المجلة الثقافية الجزائرية

اخر المقالات

وأمطرت لؤلؤاً

د. صلاح التوم إبراهيم _ السودان (١)

أمطرت لؤلوا ، هذه قصيدة فاتنة، عنيت بها معظم كتب البلاغة العربية، لامتلائها بالصور والتشبيهات والاستعارات التي يتذوقها الدارسون على أنها نماذج لبلاغة التعبير الأدبي والقصيدة تنسبها كتب التراث العربي ليزيد بن معاوية بين ما ينسب له من مقطوعات شعرية أخرى . ولئن صدقت هذه النسبة ، لكنا إزاء شاعر أصيل مطبوع ، له أسلوبه الشعري المتميز ، وطرائقه في التعبير ، وعنايته بالصور الطريفة المبتكرة ، تلك التي هام بها البلاغيون والبديعيون استشهاداً وتحليلاً وتمثيلاً . ولا نظن أن كتاباً من كتب البلاغة العربية يخلو من هذا البيت الشعري المأثور الذي هو ضمن أبيات القصيدة ، ويستشهد به على تتابع الاستعارات والصور الشعرية:

وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت

ورداً ، وعضت على العُنابِ بالبَرَد

وكثيراً ما تملكتنا الدهشة والغرابة لهذا الشاعر الذي افتن في وصف حبيبته وهي تبكي وتنتحب ، فصور دموعها لؤلؤاً ، وعينيها نرجساً وخديها ورداً ، وشفتيها عناباً ، وأسنانها بَرَداً .. وكل هذه الصور المجتمعة قد جاءت في بيت واحد … فتأملوا ! (٢)

وإذا صح أن الشاعر هو يزيد بن معاوية ، فهو إذن ثاني خلفاء بني أمية ، تولى الحكم بعد وفاة أبيه معاوية ، وهو الذي أمر عبد الله بن زياد والي الكوفة بمحاربة الحسين وأتباعه فهزمهم في كربلاء ، وقتل الحسين في المعركة .. وبمقتله استتب الأمر للأمويين في دمشق ، واستقرت خلافتهم فيها وبدأوا يلتفتون إلى ما أحاط حياتهم من رفاهية ونعيم، وحياة رغدة تليق بأهل القصور. لهذا نجد في شعر يزيد هذا الجو المترف ، وهذه الصور الطيّعة لمن شب في رفاهية العيش ونعيمه وهناءته ، ورقة الطبع التي لا يؤتاها إلا من عمرت نفسه بمباهج الحياة ومتعها ، وأصبح الحب لديه صورة منغمة مطرزة ، يفتنُ في إكسابها شتى الألوان والسمات .. يقول في إحدى قصائده :

خذوا بدمي ذات الوشاح ، فإنني

رأيت بعيني في أناملها دمي

ولا تقتلوها إن ظفرتم بقتلها

بلى ، خبروها بعد موتي بمأتمي

ثم يقول :

ولما تلاقينا ، وجدت بنانها مخضبة تحكى عصارة عندم

فقلت : خضبت الكف بعدي ، هكذا

يكون جزاء المستهام المتيم !

فقالت وأبدت في الحشا حرق الجوى

 مقالة من في القول لم يتبرم

وعيشك ما هذا خضاباً عرفته

 فلا تك بالبهتان والزور متهمي ولكننني لما رأيتك نائياً

وقد كنت لي كفي وزندي ومعصمي

 بكيت دما يوم النوى ، فمسحته

بكفي ، وهذا الأثر من ذلك الدم .

(٣)

فهذا عاشق لا يستوقفه إلا الخضاب على أنامل محبوبته ، فيدير معها هذا الحوار المترف – يذكرنا بما يدور من حوارات ناعمة بين أهل القصور – ويختتمه بتوضيح سبب هذا الخضاب فقد بكت المحبوبة عليه دماً يوم فراقه ، يوم فراقه ، فلما أرادت مسح هذا الدم بكفها تخضبت أناملها .. فهي لم تتزين قط بعد رحيله حزناً عليه ، لكن دمها هو الذي يصبغ أناملها . والعاشق هنا عاشق أمير ، المحبوبة هي التي تبكي عليه غداة نأيه وبعده ، بعد أن كان لها الكف والزند والمعصم وهي لا تبكي عليه دموعاً ولكنها تبكي عليه دما ،من شدة ما تحمله له من حب ووجد وتبريح ، فانظروا أي نعيم وترف وتدلل !

(٤)

يبقى أن نلتقي بالقصيدة التي شاعت شهرتها منسوبة إلى يزيد ، وأن نشبع فضولنا بالتعرف على أبياتها الجميلة ، ذات العاطفة الرقيقة المترفة ، عاطفة أبناء القصور ، وأصحاب الترف والنعيم . يقول يزيد بن معاوية :

نالت على يدها ما لم تنله يدي

نقشاً على معصم أوهت به جَلَدِي

كأنه ”طرق نمل في أناملها

أو روضة رصعتها السحب بالبرد

وقوس حاجبها من من كلّ ناحية

ونَبْلُ مقلتها ترمي به كبدي

مدت مواشطها في كفها شركا

تصید قلبی به من داخل الجسد

أنيسة” لو رأتها الشمس ما طلعت

من بعدِ رؤيتها يوما على أحد

سألتها الوصلَ قالت : لا تُغَرَّ بنا

مَنْ رام منا وصالاً مات بالكمد

فكم قتيل لنا بالحب مات جوى

من الغرام ، ولم يُبدى، ولم يُعِد

فقلتُ : استغفر الرحمن من زلل

إن المحب قليل الصبر والجَلَدِ

قد خلَّفَتني طريحــاً وهي قائلة :

تأملوا كيف فِعْل الظبي بالأسد

قالت لطیف خیال زارني ومضى :

بالله صفه ، ولا تنقص ولا تزد

فقال : خلفته لو مات من ظمأ

وقلت : قف عن ورود الماء ، لم يَردِ !

قالت: صدقت ، الوَفا في الحب شيمته

يا بَرْدَ ذاك الذي قالت على كبدي

واسترجعت سألت عني ، فقيل لها :

ما فيه من رمق ، دقت يداً بيد

وأمطرت لؤلؤاً من نرجس ، وسقت

ورداً ، وعضت على العناب بالبَرَدِ

وأنشدت بلسان الحال قائلةً

من غير كره ولا مطل ولا مدد

والله ما حزنت أخت لفقد أخ

حزني عليه ، ولا أم على ولد

إن يحسدوني على موتي ، فوا أسفي

حتى على الموت لا أخلو من الحسد