المجلة الثقافية الجزائرية

وعي الذات مبحث اشكالي بالفلسفة

علي محمد اليوسف

تقديم
يعتبر وعي الذات مبحثا إشكاليا فلسفيا كلاسيكيا مجمعا على تناوله لدى العديد من الفلاسفة على إمتداد عصور طويلة, لما له من إرتباط وثيق بالانسان كوجود عاقل مفكر ناطق, وإرتباط وعي الذات أيضا في التخارج مع الموضوع جدليا, وعلاقتهما الاثنين (الوعي والموضوع) باللغة كتعبير عن عالم الموجودات الخارجي.
إن وعي الذات (الخالص) الذي أشار له سارتر هو وعي (بذاته), وفي التعبير الفلسفي الفينومينولوجي (نومين/ وجود في ذاته), وفي هذا النوع من الوعي الانساني يلازمه إستحالة إدراكية للعقل لا يمكن الانسان بلوغها في إدراك ماهيته الذاتية وكذا معرفته ماهيات الاشياء والموجودات غير المدركة وليس صفاتها فقط , فالموجودات في الطبيعة بذاتها لا يستطيع الانسان إدراك ماهياتها أنطولوجيا,, ولا تمتلك هي (وعيا بذاتها), بمعنى أنها ثوابت تحمل ماهاياتها وصفاتها وظاهرياتها معا, ولا يمكن التأثير فيها خارجيا أو تحريكها أو التفاعل معها بوعي مشترك متبادل متخارج معها إنسانيا وغير إنساني,,, لذا فهي (وعي بذاته) مكتسب كل الإستقلالية عن الآخر من نوعه في العالم الخارجي للموجودات ماعدا الانسان كوجود نوعي متعايش معها,, الوجود بذاته يكون خارج مدركات الانسان العقلية..
والموجودات التي تنطبق عليها مقولة كانط (موجودات بذاتها) تتصف في عدم وعيها لذاتها من جهة, ولا تعي إدراكها الطبيعة من حولها من جهة أخرى,, بخلاف الانسان الذي يعي وجوده الذاتي ويعي موجودات الطبيعة من حوله,, وفي مثل هذا النوع من الوجود(بذاته) لا قيمة إنسانية تتمثل فيه بل تكون قيمة الموجودات (بذاتها) ممثلة في أهمية إدراك الانسان لها في وجودها الظاهري كصفات خارجية فقط وليس كجواهر ماهوية ساكنة بذاتها غير بائنة حسّيا ويتعّذر إدراكها عقليا.
والوعي في ذاته أو بذاته بالنسبة لموجودات الطبيعة غير الانسان, هو الموجود الذي لا يعقل غيره أو لاحاجة له بذلك, ولا يمتلك قدرة تغيير الاشياء والموجودات من حوله أو تبادل الإدراك المتخارج معها…وهذا النوع من الوعي الوجودي بذاته المغيّب يمكننا إعتباره وجودا إفتراضيا لموجودات الاشياء يلازم وعي الوجود الانساني الذي يتوفر على طبيعة نوعية في وعي الوجود المتخارج مع الموجودات بديالكتيك جدلي….بمعنى الوجود بذاته في الموجودات هو موضوع متحقق مدرك إفتراضا حدسيا ولا يطاله الإدراك الانساني حقيقة قصديا في ماهيته وجوهره من قبل الموجود لذاته (الانسان) ولا يتبادل الإدراك معه…كون موجودات الاشياء لا تعقل ذاتها ولا تدرك الانسان في تعالقه معها ولا تستطيع مجاراته بإدراكها له كما يفعل الانسان معها ومع موجودات الطبيعة التي يرغب معرفتها..
سارتر و (الوعي الخالص)
الوعي (الذاتي الخالص) هي مقولة سارتر في تعريفه هذا النوع من ألإدراك الانساني الذي لا قدرة للانسان الفيزيائي بلوغه, فهو نوع من النشدان والطموح المثالي الملازم في محاولة وصوله درجات من التسامي الصوفي الذي لا يحتازه ويمتلكه الانسان الطبيعي السوي, وهو وجود لا يتعيّن إدراكه بوعيه بذاته ولا وعي وجوده في تعالقه بوعي الآخرين لوجوده…وأمثلته نجدها في ظواهر طبيعية أوظواهر خارقة للطبيعة محدودة جدا.الوعي الخالص لا تمتلكه الموجودات غير العاقلة,, أما بالنسبة للانسان فهو وجود بذاته أيضا لا يتوفر عليه الانسان ولا يتمكن الإفصاح عنه كمدرك موضوعي لغيره..
فالله وجود (بذاته إفتراضا) وهو وجود ذاتي خالص يمتاز بأنه لا حاجة له في وعي الانسان أو الطبيعة به ولا يتحدد إدراكه الوجودي الايماني الغيبي بوعي الآخرين له , وكذلك هو في غنى عن وعي الطبيعة في كل موجوداتها ومظاهرها وأشيائها كموجودات في ذاتها أن تدركه, فالطبيعة لا تمتلك وعيا أدراكيا تعرف به الله كما لا حاجة بها أن تعي الوجود الخالص غير المتعّين وغير المدرك إنسانيا وتعجز عن ذلك كما هو عجز الانسان مثلها في أستحالة معرفته الوجود الذاتي الخالص للخالق الذي هو وجود مكتف بذاته,,,
في ادراك ذاته والطبيعة وعي الانسان
موجودات الاشياء بالطبيعة لا يمكنها أن تعي بعضها البعض الآخرفي تبادل إدراكي مثمركما في علاقة الانسان الإدراكية معها…..لذا تبقى حاجة الانسان لوعي الطبيعة والإستفادة منها قائمة وضرورية, في حين تعجز الطبيعة إدراك ذاتها ولا تعي غيرها من الموجودات والكائنات فيها أو من حولها… أن وعي الذات الانسانية للطبيعة هو في أن يعقل الانسان وجوده وفي أن يعقل ويدرك وجود الموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي من حوله كموضوعات… والانسان يكون وعيه لذاته والآخرين من نوعه أو من غير نوعه كموجودات يتم بالتمايزالنوعي المفارق بينهم جميعا,,, وعي الذات إدراك أنساني لذاته كونه متعالقا وجودا ومتغايرا مفارقا مع وجوده (في – ذاته) الذي هو حالة من الوجود الذي لاقيمة حقيقية له سواء أدركه الانسان أم لم يدركه, لكنه بالنسبة لموجودات الاشياء في الطبيعة من غير الانسان يكون الوجود (بذاته) السمة الجوهرية السالبة الغالبة على وجودها الطبيعي كمدركات للعقل الانساني في وقت لا تعي هي (ذاتها) ولا تبادل الانسان إدراكه لها, والنومين أي الوجود (بذاته) في أشياء وموجودات الطبيعة هو ضرورة أنطولوجية لها في إدراك الانسان لها كموجودات بصفاتها الخارجية فقط من غير معرفة ماهياتها, والوجود بذاته في موجودات الطبيعة من غير الانسان, أنما هو جوهر ملازم طبيعي أن تمتلكه الاشياء في الطبيعة الجامدة ولا يمتلكه الانسان ولا يسعى الانسان إمتلاكه لأن الموجودات بذاتها هي مواضيع أدراك العقل الانساني في صفاتها وليس في ماهياتها غير المدركة, لكن في تمايز الانسان عنها أن الانسان لا يكون موضوعا مدركا لها أي لموجودات الطبيعة….
– فالوجود بذاته – حالة سلبية يتعذر على الانسان السوي نشدان تحققها ذاتيا في (أناه) فهي تقعده تماما عن إداء دوره ومهمته كفرد منتم لمجتمع…والمدركات بذاتها في موجودات الطبيعة هي مواضيع للإدراك العقلي الانساني على الدوام متفاعلا معها من حوله وفي حالة حركة دائبة مستمرة من التفاعل والتخارج معها,,,توجب على الانسان أن يكون جزءا منها ومعايشا لها في الطبيعة, لكنه مفارق ومتخارج معها متمايز في إدراكه لها في عجزها هي إدراكه.
كيف يعي الانسان نوعه والطبيعة
أن الانسان ذات وموضوع في وقت واحد,فكروتعبير,مادة وإدراك, يتبادلان الإدراك ألتأثيري التناوبي التخارجي, فإلانسان يدرك الموضوع ويعيه حسّيا وعقليا, ويتناوله تفكيرا ماديا أو خياليا,ويعبّر عن هذه العلاقة باللغة وبغير اللغة من وسائل التواصل مثل لغة حركات الجسد في اليوغا والمسرح الصامت ولغة الفن الكامنة في قلب التجريد التشكيلي في الرسم والنحت وضروب الجماليات الفنية… والانسان يعي ذاته الفردية عقليا أيضا,بخلاف مع موضوع إدراكه غير (الانسان), فالموضوع الذي يدركه الانسان لا يشترط به إدراك ذاته ولا الانسان ولا الطبيعة لا داخليا عقليا بالذهن ولا خارجيا عقليا في التعبيرعنه ولا تمتلك الموجودات علاقة تناوبية متخارجة مع الموجودات وألاشياء من نوعها بخلاف ما يفعله الانسان بعلاقته معها…
فالموضوع يكون مادة يدركها الانسان بمقدار أهميتها وحاجتها له , وهي أي المواضيع لا تدرك ولا تعي مبادلة الانسان وعيه وحاجته لها, وهذه العلاقة الادراكية الواعية القصدية بين الانسان والموضوع المادي تختلف عن علاقة إدراك الانسان للانسان من نوعه… فالموضوع يكون موضوعا مدركا ثنائيا بشرط إرتباطه التعالقي المتخارج بمن يدركه وهو الانسان…بمعنى أن الانسان يدرك ذاته ويدرك موضوعه ويدرك غيره من نوعه إنسانا آخر, بإختلاف جوهري هو قدرة الانسان العقلية والمحسوسة في إدراكه الموضوعات والاشياء من غير نوعه في الطبيعة ولا تشاركه هي الإدراك ولا تبادله معه… ولا يدرك الانسان غيره من نوعه بنفس (الكيفية) التي يدرك بها الاشياء وموجودات الطبيعة… فأدراك الانسان لنوعه أي الانسان الآخر, يكون ضمن علاقة جدلية وتخارجية نوعية تواصلية تتعدى حدود إدراك الانسان للموجودات, ولا يمارس الانسان نفس الآلية في إدراكه الموضوعات في الطبيعة كما في تواصله الإدراكي مع غيره من نوعه, فمدركات الطبيعة لا تبادل الانسان وعيه بها, وإدراك الانسان للانسان من نوعه هو تبادل وعي عقلي إدراكي بين محاور ومتلق إدراكي يماثله ويحاوره أو يتقاطع معه في بعض جوانب خلافية, أما وعي الانسان لموجودات الطبيعة فهو يختلف حين يكون الإدراك الانساني لها أحاديا من جانب واحد فقط, وموجودات الطبيعة لا تدرك نفسها ولا تعي أهمية تعالقها بوعي الانسان وإدراكه لها… أن الانسان في هذه الحالة يدرك ذاته وموضوعه معا , في وقت لا يدرك ويعي الموضوع ذاته – بإستثناء الانسان حين يكون موضوعا لغيره من نوعه كأنسان – ولا يعي الموضوع غير الانسان في وعيه به وإدراكه له…وأغلب مواضيع الادراك من موجودات الطبيعة والمحيط والعالم الخارجي للانسان تكون فاقدة الوعي الإدراكي الذاتي والموضوعي معا وهو ما لا ينطبق على الانسان حين يكون موضوعا مدركا لانسان آخر من نوعه..وفي وعيه لذاته ايضا. ربما تتمتع الطبيعة بنوع من الروحانية غير المدركة ماديا,في أنواع من التمظهرات المادية والجوهرية أيضا لكن كلتا الحالتين لا تمتلكان عقلا منظّما يديرهما في وعي الذات أوفي وعي الآخر, وهنا تعتبر الطبيعة في تجليّاتها المادية وغير المادية الساحرة وجود سلبي لأنها غير عقلانية حتى في قوانينها ألثابتة الأزلية العامة التي تحكمها وتحكم الانسان معها بها في إستقلالية عن الانسان…القوانين العامة التي تحكم الطبيعة لم تخترعها الطبيعة لتحكم الانسان بها فكليهما الانسان والطبيعة محكومين بها أزليا وتعمل باستقلالية تامة عن رغائب الانسان والطبيعة معا,وأقصى غاية يمتلكها الانسان حيال تلك القوانين هو محاولته إكتشاف بعضها وتسخيرها لوجوده في علاقته بالطبيعة,, بعكس قوانين الانسان التي يخترعها والتي يبغي فيها هيمنته وسيطرته على الطبيعة لتحقيق مصالحه في الوجود المتعالق مع الطبيعة..
وعي الذات الانسانية القصدية والديناميكية
أخذ الفلاسفة الماديون الماركسيون (هيجل ,فيورباخ, ماركس) ومعهم فلاسفة الوجودية سارتر وهيدجر, مسلمّة أسبقية مادية الكون أن الوجود سابق على الوعي به في ظواهره غير الماهوية أي بصفاته الظاهرة المدركة خارجيا فقط, بخلاف الفلاسفة المثاليين الذين يرون العكس من ذلك أن الفكر والوعي في وجود الاشياء في الطبيعة هو الذي يحدد الإدراك بها والوعي بمعرفتها وقيمتها الحقيقية هي في الذهن وليس في وجودها المستقل ضمن عالم الاشياء الخارجي.
الشيء الأكثر أهمية أن بعض الفلاسفة غير الماركسيين لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بأن وعي الوجود الذاتي يقترن ب (قصدية) كما في تعبير هوسرل, وأضاف هيدجرعليها أن وعي الذات مرتبط ارتباطا وثيقا ب(هدف) يسعى تحقيقه أطلق عليه(ديناميكية) وعي الذات, معتبرا ديناميكية وعي الذات هو الوعي الحقيقي الفاعل في وجود الانسان في تعالقه المتعايش مع جميع ظواهر الطبيعة من حوله وفي كونه جزءا لايتجزأ من الكلية المجتمعية التي تحتويه ووعي الذات الحقيقي يكون متحققا في – عالم… وهذه الديناميكية الهيدجرية مستمدة من هوسرل أستاذه في الدعوة أن وعي الذات لا يكتمل ألا بارتباطه بنوع من القصدية الهادفة التي تعيّن هدفها مسبقا يحققها له أندماجه بالكليّة المجتمعية سلبا أو أيجابا.
وأراد سارتر أقتفاء أثر هوسرل وهيدجر في أن وعي الذات لا يكتفي من أجل أثبات وجوديته الفردية السلبية كما هي في الكوجيتو أنا أفكر أذن انا موجود… في ربط ديكارت تحقق الوعي الذاتي بالتفكيرالمجرد, ودعا سارتر الى أن وعي الذات الاصيل هو الإلتزام بالحرية المسؤولة التي ينوء بحملها الانسان الفرد كونه كينونة إجتماعية يحمل همومها وتبعاتها بمسؤولية عن ذاته ومسؤولية عن نوعه الانساني في مجتمعه والعالم, رغم أن انسان سارتر يعيش عدمية وجوده الملازمة له الذي تقعده كحقيقة وجودية فردية عن أي التزام مصيري بالآخرين.
وعي الذات فينومينولوجيا (ظاهراتيا)
بضوء التمهيد السابق نناقش رأي ميرلو بونتي المحسوب على أقطاب البنيوية, في تعالق وعي الذات بالظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي جاء بها هوسرل في الفلسفة الحديثة, التي ترجع أرهاصاتها الاولية الى فلسفة افلاطون (بالمثل) وفلاسفة آخرين قبل وبعد افلاطون أبرزهم كان أرسطو, الذي وضع حدا لعالم المثل دام ما يقارب أكثر من الفي عام أعلى فيه شأن العقل في تأكيده على الانسان في وجوده الارضي…وظلت آراء ارسطو فاعلة ومؤثرة بالقرون الوسطى الاوربية, الى أن أنتهى مآلها في النهضة الاوربية في القرن الثامن عشر وما بعدها وتم تجاوزها في تبني أولوية الانسان والعلم ومنجزاته في عصري النهضة والانوار وفي مرحلة متأخرة في الحداثة وما بعد الحداثة الاوربية.
يقول ميرلوبونتي :(نظرية الظواهر ترتبط أرتباطا مباشرا بوعي الذات, فهو ليس حقيقة خارجية خالصة , ولا عملا عقليا صرفا).(1) عبارة دقيقة وصحيحة وهي أمتداد لمقولات هوسرل وهيدجر وسارتر ليس من حيث الصياغة الفلسفية لغويا, بل من حيث المعنى الذي تستبطنه اللغة التعبيرية في إحشائها كمحمول دلالي تأويلي متعدد المعنى. وفي تعبيره أن الوعي ليس عملا عقليا صرفا هي أدانة لديكارت فقط, ولا يمكن الأخذ بها من حيث الدلالة الوظيفية للعقل والإدراك والشيء المدرك والمعّبر عنه لغويا أو غير لغوي لا يقتصر دوره – العقل – ولا ينحصربهذا التوصيف المقتضب,ويأتي التوضيح في أسطر لا حقا.
أن ظواهر الاشياء التي يدركها العقل حسيّا – داخليا تتم في عملية (تخارج) متبادل جدلي بين الوعي ووجود الاشياء الخارجية, وهذه العملية التخارجية الجدلية لا تجعل من الوعي وجودا خارجيا مستقلا, كمثل وجود الموضوع المدرك عقليا ذاتيا في وجوده الخارجي المستقل في الطبيعة, وأن التخارج المتبادل بين الذات والموضوع وتعالقهما لا يلغي إستقلالية وجودهما المفارق كلا عن الآخر, وهما في هذا التخارج التعالقي بينهما يتحدد وعي الوجود من جهة ويتعين وجود الاشياء المدركة والموضوعات من جهة أخرى…والقول بأن وعي الذات ليس عملا فكريا عقليا صرفا إدانة صائبة بحق مقولة ديكارت المثالية السلبية (انا افكر أذن انا موجود ) على ما تحمله العبارة من تأويل فلسفي متعدد متضاد في تعبيرها ومعناها في الوعي المثالي السلبي غير المادي رغم الإجماع الفلسفي على أن ديكارت هو أبو الفلسفة العلمية الحديثة في تركيزه إعتماد التفكير الفلسفي العقلي الذي يسهل مهمّة العلم, لكن في الكوجيتو حصر ديكارت أثبات الوجود في/ عن ناتج التفكير الذاتي المجرد المكتفي بذاته في أثبات وجوده الانفرادي وحده , ويعتبر ديكارت أمكانية وعي الذات في التفكير العقلي المحض الذي يحدد الوجود المادي المفكّر به, وبذلك يمكننا أدراك الذات تفكيرا عقليا مثاليا خياليا في أي موضوع مستمد من الذاكرة يكون مادة إدراكية للعقل لا يفصح عنها,, وديكارت في الكوجيتو ربط وعي الذات بالموضوع المفكر به خياليا ذاتيا فقط ولم يتعداه الى مدركات المواضيع الاخرى في وجودها المادي المستقل في عالم الاشياء التي هي مواضيع إدراكية للعقل لا تقل أهمية بل تزيدها في الأهمية التي هي مواضيع العالم الخارجي والاشياء… كما يصبح وعي الذات في الكوجيتو تفكيرا خارج إدراك وجود العالم الخارجي المستقل بالتعبير عن ذاتيته الوجودية صمتا سلبيا غير معبّر عنه لغويا أوغيرها من وسائل أثبات الوجود التواصلي…
وهذا خلاف أن وعي الذات (الديناميكي) عند هيدجر , والوعي (القصدي) الهادف عند هوسرل لا يتحقق إلا في تخارج الوعي التناوبي مع موضوعه في جدلية ديالكتيكية من التأثر والتأثير التي تعطي الذات فاعليتها الوجودية , وتمنح الموضوعات وجودها المتعالق بالوعي والإدراك الحّسي والعقلي لها,كما تعطي كلا من الذات والموضوع تمايزهما النوعي بإستثناء وعي الانسان بمثيله النوعي الذي هو الانسان الآخر في تبادلهما الإدراك التواصلي بكيفية مغايرة عن علاقة وعي الانسان بالموضوعات والاشياء اللاعقلانية.
الاشياء ومواضيع العالم الخارجي ومظاهره التي لا تحصى كثرتها هي وجود مستقل سواء جرى إدراكها أو بعضها أم لا, ووعي الذات كما ذكرنا لا قيمة حقيقية وجودية له في حال إحتفاظه بوجوده المستقل بذاته عن إدراك الاشياء(نومين), لذا يستلزم وجودهما الإدراكي(الذات والموضوع) تخارج جدلي متبادل بينهما كي يأخذ كل منهما معناه ووجوده… وبذا يمكننا أعتبار وعي الذات الديناميكي الهادف عند هيدجر, أنما يكون وجودا أنسانيا لذاته وليس سلبيا بذاته, كنتيجة لعملية التخارج المتبادل مع الموضوع, الكفيل بتحققه وعنه وبواسطته يكون إثبات وجودهما الانطولوجي لكليهما معا الذات وموضوعه المدرك.
مع ميرلوبونتي ثانية
في عودتنا الى ميرلوبونتي ثانية قوله (يكون الموضوع حقيقة مباشرة تفرض نفسها أمام الوعي, والموضوع يتوقف على الوعي به من حيث هو جوهرفي وجوده,)(2)
هنا كي نعتبر هذا التعبير صحيحا فلسفيا منطقيا, علينا تحديد نوع وماهية الموضوع المدرك عقليا كي يكون الوعي ملزما لنا في تقبّله وفرض إدراكه على الوعي الانساني به,وإذا كان الموضوع يمتلك جوهرا أوماهوية لها أهميتها في إلزام إدراكه بإعتباره جوهرا على حد تعبير ميرلوبونتي, فليس كل موضوع يحمل جوهرا لافتا الأهمية في لزوم وألزام الذات الانسانية إدراكه في عملية تخارجية معه, ولا بد لنا من معرفة طبيعة ونوع وأهمية وخصائص الموضوع الذي يطرح نفسه أمام الوعي به كألزام وجودي لإدراكه… ولا يكفي أن يكون للموضوع جوهرا, كي يلزم عنه الوعي الذاتي إدراكه ودراسته, كما أن جوهر الموضوع المحتجب لا يسبق إدراك (الموضوع) ذاته كوجود وكينونة مستقلة بمجموع صفاتها وجوهرها, ربما تحمل حمولات ماهوية تلزم الذات وعيها بها أو إحتمال كبير أن لا تمتلك كل الموضوعات المدركة مثل هذه الخاصّية المسّماة جوهرا وتكون ملزمة للإدراك , فليس كل الاشياء مهمة وصالحة وضرورية أن تكون مواضيع أدراك ذاتي وعقلي محايث يعنى بها الانسان في وعيه لها وإهتمامه بها.
ويعتبر ميرلوبونتي ( أنه لا فكر خارج العالم أو خارج الكلمات) (3).وهي عبارة صحيحة من حيث أن الفكر الذي يتأمله العقل مادة للتفكير داخليا في قطيعة وصمت تعبيري عن العالم الخارجي يكون معطّلا وجوده خارج العقل, وكذلك كي يكون الفكر متعيّنا وجودا خارج ذاتيته يتوجب عليه أن يتوّسل الكلمات الشفاهية الكلام أو اللغة المنطوقة أو المكتوبة أو أية وسيلة تحقق تواصلها في التعبير عن وجود الفكر الكيفي خارجيا.
إن الفكر والكلمات (اللغة) في الصمت الذاتي هي حوار وتفكير جوّاني يحتويه حيّز العقل وظائفيا , ويكون الفكر بهذا هو موضوع التفكير في أستثارته العقلية أيضا غير مفصح عن تحققه الوجودي خارج ملكة اللغة في التعريف به وفي التعبير عنه.
الصمت لغة تواصلية
والإفصاح اللغوي عن الموجودات والاشياء لا يتم فقط بلغة التواصل والتداول العادية (الكلام أوالكتابة أو الكتابة الصورية أو حتى الاشارية والرمزية منها),فهناك مثلا تعبيرات لغوية لا تحتاج أن تكون اللغة فيها منطوقة أو مكتوبة أو صورية مرئية أو حتى أشارية سيميائية, وتبقى تداوليتها وإستقبالها صمتا تعبيرا يديره العقل بإفصاحات حركية يقوم بها (الجسد) نيابة عن اللغة تواصليا, كما في التعبير اللغوي الكامن في الجماليات النحتية واللوحات والفنون التشكيلية برمتها,.وكذلك في طقوس العديد من العبادات الدينية الوثنية (اليوغا) التي تكون أيضا فيها اللغة في حالة كمون وجداني أيماني روحاني لا تحتاج معها اللغة المسموعة أو المنطوقة تعبيرا محتاجا الوجد الروحي والتعبّدي لها…وكذلك نجد لغة الصمت التواصلية في رقص الباليه في إعتماد حركات الجسد لغة إيحاء تواصلي صامت بمرافقة الموسيقا, ومثلها في المسرح الصامت الذي يتوّسل الجسد حركيا أيمائيا بعيدا عن اللغة المنطوقة أو المسموعة في التداول المعهود تواصليا أيضا بمصاحبة الموسيقا التصويرية…كل هذه التجليات تكون اللغة أوالفكر في حالة كمون عقلي وليس كما يدعي ميرلو بونتي لا يوجد فكر خارج الكلمات في التعبير…فجميعها تعبيرات لا تتوّسل الكلمات في التواصل الخارجي, بل تتوّسل لغة الايحاءات داخل التفكير العقلي الذي يفصح عن نفسه خارج اللغة المنطوقة أو المكتوبة بحركات الجسد.
من المهم الإشارة الى ضرورة التفريق بين عبارة ميرلوبونتي في أنعدام الفكر من غير التعبير اللغوي عنه , وبين عبارة هيدجر التي يذهب بها أن الكلمات تعطي الوجود تعيّنه الحضوري..هنا ميرلوبونتي في عبارته السابقة مثالي صرف لا يختلف عن هيوم وبيركلي وجون لوك ممن يعتبرون الفكر سابق على المادة ولا وجود لعالم خارجي لاتتّمثله الحواس الناقلة للعقل لا تنتجه الأفكار ,وأن المادة والوجود هو مجموعة التصورات الذهنية عنهما, وهذه التصورات الذهنية المجردة هي كل ما نعرفه عن الوجود وعالم الاشياء,,أما عبارة هيدجر فهي عبارة مادية وجودية مستمدة من الماركسية ترى أن الفكر هو أنعكاس الواقع السابق علي الافكار المجردة وجودا, ولا وجود لفكر لا يسبقه واقع مادي للاشياء والموجودات..
الذات في تحققها الادراكي
من جهة أخرى فإن العقل يعقل نفسه والعالم الخارجي في كل شيء, ولا يعمل التفكير العقلي في فراغ أنطولوجي أو في عدم موضوعي ولا في فراغ أو عدم لغوي, فالتفكير العقلي هوالفكرة ولغتها المعبّرة عنها في إدراك موضوعها. والعقل في الوقت الذي يعقل ذاته صمتا تخييليا فهو يعقل الاشياء المادية والمجردة منها أيضا على السواء صمتا صوريا أو تعبيرا فكريا لغويا عنها, ولا يوجد منطقة (عدم) لا يكون تفكيرالعقل السليم فيها حاضرا في دور محوري يدخل من ضمن وظائف العقل, ألا في أستثناء الحالات المرضية كالجنون والموت أو غياب الوعي أو الإنفصام أو الذهان المرضي وغيرها من الحالات المرضية التي يعتبر العقل فيها ميّتا سريريا. فالعقل يدرك الموجودات عقليا ماديا, ويدرك ويفكر في الموجودات والاشياء التي ينعدم التفكير المادي بها وجوديا لكن العقل يفكر بها خياليا تجريديا ويعقلها في غير وجودها المادي مثل وعيه بالقيم والسلوك والاخلاق والجمال والفن والموسيقا وغيرها… وفي كل الأحوال العقل لايعمل في فراغ عدمي يمنعه من التفكير في إدراكه المواضيع المادية في العالم الخارجي, وفي تفكيره الخيالي التجريدي الذي لا يعتبر فيه تفكير العقل لاغيا لمجرد عدم إفصاحه عن الموضوع المفكر به عقليا لغويا أو بكلمات التعبير التواصلي…فالفكر مادة في العقل قبل أن يكون مادة في الواقع, ويستطيع الفكر التعبير عن المادي والروحي والقيمي تجريديا منطقيا معجزا ولغويا دالا متقنا في دلالة التعبير.
علي محمد اليوسف /الموصل
الهوامش
1. ميرلوبونتي /د. عبد الوهاب جعفر/ الفلسفة واللغة ص 105
2. المصدر نفسه ص106
3. المصدر نفسه ص 107

1