رامي الزقزوق
في زمنٍ تكسرت فيه مرايا الإنسانية، وتلطخت وجوه العدالة بغبار النفاق، كان هناك يوم… يومٌ ستكتبه الذاكرة بحبرٍ أسود، يوم أن خان العالم غزة.
كانت غزة تحترق. لا من نارٍ فقط، بل من صمتٍ أشدُّ وجعًا. السماء تمطر صواريخ، والأرض تلفظ شهداء، والقلوب تسأل: أما من مغيث؟ أما من إنسان؟
ولكن العالم كان مشغولًا. بعضه يعدُّ بياناتٍ باردة تُصاغ بلغةٍ خشبية، وبعضه يحتفل بـ”حق الدفاع عن النفس”، حتى لو كان الثمن أطفالًا تنام في قبورٍ صغيرة، وأمًّا تحتضن أشلاء.
في غزة، لم يكن الموت هو الفاجعة، بل الخذلان. خذلان من كان يُفترض أن يكون صوت العدالة، لكنه باع صوته في أسواق السياسة.
في غزة، كانت الأمهات تصنع الحياة في ظلّ الموت. كانت تبني على ركام البيوت أملًا، وتخيط من كفن الشهيد راية. أما العالم، فكان يشيح بنظره، وكأنّ الدم الفلسطيني لا لون له، لا رائحة له، لا قيمة له.
خان العالم غزة، لا لأنّه عاجز، بل لأنه اختار أن يعجز. خانها حين ساوى بين الضحية والجلاد، بين الطفل الأعزل والجندي المدجج. خانها حين أقام مؤتمرات، وكتب تقارير، وعاد إلى النوم هانئًا، بينما غزة لم تعرف للنوم طعمًا.
لكن غزة لم تمت. لأن من في قلبه إيمان، لا تقتله الخيانة. من يعرف أن الحق لا يموت، لن يخشى ليلًا طويلًا. لقد طعنوها جميعًا، لكنها وقفت. مثخنة بالجراح، نعم، لكن واقفة.
في يوم أن خان العالم غزة، لم تخن غزة نفسها. لم تخن أطفالها، ولا شهداءها، ولا وعدها بالحرية.
وفي هذا وحده… انتصرغزة.





