المجلة الثقافية الجزائرية

“وحش أسطوري”

الكاتب: رضا سُليمان

فى قطاعنا المحلى، الانتخابات يوم الرابع عشر من الشهر الحالى، أربعة أعوام مرت منذ مثيلتها الأخيرة، تلك التى أظهرتُ فيها نشاطًا ملحوظًا ، عمى كان مرشحًا على قائمة حزب معارض.
وقتها يحدثنى أحدهم فى أول لقاء بيننا:
– أعرفك منذ زمن بعيد.
دُهِشتُ .. تأملته لحظة وأنا أحاول تذكر مرة رأيتُه فيها، لكنى لم أنجح .. تساءلتُ ببساطة أوارى بها فضولى:
– كيف؟
يجيب بهدوء الواثق:
– فى قسم البوليس، سألنى الضابط عنك وعن نشاطك.
الحمد لله، لقد انتهت الانتخابات ومرت المعركة بسلام، و رسب عمى وبقية مرشحى الحزب المعارض. أربعة أعوام تمر، انتظرتُ المعركة القادمة، فى المساء كنت أحلم بتزايد ملحوظ فى نشاطى فى هذه المعركة، أتحرك بخطى جريئة بين أفراد الشعب، فى حماس ملحوظ أصرخ:
– قبضوا على “كامل” ممثل الشعب، لقد أودعوه السجون .. لا .. المعتقل.
طرق التعذيب الرهيبة، والتى قرأت عنها فى جريدة معارضة، كنتُ أوضحها لإثارة الجمع من حولى، لحظات وألفيتهم يسيرون خلفى، يرددون ما أقول فى حماس وانفعال، أعدادهم تتضاعف، أصبحنا كالوحش الأسطورى.
– إلى أين ؟ (يتساءل أحدهم)
– إلى بيت الطاغية.
نزحف مثل جسد يتضخم حتى الساحة، يخرج علينا الطاغية، يقف فى شرفة منزله، أصلع الرأس إلا من بقايا شعر تحيط به أشبه بالليفة، يرتدى جلبابًا واسعًا أوضح قصر قامته.
– أين المناضل كامل؟
بهذا يهتف الوحش الأسطورى، تهتز الأرض أسفلنا، يترنح الطاغية إثر زلزلة المكان، يتعلق بحديد الشرفة، يخاطب الجموع بصوت مشروخ أظهر خواء داخلى:
– كامل ليس مناضلًا، إنه منحرف، و .. (يتوقف لحظات كمن يبحث عن كلمة) .. و .. منحرف .. و.. وصايع .
نعم .. لقد قال هذه الكلمة، قاموس كلماته لم يسعفه بغيرها، أتذكر مدير المدرسة الثانوى وهو يحلف علينا، نحن الطلبة، بالطلاق ..!!
همهمات مثل طنين النحل تسرى بين أعضاء الوحش الأسطورى .
– إنه بطل .. ترك كل شئ من أجل كلمة الحق والوطن، أين هو ؟
– إنه مناضل، لقد أزاح الستائر السوداء، فتح نوافذ العلم.
– والمكانة الدولية.. وفى صحبته عرفنا كلمة ” لا “، واليوم نقول “لا” ..
– أين كامل، أين كامل؟
يصرخ الجميع فى صوت واحد، يصرخ الوحش الأسطورى :
– أين كامل .. أين كامل ؟
يصرخ صوت من بين الجمع قائلاً:
– من الأفضل أيها الرجل أن توضح لنا ماذا تقصد؟
آه، اصمت أيها الزميل، سؤالك أخرس الألاف وبث الروح فى لسانه، أسلمته عصا الحديث وأسلمتنا عصا الصمت.
ترقص ابتسامة غانية على الرأس الصلعاء، يتذكر صاحبها وجه الرجل الذى سأل، إنه شخص زُرِع خصيصًا لمثل هذه اللحظات، الأغبياء.
تتسع ابتسامته حتى تصل إلى كرشه فيربت عليها بيديه وهو يقول:
– أخبرتكم أن كامل منحرف، أخته، أبناء عمومته، أصدقائه، استغلوا اسمه وجهاده الذى تزعمونه، ذهبوا به إلى أسفل السافلين، ألم يصلكم خبر القبض على أخته فى بيت للدعارة .
تعلو كلمات الرفض، والدهشة، والخنوع بين أفراد الجمع .. لا ينتظر ظهور مُعارض، ينطلق قائلاً:
– والآخرين كانوا زبائن للملاهي الليلية والسهرات الحمراء، ولدينا الأوراق التى تؤكد ذلك.
همستُ بيأس ” قيمة الشخص فى ذاته ونحن نطلبه هو، وأوراقكم مزيفة”. يبدو أن المسؤول الأصلع سمع همسي، يلقى بنظرة إلى ناحية ما، ثم يبتسم ويقول للجمع:
– إننا نحبكم .. نعمل من أجل مصلحتكم.
سمعتُ صوتًا ناعمًا يأتى من خلفى يخاطبنى:
– أسمعت أيها الوسيم، أنني أعرف أخته وأعرف كيف قبض عليها.
التفتُ فإذا بصاحبة الصوت .. ساحرة، آتية من الناحية التى نظر إليها الأصلع، عيناها واسعتان سوداوان، صدرها العارى وكأنه مركز الجاذبية، جسدها ينثر رائحة البغاء، بدأتْ تصف لى وهى تتثنى، تراخت عضلاتى المشدودة وذابت فى حركاتها، نسيت الوحش الأسطورى من حولى.
تثبت نظراتها على عينى، أسبح فى بحور عينيها ناصعة البياض قبل أن أرسو على تلك الجزر السوداء، نسيت المسؤول الأصلع، الذى كان يضحك فى داخله وهو يلحظ انهيارى، تمد يدها وتقول:
– أنا أصف لك فقط.
تضغط بيديها الحانيتين على كتفى، أركعُ أمامها، نسيتُ المناضل كامل، احتضنتُها، ألقيتُ برأسى بين ثناياها، قبلتُ راحتيها، بحثتُ عن عينيها، كانت تنظر إلى المسئول وتبتسم، ثم غمرتنى بشلال من النظرات الحارة :
– أتأمر الوحش الأسطورى بالانصراف ؟
تساءلت فى خشوع :
– أى وحش ؟!
أشارت نحو الجمع الذى أتى خلفى منذ دقائق، تذكرتهم، تعجبتُ من سبب وجودهم، صرفتهم بإشارة وأنا ألقى برأسى ثانية بين ثناياها .. سمعتُ ضحكة المسؤول رنانة، خيل لى أنى أرى أنيابه وهو يستدير ويصفق الباب، تضحكْ هى فى دلال، وقفتُ أتأملها ومازالت تمسك بيدى، أخبرتها بسعادة طفل ينتظر هدية:
– لقد صرفتهم .
تجذبنى فى رفق:
– أتعدني بألا تجمعهم مرة أخرى؟
بدهشة أجيبها وأنا أضمها إلى صدرى:
– أجمعهم ؟! لماذا ؟ ثم كيف وأنا بين راحتيك، أغوص فى عينيك، أجلس تحت قدميك؟!
أسبلتْ عينيها وألقت برأسها إلى الخلف قليلاً في نداء جنسى ملتهب، تهاويتُ على شفتيها، غبنا فى قبلة طويلة.. طويلة .. لم تعد قدماى قادرتان على حملى، سقطتُ على الأرض، مذاق شفتيها يكوى شفتاى..!! جسدى ينتفض .. أخمش الأرض بأظفارى.
تحمل على شفتيها مادة سامة سريعة المفعول، سمعتها قبل أن تبصق على وجهى ومن عينيها ينطلق شرر نارى:
– إنها لطريقة سهلة للتخلص من أمثالكم.
تضحك بطريقة هيستيرية، يتغير وجهها، هزة عنيفة ينتفض لها جسدى، أبحث عن منقذ، أين ذهب الناس من حولى ؟! انتفض أكثر و أنا أفارق الحياة.
انتفضتُ بشدة، استيقظتُ من النوم أتأمل غرفتى فى دهشة متسائلًا:
– ما هو تاريخ اليوم ؟!