المجلة الثقافية الجزائرية

وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية

علي محمد اليوسف

تعريف اولي
يذهب والتر ستيس وهو فيلسوف يعنى بالتصوف في كتابه الذي نناقش بعض أفكاره (التصوف والفلسفة) تقديم وترجمة امام عبد الفتاح امام الى ان : المشكلة الأساسية في وحدة الوجود الصوفي تتصل بالعلاقة بين الله والعالم من حيث الهوية والاختلاف , هل الله والعالم متحدان في هويه واحدة ؟ ام انهما متمايزان تماما ؟ (1).
كما يذهب له الادراك والتفكيرالذهني العقلي واللاهوت الديني في مختلف الديانات السماوية وعديد من الديانات الأخرى منها الوثنية من الذين لا يؤمنون بوحدة الوجود ويعتبرون ان الله والعالم متمايزان ومختلفان بالكينونة والماهية والهوية والكيفية والصفات ولا علاقة اتحاد بينهما تحصل في أي شكل من أشكال الترابط أو الحلول الصوفي بينهما.*وبهذا الصدد نضع عبارة لايبينتز(أن الله موجود بموجب ماهيته, وماهيته ووجوده شيء واحد فيه لا فرق بينهما).
اسبينوزا وحدة الوجود
ولا بد من المرور برأي اسبينوزا صاحب مذهب وحدة الوجود الكلاسيكي الذي قال به فلسفيا أن الله شأنه شان جميع الظواهر الطبيعية والموجودات يتكون من جوهر وصفات موزعة على جميع الكائنات الحية والطبيعة والانسان والكوني, لذا نجده يتحدث عن الله والطبيعة أو العالم والكون انهم جميعا مترادفات لمدلول ومعنى واحد, ولا يمكن الفصل بينها من حيث انها جميعا تعني دلالة واحدة,هي أن الله موجود في كل شيء, ولا تفريق كيفي هوّياتي مختلف متمايز ذاتيا من أي نوع بينهم. (كما لا يسلّم اسبينوزا بأي وجود خالص خارج الطبيعة). ( 2).
اي لا وجود لله خارج صفاته التي يمكن ادراكها في الطبيعة وفي وجود الاشياء في العالم الخارجي.أوالتي يتعذر علينا ادراكها ومعرفتنا بها كقيم واخلاق وتديّن بل نستمدها من الطبيعة.بمعنى أن اسبينوزا لا يقر بوجود الخالق خارج مجال الصفات المدركة المستمدة من الطبيعة او من الكوني المدرك غير الميتافيزيقي كقوانين فيزيائية.
كما يذهب دارسو اسبينوزا الى أن فكرة وحدة الوجود عنده لا تقوم على منطق فلسفي ذهني ولا على حجّة عقلية بل تقوم على فكرة ايمانية صوفية تماما.بمعنى أكثر وضوحا أن الله وجوده ملحوظ في توزّع صفاته على الطبيعة والانسان والكوني وما عدا ذلك فلا وجود الهي خارج هذه العوالم يمكننا ادراكه خارج صفاته بها أوخلقه لها التي نحيا بها ومعها,.
ومن الملاحظ أن فيورباخ ذهب نفس المذهب الاسبينوزي في تأصيله نشأة الدين في علاقة الانسان بالطبيعة وتخليق الخيال الانساني لما يرغبه في الهه المصنوع من صفات تلبي نوازعه وتبعث الطمانينة في نفسه وتهديء من روعه وخوفه وقلقه, ولا وجود من أي نوع من المقدس الالهي عابر لهذه الحقيقة في مقولة فيورباخ (أن عبادة الله تعتمد فقط على عبادة الانسان لنفسه).
من الواضح أن اسبينوزا في فهمه وحدة الوجود يتأرجح بين الالحاد غير المعلن صراحة , وبين الايمان الذي تعجزه البرهنة عليه , فهو يطرح مسألة وحدة الوجود بتلاعب لفظي فلسفي نجده نحن أن (سبينوزا) يفترض أن الطبيعة تلتقي ب (الله) بالصفات لا بالجوهرأو الماهية, وانهما الله والطبيعة كلاهما وجودان بصفات غير اختلافية في ظاهريتها, لكنما الطبيعة والاله وجودان متمايزان بالكيفية والماهية خاصة الانسان الذي هو جزء من الطبيعة التي يتمايز عنها بالصفات والكيفية والماهية ايضا. ,
وهذا الجوهرالالهي أساسا ليس مفتقدا بالنسبة لظواهر الطبيعة كظواهر وماهيات لا حصر لها, لكنه مفتقد بالنسبة لفهم (الله) كينونة ماهوية مستقلة في وجود افتراضي بذاته أي نومين , فالله بلا ماهية ولا جوهر يحتويهما وجوده الافتراضي, ولا يمكن ادراكها و معرفتها لذا فهو غير متعيّن خارج صفاته اللانهائية بالطبيعة.,
وأنما يعرف جوهرالخالق في مجموع صفاته في الطبيعة, وهي صفات لاهوتية أيمانية تجريدية تتلى في ممارسة طقوس الصلاة والعبادة فقط , كالرحمة ,والقوة, والخير,والمحبة, والعذاب, والعفو,والعظمة, والمقدرة وهكذا, وهذه غير صفاته المدركة حسّيا وعقليا وقوانينها المستمدة من الطبيعة في كل ماهو خير يتطلع الانسان الاقتداء به, صفات لاهوتية أصلها الطبيعة يقرّها الايمان الغيبي و لا يقرّ بها العقل والعلم.
ومحاولة اسبينوزا الربط بين الله والطبيعة والوجود الكوني بالجوهروصفاته, يؤكد لدينا نحن فقط أن صفات الله الالهية بلا ماهية ولا جوهر, فهوأي(الله) ليس ذاتا ولا موضوعا يمكن وعي وادراك ماهيته و صفاته غير المذكورة صفاته في اللاهوت الديني المستمدة جميعها من الطبيعة والصفات الخيرّة كما يتمناها الانسان, بل هو ممكن أن تكون بعض صفاته ادراكية في الطبيعة والكوني فقط لا غير, ومعدومة في كل مجالات التعرف او التعريف بها خارج الطبيعة الحسية والادراك العقلي أو اللاشعوري التخيّلي, ولكل شخص تفسيره لهذه الصفات وايمانه بها, بخلاف أن الطبيعة ظواهرها في أغلبها هي جواهروظواهرمعا تحكمها قوانين الطبيعة المدركة منها وغير المدركة إنسانيا في فضائي الزمان والمكان المحكوم بهما الانسان والطبيعة معا , بخلاف أن الله بلا ماهية ولا جوهر يحتويهما وجود مستقل لا يمكن للإنسان ادراكها كما في أستحالة ادراك وجوده. فالله مدرك وجودا غيبيا بصفاته وليس مدركا بماهيته العصّية على المعرفة والادراك الحسي والذهني ,ماعدا أن تكون مجمل صفاته هي تمّثل جوهره, سواء أكانت تلك الصفات مدركة أم غير مدركة لنا.
من نافل القول أن فيورباخ يلتقي بهذا الفهم الاسبينوزي في كتابيه, اصل الدين , وكتاب جوهر المسيحية في تلخيص رأيه أن الانسان والطبيعة والخالق هي تمثل بمجموعها كينونة واحدة تعبر عن نفسها أن الانسان في علاقته بالاله والطبيعة أنما هي تجسيد أن الانسان يعبد ذاته من خلال وعيه الطبيعة وتخليقه الهه الخيالي.
الصفات الطبيعية في صوفية الاوبنشاد :
وحدة الوجود التي تعتمدها الاوبنشاد التي يطلبها صوفية الهنوسية والبوذية في اقتفائهما تعاليم المعبود براهمان و بوذا, هي من منطلق أسباغ قدسية الصفات الطبيعية على المعبود عندهم, ولا وجود لحياة أخرى فيها حساب وثواب بخلاف اديان الوحي التوحيدية, ويبدو أن هذا التعبير قريب من فهمنا لمقولة اسبينوزا بأنه لا وجود لخالق فوق مدركات صفاته الأرضية والكونية له التي ندركها بالعقل وليس بالايمان القلبي.
ولنقرأ هذه الابيات الشعرية للاوبنشاد:
انت النار والشمس والهواء/ وانت القمر/وانت الفلك المرصّع بالنجوم/ انت براهمان الأعلى /انت المياه/ (انت خالق كل شيء)/ انت الشاب والصّبية والشيخ الذي يتوكأ على عصاه/ فثم وجهك في كل مكان/ انت الفراشة السوداء/ انت الببغاء ذو العينين الحمراوتين/ انت السحاب وانت الفصول وانت البحار/(انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) . (3)
من الواضح جدا أن وصف الاوبنشاد الصوفي هو وصف حسي ادراكي عقلي لظواهر الطبيعة والكون وخلعها على معبودهم في استنساخهم فلسفة فيورباخ, وهو توصيف لاهوتي مشترك في غالبية الأديان التوحيدية وفي العديد من الاديان غير التوحيدية. , ولا يوجد بهذه الصفات التعبدية الايمانية خرق لقوانين الطبيعة على شكل معجزات ايمانية مجردة الا في عبارتين (انت البداية وانت فوق الزمان والمكان) و(انت خالق كل شيء) اللتان هما كسروخرق لقوانين الطبيعة التي تحكم قدرات البشرالادراكية حسّيا وعقليا في اللانهائي زمانا ومكانا, وبهذا الفارق نكون نحن بشرعلى الارض, ويكون الله الها يعبد موجود في السماء .
هذا الإحساس الصوفي والتعلّق بالصفات الطبيعية المنسوبة للخالق على أنها صفات خارقة لقوانين الطبيعة هي في حقيقتها الارضية ليست كذلك في القداسة المسبغة عليها, ولا تنسجم مع القول: (براهما انت خالق كل شيء), وفي هذا لا نجد ميزة قدسية تنفرد بها صوفية براهما عن باقي الأديان التوحيدية التي لا تجمع بين أن تكون الطبيعة بصفاتها هي الخالق,في نفس وقت أن تكون هي مخلوقة أيضا, كما تدعي الاوبنشاد أنها مخلوقة من خالق أسبق عليها بمعنى (أن الكون خالق للكون)(4) ذاتيا ولنفسه فقط,
والطبيعة مخلوقة بصفاتها من قبل خالق هو في حقيقته عدم وخواء وامتلاء في وقت واحد, صاحب الصفات في الطبيعة واللاهوت الديني , والخالق غير المدرك للبشر لا في ماهيته ولا في صوره وتجليّاته وهو ما ينطبق على الفهم الديني واللاهوتي في مختلف الأديان التوحيدية في عجزها العقلي اثبات وجود الخالق او في اثبات عدم وجوده أيضا. ولا في امكانية الاستدلال على صفاته غير الأرضية أو الكونية التي يدّعي الصوفية الاتحاد بها في العرفان والاشراق في مدارج الحال الصوفية.
شيء عن صوفية zen البوذية
نبدأ بالتساؤل الازلي والاشكالية المتقادمة زمنيا في مختلف العصور ومختلف الأديان هي كيف يمكن لما لا يمكن أن يقال عنه أنه موجود أو موضوعي, أن يكون علّة أولى لكل ما هو موجود, وموجود وخالق من عدم أو لاشيء ؟ (5)
من العبث اللامجدي أن نتدخل في حل إشكالية وفك رموز شفرة ليست عصيّة على الصوفية وحسب , وأنما عصّية في محاولة سحبها على جميع الاديان في إشكالية اشبعت أجتهادا دونما نتيجة منذ وعي الانسان تخليقه معبوده منذ بدء الخليقة, وهي كيف يكون الخالق علة بلا معلول , صانع وخالق كل شيء,وموجود من غير وجود أو عدم سابق عليه لا قبله ولا بعده؟ وهكذا ندخل في دوامة من التجاذبات الميتافيزيقية واللاهوتية التي لا نهاية لها, في ادراك المسار الازلي لخلق العالم من عدم ومن وجود الهي لم تبق علة ولا حركة تعقبه ايضا.
من الخطأ الاعتقاد أن يكون ما ذكرناه حجّة كافية لاصحاب الاشراق الصوفي والاتحادي العرفاني على أنها إمكانية حقيقية ومتاح لهم تحقيقها, وأنها وأن كانت لا تمتلك الاقناع العقلي بها لكنها كافية لديهم للتعايش مع إشكالية الأصل في عدم إمكانية تفسير الخالق بانه علة بلا معلول , وأنه وجود ازلي سرمدي واجب الايمان به بالضرورة والحاجة البشرية له.
فلماذا لا تكون التجربة الصوفية صادقة ايمانيا بزعمهم في مثل هذه الإشكالية العصّية على التفسير بمنطق أو منهج فلسفي أو لاهوت ديني يلتقي باشكالية الميتافيزيقا وأختلافات التفسير اللاهوتي المتنوعة.؟ التي لا تمتلك لحد الآن حلولا مقبولة.
بمعنى أن القضايا الميتافيزيقية والدينية اللاهوتية التي ليس لها حل, هي نفسها الايمان الغيبي في قضايا الصوفية كيقينيات لا تمتلك برهان صحتها ولا نفيها, ولكن يوجد من يؤمن بها ويدعو لها ويزيدها ارباكا وغموضا.
ما يجعل الشك وعدم الترجيح والتسليم في أن تكون التجربة الصوفية حقيقة وليست ذهانات خيالية اغترابية تغذيها الجوانب النفسية اللاشعورية الوجدانية التي يخلعها المتصوف على الخالق المتصورالمعشوق , ويرتد فيها وعليها في وعيه وفي تأكيد ذاتيته الاضطرابية مستعينا بنفس المعيار الاشكالي غير المحسوم في غالبية الإشكاليات اللاهوتية الدينية والفلسفية في معالجتها قضايا الميتافيزيقا التي يدخل ضمنها الدين و الصوفية من دون حل مرضي ونتيجة مقبولة.
ترى البوذية الصوفية zen ردا على إشكالية عدم وجود المتعين وجودا بنفس معيارية عجزالعقل البشري في ادراك أي نوع من أنواع الصفات الإلهية او إمكانية الاتحاد بها في تجربة المتصوف في غير مجال الطبيعة والانسان والكوني, وهي وجهة نظر لا تبتعد كثيرا عن الدوران حول مركزية الإشكالية اللاهوتية في غالبية الأديان التي تجمع على أن وجود الله هو في تجلياته الطبيعية وصفاته المدركة عقليا وعاطفيا التي يتساوى في ادراكها المتصوف وغير المتصوف الديني ميتافيزيقيا وماديا, وعليه لا تطرح البوذية معالجات جديدة يمكن الاعتداد والتسليم بمقبوليتها فتقول (طالما أن النرفانا هي الحقيقة النهائية التي هي بغير تمايز ولا أختلاف أو ثنائيات ,وأنه لا توجد تفرقة في الحقيقة النهائية بين النرفانا واللانرفانا,بين الحقيقة واللاحقيقة وبين التعاليم واللاتعاليم, لذا يعلن بوذا أن الوجود واللاوجود ينبغي رفضهما معا, لا على أنه وجود ولا على أنه لا وجود أو عدم ).ص 253 من المصدر كتاب والتر ستيس(الفلسفة الصوفية) .
بضوء ما ذكرناه آنفا أنه لمن المهم أن نعيد للذهن عدم إمكانية المتصوف تجاوز ذاتيته الصوفية التعبدية التي تعني التشتت واللانظام والكثرة بصفات لا (انسية) أو لا بشرية تصوفيّة أمام الواحدية الكلية الإلهية التي هي غير ذاتية ولا موضوعية, كي يستطيع الصوفي تنظيم وبرمجة مدركاته الحسية والتخييلية في أمكانية الاتحاد الصوفي بها,فالواحدية الالهية هي اللامتعين اللانهائي غير المحدود زمانا ومكانا, واللامختلف في واحديته ولا هوية تميزّه يمكن ادراكها بأي وسيلة تصورية ادراكية بشرية , فهو الخالق بذاته (نومين) وليس من أجل ذاته بعلاقته بالآخر فهو ليس بحاجة الى غيره وبعيد عن امكانية التشيؤ بأي معنى أو مظهرحسيا أوتخييليا أمام من يرغب ذلك من مريدي الاتحاد به من أصحاب الصوفية .
كل هذه العلاقة غير السوية وغير المتكافئة بأدنى شروط المعيارية المقارنة بين الله والانسان, أنما تجعل المتصوف يسلك طريقا خاطئا, ولا يعود بحصيلة لتجربته يمكن الوثوق بها والتيّقن منها, لا كتجربة خارج ادراك الشخص غير المتصوف, ولا كتجربة ذاتية تمتلك أقل الإمكانات الادراكية أو المقومات غير المنظورة في إمكانية كسر قوانين الطبيعة الشغالة في حيّزي الزمان والمكان أن جاز التعبيروتحقيق الاتحاد بالله صوفيا.
حتى عندما يعجزالمتصوفون التعبير عن تجربتهم الصوفية لغويا,فهم يعزون ذلك العجز الى ادعائهم أن اللغة كيان محدود بمدركات الطبيعة ومفهوم الزمان والمكان الأرضي فقط, ولا يمكنهم توظيف اللغة المحدودة الصوفية للتعبير والاحاطة بكيان لا متناهي ولا محدود ولا متعيّن بصفات يتسنى للبشر ادراكها أو معرفة ماهيتها.بل يذهب بعض المتصوفة أبعد من ذلك, في أن نقل التجربة الصوفية لغويا للاخرين أنما هو تخريب في أن لا يبقى للتجربة أية مصداقية,من خلال أنها تجربة بين ذاتيتين اثنتين لا واسطة ثالثة تدخل بينهما.لذا نجد أعدام اللغة تصوفيا عمل مقصود لذاته وليس عجزا في استعصاء لغة التعبير توصيف التجربة الصوفية فقط.
وحدة الوجود في المسيحية
يطرح والتر ستيس إشكالية وحدة الوجود في الأديان السماوية التوحيدية بالتساؤل التالي:(ما الذي يحدث في لحظة الاتحاد الصوفي مع الله؟ هل تصبح روح الصوفي ببساطة متحدة بالله؟ ام تبقى وجودا متمايزا ومختلفا عن الله تماما؟ ام ينتج عنهما هوية ثالثة في الاختلاف الاتحادي) (6) .
من المبكر التأكيد بالقطع ان المسيحية تفهم الاتحاد بالله انه لا يعني بالمطلق وحدة الوجود الذي تدينه كما في ادانة الإسلام له عند الصوفية ولا تقرّبه.
فالقديسة تيريزا تصف الاتحاد بالله بقولها ( واضح جدا ما الذي يعنيه الاتحاد, شيئان متمايزان يصبحان شيئا واحدا(7). تفسير الاتحاد هنا يعني ان الشيئين كلاهما يحتفظان بكيفياتهما المتمايزة غير المشتركة بعد الاتحاد لا قبله فقط اثناء التجربة الصوفية, ويفقدان الله والتصوف تمايز الكيفيتين وقت الاتحاد, فمثلا التقاء نهر مع نهر اخر يكونان نهرا ثالثا في كيفية واحدة جديدة ,(مثال واقعي التقاء نهري دجلة والفرات وتكوينهما شط العرب في العراق) لكنهما في حقيقتهما (النهرين) يلغيان المجانسة المشتركة (بالماء) وذوبانها في خصائص كل منهما في المجرى النهري الثالث بلا رجعة, ويكتفيان بتمايزهما كنهرين غير متصّلين قبل التقائهما واتحادهما معا في نهر شط العرب,
ربما هذا المثل يفيدنا في الاتحاد الطبيعي المادي بين شيئين ماديين بكيفيات معلومة محسوسة ومشتركة عقلانيا لدينا , لكن هذا النوع من الاتحاد في الطبيعة غير صحيح في التعميم في وصف تجربة الاتحاد الصوفي الروحانية غير المادية بالله, من حيث اذا ما حقق المتصوف (كيفية ) متمايزة عن كيفية البشر في الاتحاد الصوفي المؤقت بالله , فالنتيجة رجوع كل من الله والصوفي الى كيفياتهما الاصيلة قبل تحقيق اتحادهما وعودة المتصوف الطبيعي الخارج من تجربة الاتحاد الصوفي كأنسان ارضي كما هو قبل الاتحاد الروحي.
لكن في مثال التقاء النهرين وتشكيلهما نهرا ثالثا بكيفية ثالثة يتعذّر على أي من النهرين العودة الى كيفياتهما المستقلة قبل اتحادهما وتكوينهما حالة كيفية جديدة ناشئة من أتحادهما.
لانهما يمتلكان كيفيتين ماديتين من نوع واحد هو (الماء). فالكيفيات المختلفة في حالة الاتحاد الصوفي تبقى متمايزة بالصفات, فالاله هو الخالق ,والصوفي يبقى بشرا لا غيراذا صح تواصله مع الخالق أم لا.فالصوفي لا يمتلك أية خاصية تربطه بخاصية يمتلكها الله, وبخلاف ذلك يكون التشكيك في صدقية التجربة الصوفية أمر مفروغ من مشروعية التسليم به.
ولنطّلع على هذه العبارات لفيلسوف كبير في قضايا الصوفية تذهب لتاكيد ما ذهبنا له في العبارات السابقة ,يقول روز بروك:(كما أن النار لا تصبح حديدا, ولا يصبح الحديد نارا, فأن المخلوق المتحد بالله لايكون الها, كما لا يصبح الله مخلوقا).(8). وهذه من أبلغ التبيرات الفلسفية اللاهوتية الموفقة , لكنها لا تتوافق تماما مع قول القديس يوحنا :(ان الاتحاد بالله اتحاد مشابهة يحدث عندما تتطابق ارادتان, إرادة الله وإرادة الروح معا,تلك الروح التي وصلت مرحلة التطابق الكامل والمماثلة فتتحد اتحادا تاما مع الله وتتحول الى الله على نحو يفوق الطبيعة ). (9)
هنا واضح جدا من عبارة يوحنا أن الانسان الصوفي يمكنه أكتساب صفة فوق بشرية بالاتحاد مع الله ليرجع يفقدها بعد زمن انتهاء تجربة الاتحاد الصوفي.ومن هنا يجري التأكيد على أن الذات الفردية للمتصوف التي يتسنى لها زعم الاتحاد بالذات الإلهية, أنما تبقى محتفظة بهويتها الخاصة البشرية بعد عودتها من رحلة التجربة الصوفية ولا يمكنها الاتحاد الهوياتي الكيفي من غير الاختلاف مع الذات الإلهية.
عند أمعان النظر جيدا في عبارات يوحنا حامل الصليب نفهم أنه لا يتحدث عن الاتحاد الصوفي بالله في المسيحية, ولا يتحدث أيضا عن وحدة الوجود, بل يتحدث عن أسقاطه اتحاد أعجازي مستمد من تجربة المسيح في الولادة وفي الصلب والقيامة,وفي خرقه نواميس الطبيعة في أعجاز لا يستطيعه البشر المتصوفة ولا الناس العاديين, عليه لا يترتب على مثل هذا النوع من الاتحاد مبدأ التعميم الصوفي في مفهومة وحقيقة الاتحاد بالخالق. وهذا لا يمنح تفويضا لاهوتيا أن بمقدور كل صوفي يقّلد تجربة ما مر به المسيح .فالمسيح يمتلك أعجازا ممنوحا له من قبل الخالق في تمكينه أجتراح المعجزات التي لايستطيعها أحد من البشر في قيامه بخوارق الأفعال, وهو ما يعجز عنه الصوفي أو أي كائن انساني عادي.
أنه لمن المهم أن فكرة وحدة الوجود في المسيحية مرتبطة ارتباطا وثيقا في اللاهوت الديني المسيحي, وتعاليم الكنيسة اكثر من ارتباطها بفهم فلسفي صوفي كما يتاكد لنا من هذا الاقتباس:(أن ايكهارت وهو من أعظم متصوفة المسيحية في القرون الوسطى أنه كان يردد في مواعظه بما أتهمته به الكنيسة على انه يزعم الهوية مع الله, في قوله:ينبغي على المرء أن يحيا بحيث يكون متحدا مع ابن الله لدرجة أن يصبح هو ذلك الابن,حتى لايكون بين الروح والابن أي تمايز ) ص 285 من المصدر المشار له سابقا ونعتمده في هذه الورقة.
ويقول القديس بولص؛(اننا جميعا نتحول الى الله, وكل مايتغير الى شيء آخر, يصبح متحدا معه في هوية واحدة ,ومن ثم لو انني تغيرت الى الله وجعلني واحدا مع ذاته, فلن يكون مع الله الحي أي تمييز بيننا, وأنا والله واحد, وعيني عين الله واحدة, وهي هي,واحدة في الرؤية, واحدة في الحب). ص286 من المصدر المشار له.كتاب والتر ستيس(الفلسفة والصوفية).
(بعبارة أخرى فان الله والروح من حيث الوجود هي كيفيات متمايزة, واتحادهما هو اتحاد تشابه كيفي أي نوعي لارادتين متفقتين, ويمكن تسمية هذا النوع من الاتحاد بالاتحاد الكيفي كتمييز له عن الاتحاد في الوجود – وحدة الوجود في الطبيعة – أو في الجوهر أو في الهوية). (10) لاحظ العبارة تقول ارادتين متفقتين ولم يقل صفتين متشابهتين لكيانين يمتلكان كيفيتين متمايزتين جدا ومختلفتين هوياتيا, ولا مجال في تكافؤهما.خالق الهي ومخلوق بشري لا يتحدان لا في خاصية كيفية ولا في تماثل صفاتي يدرك عقليا..
تفهم المسيحية ( العلاقة بين الله وجزء من العالم – المقصود بهذا الجزء الانسان – التي هي الذات الفردية في وصولها حالة الاتحاد الصوفي بالله أنما تعني الهوية مع الله حتى لو كانت خلال فترة الاتحاد على الأقل).(11)
أيضا في الاقتباس أعلاه نلاحظ مدى التحفظ اللاهوتي المسيحي حول إمكانية وحقيقة الاتحاد بالله وفي أمكانية اكتساب الصوفي كيفية خارقة لعالم البشر ,وتستمد هذا الاكتساب – حتى لو كان اكتسابا مؤقتا خلال لحظة الاتحاد كما مر بنا – في الاتحاد المتكرر بالله تصوّفيا.
هذا الفهم الهوياتي الصوفي للاتحاد بالله قد يعطي تصورا زائفا لدى الصوفي أنه بمستطاعه أن يكون ذاتا فردية وهوية صفاتية مكتسبة مغايرة لحقيقتها الاصلية البشرية الطبيعية , في اكتسابه هوية جزئية بصفات الوهية في اتحاده بالله.وهذا غير صحيح فلا يمكن لكيفيات متباينة مختلفة في الهوية والتكوين أن تتحدا ويكتسب أحدها من الاخربعض صفاته الذي هو الإلهي صفات تجعل منه فوق الانسان البشري حتى ولو لبعض الوقت , التي هي التجربة الصوفية وزمنها,وهذا النوع من وحدة الوجود يطلق عليه الكتّاب المسيحيين, وليس كل فرق المسيحيين اسم (الهرطقة).
وحدة الوجود في المسيحية بادانتها زعم الصوفية بالاتحاد بالذات الإلهية أنما تقوم على مبدأ( الهوية في الاختلاف بين الله والعالم أو بين الروح والله,وأن الاختلاف بين الله والذات المتناهية – الانسان – هو ما يسلّم به كل انسان بوصفه مسألة طبيعية لا تحتاج الى متصوف يؤكدها ولا الى فيلسوف يوضحها). ص 308
ويلتقي الإسلام بهذا النوع من التفسير التصوفي على أن هناك هوة عظيمة تفصل الخالق عن مخلوقاته, كما أن صوفية الإسلام تميل الى الاخذ بالاختلاف الهوياتي الكيفي, بين الإلهي والبشري, وعن مقولة الفناء في الله لدى صوفية الإسلام يصفها الغزالي(غاية التصوف الفناء التام في الله,تخيلها البعض أنهم أصبحوا مع الله في وحدة, كما تخيّل آخرون انهم اصبحوا معه في هوية, وتخيل فريق ثالث انهم ارتبطوا به, لكن كل هذا غلط.).ص320
علي محمد اليوسف /الموصل
الهوامش
•​نحن هنا نصف الخالق بان له كينونة وهوية وماهية وصفات, قولا مجازيا فقط فلا احد بمستطاعه الجزم ان هذه من معالم الادراك البشري لها لا ايمانيا ولا عقليا ولا تصوفيا. (كاتب المقالة).
1.​والتر ستيس /التصوف والفلسفة/ ترجمة امام عبد الفتاح امام / ص262
2.​نفس المصدر السابق ص 267
3.​نفس المصدر السابق ص 269
4.​نفس المصدر السابق ص 256
5.​نفس المصدر السابق ص 270
6.​نفس المصدر السابق ص 281
7.​نفس المصدر السابق ص 282
8.​نفس المصدر السابق ص 283
9.​نفس المصدر السابق ص 285
10.​نفس المصدر السابق ص 287
11.​نفس المصدر السابق ص 257