د. أسماء جابر
إنه ” المطارقي” الذي برع في نسج القصص والحكايات، وكأنه خُلق ليكون قاصًّا من طراز فريد، فهذا الرجل مدرسة في الإبداع القصصي والحكائي، ينتقي ما يكتب بمهارة عالية، يعي لمن يكتب جيدًا، فنجده يولي المتلقي جُلَّ اعتباره في جميع منجزاته، كما أن بصمته الإبداعية تبدو جلية دائمًا.
ويعدُ كتابه المُعَنون بـ ” حكايات للبنات” الذي صدر في طبعته الأولى عام 2006م عن مؤسسة ” أم القرى” للترجمة والتوزيع، مادةً أدبيةً خصبة ثرية؛ حيث ضم أربعة وعشرين حكاية، ويبدو لنا هذا الكتاب من عتبته الأولى أنه يستهدف الجنس اللطيف في كل الطبقات وكافة المستويات، واللاتي وصفهن مؤلفه ” هن زهراوات القلوب، ورياحين الحياة”، والذي يمتلئ عالمهن بالأسرار، ويهدينا ” المطارقي” في مقدمته أسرار رحلته في تشكيل هذا المنتج الثري، ناسبًا الفضل لأهله، فنجده كعادته لا يتجاهل أحدًا ممن أسهموا في طرح هذا العمل، ويتبنى ” المطارقي” في هذا الكتاب قضايا عدة، على رأسها ما خلفته التكنولوجيا في طبيعة الحياة ونمطها، وقضايا أخرى؛ منها ( إدمان المخدرات- الزواج العرفي- العلاقات الجنسية والعاطفية في إطار غير شرعي- تخبط الهوية الجنسية)، وكلها قضايا شائكة ترتبط بشدة بمرحلة المراهقة، تلك الفترة الحرجة من حياة كل فتاة؛ ففيها تختلف نظرة الفتاة لذاتها، وفيها تتغير أحلامها وطبيعة مشكلاتها؛ فيحذرها الكاتب من شتى صور الاستغلال الذي قد تتعرض له حين تنجرف وراء مشاعرها، وهنا نجد الأدب متضافرًا مع التربية في أبهى صورة، وتلك المسئولية التي يجب أن يتبناها الفن ولا يغضُّ الطرف عنها.
لم يكتفِ “المطارقي” في كتابه بالوقوف على الجوانب المظلمة من حياة بعض الفتيات المعاصرات، وإنما قرن التحذير بتقديم نموذج القدوة، فنجده يقدم حكايات لفتيات متميزات إيجابيات صانعات قرار، تغلَّبن على واقعهن المرير، وقد وضع ” المطارقي” حكايات كتابه تحت عناوين تتسم بالجرأة؛ ربما لجرأة الموضوعات التي اختارها مادةً لكتابه، فعلى سبيل المثال “سر غشاء البكارة” ثالث حكايات هذا الكتاب، والتي عالجت قضية ماهية الحرية وحدودها، فالحكاية تبدأ بفتاة يقتلها الخوف؛ لحملها بدون زواج، ثم تكشف لنا الحكاية أن والد تلك الفتاة كان أحد الدعاة إلى ضرورة ما يسمونه ” المساكنة” بين الفتاة والفتى قبل الزواج ومناصريه، ثم يسافر هذا الرجل إلى الغرب، ليرى بأم عينه مظاهر الحرية المطلقة التي كان يدعو إليها بشدة، فيجد نفسه رافضًا لهذا التحرر الذي صار شاذًا بنظره، واصفًا نفسه في موقفه القديم بـ ” شابًا أرعن، مبهورًا بنور الغرب الذي اتضح أنه نار موقدة تحرق كل القيم والصفات النبيلة التي عشنا عليها، إنهم يتحركون كجثث الثلج، ليس ثمة دفء”. ليتعامل بأسلوب جديد مع بناته يتسم بالصرامة والتحفظ الشديد، ويقرر العودة ببناته إلى مصر، فهو لا يأمن عليهن بمجتمع الحرية المطلقة، ويقرر أيضًا أن يكفر عن ماضيه، فراح يكتب من جديد كتابات مخالفة لما سبق، وبرغم رجوعه عن موقفه القديم فإنه دفع ضريبة باهظة، حيث حملت ابنته الصغرى حملًا غير شرعي من علاقة شاذة برغم عدم فقدها لغشاء البكارة. وجاء تناوله لتلك القضية الشائكة بأسلوب يبعد عن الابتذال، فقد انتقي مفرداته بعناية بالغة.
ولم تكن تلك الحكاية الوحيدة التي تتناول قضية الشرف المرتبطة في ثقافتنا العربية بغشاء البكارة، والذي حاول الكاتب التأكيد على ضرورة تغيير محدودية الفكر تلك، فبعض الفتيات الشريفات قد تعرضن لفقده عن دون قصد، فيصوَر صراع تلك الفتيات وعدم تقبل المجتمع لهن، فيروى في حكاية ” شارة الخطر” قصة ربيبة تعرضت لانتهاكات جنسية على يد زوج أمها أفقدتها بكارتها وهي طفلة لا تدري ما يُفعل بها فتظنها مداعبة، وعندما كبرت تلك الطفلة سمعت من زميلاتها عن هذا الغشاء الذي يعتبر دليلًا لشرف الفتاة وعفتها، لتبدأ في رحلة بحثها لتعلم حقيقة موقفها هل ما زالت عذراء أما ماذا؟، ويذكر الكاتب بشكل علمي مستعينًا بكتاب ” أنت والمتاعب التناسلية” تعريفًا جامعًا مانعًا لغشاء البكارة، مقدمًا للفتاة نصائح حول “كشف العذرية”، ويحسب له عنايته بمخاوف الفتاة حيال هذا الموضوع الشائك، وبرغم أن بطلة حكايته قد حرمت من حقها بالزواج؛ لعدم تفهم من تقدم لها حقيقة ما تعرضت له، ورفضها أن تقوم بجراحة تصلح ما أفسده ذلك الحقير؛ لاعتبارها أن ذلك خداعًا، فقد لجأت تلك الفتاة إلى العلم، والعمل الخيري بالجمعيات الخيرية؛ لمساعدة الفتيات اللاتي تعرضن لما تعرضت له، فقد قدمها الكاتب بإيجابية شديدة، وهذا الحل الذي قدمه الكاتب مقبول جدًا، فهو لا يريد أن تعتقد تلك الفتاة الضحية أن حياتها بلا جدوى، فتنظر الموت، أو تسلك مسلكًا لا يرضاه الله ولا عباده.
ويشير الكاتب إلى غشاء البكارة في موضع ثالث، من خلال حكاية ” ليلة الدخلة”؛ ليعبر بغير خجل عما يجب أن تفهمه الفتاة حول هذا اليوم الفارق بحياتها، وعندما نتفحص تناوله للموضوع ذاته في أكثر من موضع بكتابه، نجده قد حرص على التنوع في طبيعة التناول، ليقدم تصورًا شاملًا لكل ما يدور في ذهن الفتاة حول هذا الموضوع الشائك.
ولأن المشكلات العاطفية حليفة الفتاة في تلك السن، أراد الكاتب توعية الفتيات بخطورة الإنجراف وراء تلك المشاعر الزائفة التي تناديها وتطاردها، خشية الندم والأسف، ويأتي الكاتب ليصف حالة التعطش العاطفي التي تعاني الفتاةُ ويلاتِها وتجعلها تنجرف أحيانًا كفريسة للاستغلال بشتى صوره المادية والمعنوية، فنجد بطلة حكايته الأولى “على نغمات المحمول” متعطشة لسماع الكلام المعسول، ليأتي إليها البطل ذميم الشكل والخلق؛ ليشبع لديها تلك الرغبة الجامحة، ويقوم باستغلالها بشتى الطرق، وهي مستسلمة له، لتتفاجأ أنه متزوج، وبرغم علمها بهذا استطاع خداعها مرة أخرى، فأخذ يقسم لها أنه لا يحب زوجته وأنه دائمًا في صراع معها، ويريد أن يطلقها، ثم يعاود استغلاله لتلك الفتاة فأخذ يتقاضى منها أموالًا كمصروفات طلاق زوجته، لتكتشف في النهاية أنه لم ولن يطلق زوجته، وهنا اكتفى “المطارقي” بإلقاء الضوء على مشكلة الاستغلال والتلاعب بمشاعر الآخر دون أن يقدم حلًا، فقد اختزل نهاية حكايته بتصوير البطلة وهي تتجرع ويلات الندم على ما ألحقته بنفسها؛ لتصبح بهذا عبرة لكل قارئة.

ومن المشكلات التي عالجها الكتاب أيضًا التردد على المواقع الإباحية وزيارتها، ومتابعة ما تبثه من سموم شاذة عبر شبكة الإنترنت، وتلك السموم قد تتعرض لها الفتاة صدفة، فيدفعها الفضول لمعرفة المزيد والمزيد لتتحول لحالة من الإدمان، وقد عبر المطارقي عن هذه المشكلة في حكايته “الدخول في الممنوع” حيث صور مشاعر الفتاة المتناقضة بين ما تحمله من شغف لِتَعَرُّف هذا العالم وبين رفضها له، فبطلة حكايته صارت من المترددين على تلك المواقع بعد أن كانت قمة في التدين والالتزام، فتصاب بحالة رفض لذاتها، فلا تجد ملاذًا أمامها سوى الصلاة، وكأن الكاتب يقدم حلًا منطقيًا لتلك المشكلة هو العودة إلى الله والتوبة.
وقد تناول المطارقي قضية نعدها من أخطر القضايا “تخبط الهوية الجنسية” في حكايته “تحولات الجسد”، فيروي فيها حكاية شاب يُدعى ” خالد” ولد وحيدًا على أربع شقيقات، ويستغرق الكاتب في وصف بطل حكايته، من حيث مظاهرُه الجسدية والشكلية والسلوكية التي تميل إلى الطابع الأنثوي، ليختم الحكاية بتأمل البطل لجسده؛ ليجد جسده يحمل من صفات الأنوثة أكثر من صفات الذكورة فيصاب بالتخبط، ليقوم والده بعرضه على طبيب نفسي يقوم بدوره بعرضه على أطباء مختصين، ليقوموا بفحصه وعمل ما يلزم، وتحديد هويته الجنسية حسب ما يرونه، وكان تناول الكاتب لما يدور في خلجات نفس هؤلاء المتخبطين جنسيًا من أفكار ومشاعر تناولًا واعيًا، ينمُّ عن فكر متحضر سوِىٍّ متقبلٍ للاختلافات، ويحسب له أنه وضح للقارئ سبل التعامل مع هذه المشكلة فحدد خطوات حلها بشكل علمي متزن.
وقد أستمد ” المطارقي” مادة حكاياته من روافد عدة، لم يخفيها بل صرح بها، فنجده يغزل حكاياته من قصص وقعت بالفعل على سبيل المثال حكاية “أسباب للسعادة … أسباب للشقاء”، استوحى فكرتها من حادثة حقيقية نشرتها جريدة أخبار الحوادث بتاريخ 13 يناير 2005م العدد 6676، تحكي عن مؤامرة دنيئة تعرض لها زوج على يد زوجته وعشيقها، حيث دس له السم بالشاي ومات، في حين حكم على العاشقَيْنِ بالإعدام.
واتسمت حكايات هذا الكتاب بغياب التفاصيل المعتادة في بناء القصة الفني، فلم يعط “المطارقي” أسماءً لشخوص معظم حكاياته، بالرغم من أنه أطنب في وصف شخصيات حكاياته، وخاصة ملامحها الشكلية والجسدية، ليساعد المتلقي على رسم صورتها، وأذهلني تصويرُه لما يعتري شخوصَ حكاياته من مشاعر وانفعالات، فقد بدأ أغلب حكاياته بتصوير معاناة بطلات قصصه النفسية، وما تعانيه من آلام؛ وكأنه يعي تمامًا سيكولوجية الأنثى في حال حزنها وأسفها؛ على سبيل المثال في حكاية “الدخول في الممنوع” “إحساس بغيض بدأ ينتابها، يعتصر قلبها من الداخل، تبحث عن مخرج، يتولد لديها إصرار على الخروج من هذا المنزلق الآثم”، وهذا الوعيُ مطلوبٌ بشدة في كل مبدع، بل يقاس إبداعه بمدى قدرته على تلبس شخصيات عمله والتعبير عنها بصدق، وعندما نتتبع إبداعات “المطارقي” نجده واعيًا بطبائع النفس البشرية على تناقضاتها، لديه خبرة عالية بسمات الكائن البشري وخصائصه واتجاهاته في الحياة. كما نوَّع “المطارقي” في رسم مواقف الشخصيات الذكورية والأنثوية، فأخذ ينوع في حكاياته بين أنماط الشخصيات المتعارف عليها؛ كالشخصية المستسلمة الخاضعة، والإيجابية الثائرة، كما أن التباين في تشكيل شخصية الرجل بحكاياته أضفى مصداقةً وتوازنًا على العمل، فلا نجده يحمل الرجل أخطاء المرأة، ولا يحمل المرأة أخطاء الرجل، فهو ينتصر للمغلوب.
ولم يحدد كذلك البنية الزمانية والمكانية الدقيقة لأغلب حكايات الكتاب؛ وكأنه يركز على “الحدث” كثيمة أساسية لحكاياته، ويريد أن يجعل المتلقي متوحدًا مع أحداث الحكاية لا ينفك عنها أو ينشغل بسواها.
أما عن اللغة التي استعملها في نسج حكاياته، فقد كانت فصيحة بسيطة واضحة، تعبر عما يرمي إليه بوضوح جمّ، اتسمت بكونها إيحائية بعيدة عن المباشرة والتصريح، وتميز أسلوبه بالسلاسة التي عهدناها لديه، فنجده ماهرًا في انتقاء ألفاظه، عبقريًا في صنع تراكيبه كعادته، ولم يغفل “المطارقي” الصورة وما تضفيه من جمال على النص؛ فقد قدم صورًا رائعة منوَّعة خاصة في مستهل حكاياته.




