(قراءة في مجموعة الشاعر عماد عبيد – “رسائل الغياب – بريد العتمة”)
جدوى عبود
هل كتب الشاعر عماد عبيد قلقَ الشاعر أم ترف اللغة السَّاهرة على مُفترقٍ بين الزمان والجمال؟ حين عَنوَن كتابه الأخير رسائل الغياب بريد العتمة إصدار 2024 دار الينابيع طباعة ونشر.
لم يسمِّه ديوان شعر إنما أسماه رسائل رغم أن الحالة الشِّعرية متوَهّجة الضوء بين سطور اللغة والإحساس والمعنى.. وقد سلك درب الوفاء إلى من بأقلامهم فرشوا أمسيات الساهرين حدائق وردٍ؛ ارتشفَ الوعي أنخابا لما كتبوا ودونوا في الأدب واللغة وفلسفة الحقيقة الساكنة في سراجٍ توهج فيه الذوق والفكر؛ للذين أقاموا في الكلمات دماً ومعنى وقيَماً وكنتَ فيهم ومنهم فأضفت من روحك نسغاً آخر.. شعريّةٌ ممتدَّةٌ على مساحةِ الفكرة مضيئةٌ نافذتُها على شتاءٍ يُعربدُ في القصيدة الصّاخبة؛ يتغلغل في شَعر المفردات؛ يتبعُ ظلّها.. قامةٌ هيفاء مدى أسمائهم؛ ينسج المطر والرّيح أثواباً لجسدها الطالع من همسِ ما وقّعوا على رُخام الورق؛ مشرقةً بالضّوء وعناقيدِ الوَلَه المنتشي بالحُبّ، والرَّغبة والانتماء للحياة والفرح لونُ عينيها، هدأةُ الفلسفة الطّافحة من حضورها ؛ تمرقُ بين الحقيقة والشوق فلاتبالي؛ تمشي إلى وعيها؛ تُدندن أقصَى السَّغَب! طعمُ رحيق على الشَّفتين؛ وليلكٌ ينثرُ شذاه في شَعرها شلّالَ ليلٍ حزين.. رابضةٌ على تُخوم الوَجعِ والذّكرياتِ.. تقول لهم : لاموتَ للمبدعين؛ الرُّعاةُ البُناة حروفُهم أنوارٌ؛ تنكتب لهم الرسائلَ مفصَّلةً على قاماتهم الحاضرة الغائبة؛ بينا أنامل الحبر تطلق شذاها في مدى اللغة والعرفان هذا الكتاب لم يكن رسائل وحسب ، بل هوأكثر : عناوينُه القَصائد حاملات عتبات المعاني (الشهوة إلى الكمال) (كاتم أسرارِ الحزن) (قارئة كف الليل) (شاعر الحزن الصحراوي) وما كانت تلك العناوين لتحمل كل ذاك العطر إلا لأن أثراً لا يشبه أي أثر آخر قد تركه نتاج كلٍّ منهم في روح الأستاذ عماد ووعيه بالحاضرين في هذا الزمن والحاضرين في الزمن البعيد إذ لا غياب مع الكتابة، ولا رحيل. مُختاراتٌ من إبداعاتهم على رأس كلِّ رسالةٍ مضمخات بالشعر. فمع فارسة الظل سنية صالح اختار:

أنا المرأة ذات الأعوام المسننة
أنزف كجندي بتر رأسه
وأنا أذهب وأجيء وراء النافذة العالية
كأميرة تستعد للهرب
بعد أن أفسد الذعر فرحي وطفولتي.
كم هو موغل في الحياة وموغل في الموت أيضاً واختار للشاعر خليل حاوي:
لساحر يموّه الأشياء في العيون
مهرج حزين في مسرح الغجر
يروض الأفعى ويبقى حافياً
يمشي على الجمر الإبر
يعجن في أسنانه الزجاج والحجر
يضمُّ في كفيه وهج الشمس للظلال
ينسج منها هالة وشال
حورية تهبط من اكمامه الطوال.

هكذا تركوا معنى للحياة وحاكوا من نسيج الفكر منطقاً مختلفاً للأشياء التي تبث التجدد وتلفت الإنتباه إلى الحياة. ثم مساحات الضَّوء والصَّوت، حقلٌ وسيعٌ على تخومِ بين الخيال فاضت به الرؤى العاطرة فما عرفتُ ؛ أكنت كتبتَ عنهم لتحييهم فينا كقارئين أم لتحيي حضورهم في الذاكرة الجمعية أم لتُسقط الضُوء على ذكريات لا تغيب؟.. ام وفاءً لسكناهم في أوراق العمر النابت على شجر الغياب. أم كل هذا معاً وقد تمازج ما لديهم بما لديك فصارت اللغة خبزاً وملحاً وصارت الأيام سكنى وبيت؛ ووحدهم أولاء من كتبوا بهذه الروعة وهذا الشجن أقاموا في الضوء ونحن الغياب. عينك الباردة تتفرس جسد الأرض. من شمال الحياة إلى جنوب الموت يحملون على أكتافهم محض فراغ يسكنّ طريق اللهب سيشربونه في عيد الفجر توقد أصابعك تحت قدور الكوكب يفور الشعر كحليب سماوي رقص الحبر وطاف حتى أغرق الضباب لماذا نزعت قناع الوداع عن المهرج ريحك تصفر في القصب وحدها الأم العجوز ستعيدك إلى رشدك لتكتب قصائدك الجديدة على مسلة الشرف الشعري جمل شعرية طافحة بالإحساس والمعنى منتمية إلى ما كان بينك وبين هؤلاء الغائبين من خيوط حياة جبَلَتها على المعنى والجمال الكلمةُ واللغة الثّرّةُ البانية دمت كاتباً شاعراً أديباً ودامت مساحات ضوء تنبع من بين أناملك تبث إلى جانب الوفاء رحيقَ القَصائد المشتهاة.
….
*جدوى عبود – سوريا





