُقد نفسية، وجزء كبير آخر يأتي من خلال التأليف على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بخاصة في أمور تتعلق بالتعقيد الفقهي والأمور الغيبية مثل عذاب القبر وتضاريس الجنة والنار، ويتركز التأليف في موضوعين:

أمر تغليب فرقة إسلامية على أخرى، وواضح أن أصحاب الفرق قد ألفوا بعض الأقوال تمجيداً لبعض قادتهم وأفكارهم ورموزهم ليثبتوا أن فرقتهم هي الفرقة المقبولة عند الله سبحانه، وأنها هي الذاهبة إلى الجنة. 

وتتضح رائحة الفرق في الصيغ اتي أشرنا إليها حول الهداية والضلال. وفي هذا التأليف ما أسس الخلافات التاريخية بين المسلمين وأضفى القدسية عليها لتبقى ماثلة على مدى الزمن وتثير الصراعات.

أمر شل الفكر الإسلامي من خلال تعقيد الفقه الإسلامي حتى يبقى المسلم مهووساً بأمور غيبية ومرعوباً من التفكير فيبقى السادة وأصحاب السلطان على كراسي الحكم. 

للأسف، تذخر المكتبة الإسلامية بآلاف الكتب في الفقه الإسلامي، وقلة قليلة من الكتب الفكرية، لذا نجد أن أمة المسلمين أضعف أمة في تقديم التحليل الفكري على الرغم من أن الله سبحانه قد كرر الأمر بالتفكر والتعقل، ونجدها أيضاً ثاني أكثر أمة عملت على تعقيد دينها بعد اليهود. 

دين الله يسر لا عسر فيه، ويحفز المسلم على النشاط والعطاء والبناء، لكن بعض فقهاء الأمة الآن يحولون المسلم إلى مسلم مهووس بالطهارة، ومرعوب من عذاب القبر وأهوال يوم القيامة، وإلى عاهة فكرية وعلمية وحضارية يتلقى التقدم والإبداع من الموصوفين بأهل الكفر، ويعتمد عليهم في أمنه ومأكله.

واضح من أغلب النشاطات التي يقوم بها أغلب المسيطرين على التدريس الديني أن التدين هو الموضوع وليس الإيمان مما يحول الدين الإسلامي إلى طقوس خالية إلى حد كبير من العمل الذي يجب أن يترافق مع الإيمان. 

وما يؤكد ذلك هو أن الأمة الإسلامية لم تنهض بعد في مجالات الإنتاج والتقدم العلمي والتطور التقني والرقي الأخلاقي والمهنية الإدارية. 

الطقوس تختلف عن الشعائر التي تذكر المرء بتعاليم الله سبحانه فتحفزه على العمل والعلم والجهاد، وإنما هي درب من دروب الرهبنة التي تؤدي إلى الخنوع والاستسلام وفقدان الصلة التفاعلية مع الأرض، بينما الإيمان مقرون بالعمل دائما، والجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات. 

للأسف الشديد كان لما طرحه عدد كبير من فقهاء التيارات الفقهية المسيطرة في محاضراتهم وندواتهم وخطبهم نتائج كارثية نوجزها في التالي:

تحويل الدين الإسلامي إلى كم فقهي زاخر بالأوامر والنواهي على حساب الفكر والعقل بحيث يتحول المسلم إلى مجرد عبد خال من الشخصية والتفكير التحليلي والإبداعي والنقدي، ويقوم تدينه على الخوف من المجهول وليس على الإيمان بالله المقترن بالعمل الصالح.

تحويل الدين الإسلامي إلى دين كهنوت استسلامي بدل أن يكون ديناً عملياً يقوم على الاطمئنان والثقة بالله سبحانه وتعالى، ولتبقى الشعائر والأدعية والطقوس وزيارات الأماكن المقدسة والأضرحة والأولوياء الشغل الشاغل للمسلمين. وهذا اتجاه واضح في التركيز على الغيبيات وأحاديث القبر والجنة والنار، ومحاضرات الطهارة والتوسع في التحريم.

الصعود إلى مرتبة المفوضين الإلهيين الذين يستطيعون إدخال الجنة والنار بقرارات سريعة، بحيث يشعر شخص مثلي أن فكرة التوحيد لم تعد قائمة من كثرة الآلهة الدنيويين الذين ينوبون عن الذات الإلهية في تصنيف الناس والحكم على أعمالهم وأقوالهم وإرسالهم إلى الجنة أو النار.

الهروب من العمل والعلم والجهاد لصالح التنطع الديني والتلاعب بعقول الناس وإلهائهم بحكايات وقصص وأساطير لا يمكن أن تخضع لأي معايير علمية أو جدل منطقي. ولهذا يحاول أغلب الفقهاء الابتعاد عن فرائض العلم والعمل والجهاد والتي لا تقوم أمة ولا تنهض إلا بها، ويركزون بدرجة عالية على جمع حسنات طقوسية للوصول إلى الجنة.

تكريس الاستعباد وهيمنة الحاكم الظالم تحت شعار الفتنة أشد من القتل. هذا علما بأن الفتنة التي يقوم بها الحاكم الظالم أشد من القتل لأن الفتنة لن تؤدي إلا إلى صراع دموي بين الناس، والتخلص من الحاكم الظالم سريعاً يصون دماء المسلمين. العديد من فقهاء التيارات الفقهية المسيطرة يلوون ذراع الدين إرضاء لحكام لا يعرفون الله، ولا يقيمون دينه الذي ارتضى للناس. الإسلام دين حرية وبناء وحركة وعطاء وتعاون وتفاعل، والعديد من الفقهاء يفضلون الذل والخنوع بتعليمات دينية مخالفة للفكر والفقه الإسلاميين.

العمل المستمر على وأد النساء بتجريدهن من إنسانيتهن وتحويلهن إلى مجرد أدوات بشعارات إسلامية. شهدت الجاهلية وأداً للبنات، لكن الوأد الآن يشمل الإناث جميعاً بسبب فيضان التشريعات حول ظهور المرأة ومشاركتها في الحياة العامة وتعليمها ولباسها، إلخ. لقد وصل الفقه إلى درجة تحريم سير المرأة المخفية لوجهها مع ابنها الوسيم في الشارع حتى لا يتخيل أحد جمالها من خلاله.

الحق أقول:يرى بعض فقهاء التيارات الفقهية المسيطرة أن الاعتماد على القرآن الكريم وما يتوافق مما روي حول السنة النبوية لا يلبي نزوات وأهواء ورغبات العديد من الناس، ولا بد من الهروب إلى ما يمكن أن يصبح مقدساً فيتحقق التخلف والتمزق والضعف لحساب سلطات دينية خاوية لا تنجي الحريص عليها لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقد ورد في القرآن الكريم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} لا ندعي بأن القرآن الكريم مهجور تماماً، ولكن نفترض بأنه لا يشكل لدى الكثيرين ممن يدعون الفقه القاعدة الفكرية والفقهية المطلقة صحيح إلى حد كبير.

وقد أدى هجران القرآن الكريم إلى نتائج مخيفة على رأسها:

ضعف القدرة على مخاطبة الأمم بالحجة والدليل ولغة الحسنى والتودد، الأمر الذي فاقم من عداء دول وشعوب للإسلام والتأثير سلباً على التعريف بأخلاق الإسلام.

التأثير سلباً على التماسك الاجتماعي، وتحوصل أغلب الداعين إلى الإسلام في أحزاب إسلامية متنافسة ومغلقة وغير قادرة على التعامل مع المجتمع الأوسع.

تفاقم الهوة بين المذاهب الإسلامية بخاصة بين أهل الشيعة والسنة، وقادت عملية تحريض مذهبي أدى إلى قتل الناس جماعة وتهديم مساجد وبعث أحقاد وبغضاء تتأصل في نفوس الأجيال.

الحل:

ولخروج الأمة من الأزمة لابد من وجود فقهاء مفكرين ينطلقون من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لأنهما يشكلان الحل الأمثل والوحيد لخروج الأمة من أزمتها والاندفاع بها نحو الإبداع والتطور

على كل فقيه ومفكر حريص على الأمة الإسلامية أن يتوقع ثورة على الفكرة الإسلامية إذا استمر العديد من الفقهاء في هذا النهج الذي يتعدى على القرآن الكريم والسنة النبوية، وأن يتوقعوا اقتتالاً داخلياً دموياً يهلك الحرث والنسل.

الأمة الإسلامية بحاجة ماسة إلى مفكرين إسلاميين وليس إلى فقهاء. لدينا أعداد هائلة من الفقهاء، وكل من إلتحى نصّب نفسه فقيهاً، لكن يوجد لدينا عدد قليل من المفكرين والعلماء الذين ينشغلون بمسائل الحق والباطل والكليات العلمية الكونية والأرضية، ويخرجون الأمة من حالة الضعف والهوان والتخلف العلمي والأخلاقي، وينهضون بها بالعمل والمثابرة والصبر والإصرار على تحقيق الإنجازات. 

في القرآن الكريم آيتان حول لباس المرأة، لكن هناك مئات الآيات حول التفكر والتدبر والتعقل والنظر والعلم والعلماء، والمسلمون منشغلون بفساتين النساء وتنانيرهن وليس ببناء جامعات تصرف عليها الدول تخرج علماء يبنون الأمة.

نصوص القرآن ثابتة، ولن تنشب خلافات بين المسلمين في هذا الشأن، لكن من الممكن أن تظهر اجتهادات علمية ومنطقية وقياسية في تفسير الآيات الخلقية والتشريعية، وتلك المتعلقة بقواعد الإيمان وأسس التمييز بين الحق والباطل، وأصول الحلال والحرام. 

هذه الاجتهادات لا تشكل قواعد لتفريق المسلمين وتفسيخهم إلى فرق ذلك لأنها لا تنطوي على نزعات وأهواء، وإنما تستند إلى منطلقات علمية في فهم قضايا فكرية متعلقة بالحق والباطل، وإلى ظروف زمانية ومكانية في قضايا الحلال والحرام، وهي اجتهادات قابلة للتغيير وفقا لتوسع الحدود المعرفية العلمية للإنسان، وتغير أحوال الزمان والمكان.

ولهذا يبقى القرآن الكريم العنوان الأول والمرجعية الأساسية لتحقيق وحدة المسلمين، إنما دون إغفال السنة النبوية التي تتوافق مع القرآن الكريم. وكلما ابتعد المسلمون عن القرآن الكريم وما اتفق معه مما روي من السنة، اتسعت خلافاتهم وتدهورت أحوالهم، وانغمسوا في ترهات الفتنة مبتعدين عن العلم والإنجاز.

القرآن ليس للتلاوة فقط، وإنما للقراءة، أي للاستقراء واستخلاص الدروس والعبر والوصايا باستمرار. وقد قال سبحانه وتعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}. 

القرآن للتدبر إلى يوم الدين، والتدبر يعني التقصي والتدقيق والتفحص على المستويين الفردي والجماعي لكي يستمر المسلم في تطوير فهمه للقرآن الكريم والصعود بمعارفه القرآنية التي تدفعه إلى الارتقاء وليكون قدوة أخلاقية وعلمية وإنسانية وعملية. 

ولا بد للمسلم أن يركز على دراسة الفكر الإسلامي الذي يختص بدراسة آيات الله (القوانين الكونية والنواميس التي ينتظم الكون بها) ويفتح أمامه الآفاق بدل من الاستمرار في تعقيد الفقه الإسلامي.

والمشروع بسيط، لا يمكن أن يجد مسلم تبريراً في القرآن الكريم لاستباحة الدماء والسير في طريق الفتنة والتخاذل عن نصرة المستضعفين من أبناء الأمة مثل أهل غزة، أو استمراء طريق التخلف والتواكل والهزائم، أو لتقبل الحاكم الظالم أو حرمان المرأة من المضي في بناء الأمة … والمشروع على بسطاته يتطلب فقهاء مفكرين أو مفكرين متفقهين..إذ لا يكفي أن يكون هناك مفكرون لا يملكون آليات الاجتهاد، ولا مجتهدون لا يملكون خبرات العصر المعرفية.

الأمر يحتاج لمزيد من التوسع في النقاط التي عرضناها والنقاط الكثيرة الأخرى التي تطفو على السطح أو تغوص في الأعماق ولم نعطيها حقها من التحليل، ألم يأن لنفض الغبار وبداية العمل الجاد لإحياء هذه الأمة بعد ترك كافة الأطماع الشخصية والدنيوية مركونة إلى جنب، فلا يتقحم مثل هذه الأمور إلا من أحس بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه ومن أعطى مواثيقه لله سبحانه على العمل لهذا الدين، فمن يعمل لدينه ويكافح لأجله سيعيش متعباً مرهقا ولكنه سيحيا عظيماً ويموت عظيماً.

باحث في العلوم الإسلامي