حوارات المجلة

الأديب المغربي مصطفى لغتيري للمجلة الثقافية الجزائرية

المثقف مغلوب على أمره و مهمّش، لكنه يشتغل في صمت ويمانع ضد التدجين

كاتب يفرض عليك احترامه، لأنه يعطيك الشعور الدائم أنه يحترم القارئ، فهو لا يبدو معنيا بالشهرة التي يراها تحصيل حاصل إزاء ما يمكن أن يقدمه الأديب من إضافات حقيقية له ولمجتمعه.. ارتبط اسم مصطفى لغتيري بالكتابة السردية الجميلة والأنيقة، ولست أجامله إن قلت أنني أعتبره من بين أفضل الكتاب المغاربة تجديدا في أدواتهم الفنية والتقنية داخل النص الأدبي.. في هذا الحوار الحصري للمجلة الثقافية الجزائرية، حاولنا الاقتراب من عوالم مصطفى لغتيري الأدبية والإبداعية، في محاولة الاقتراب عبره من المثقف المغربي الجاد، المثابر والأصيل..

 

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت منك أن تتكلم عن ” مصطفى لغتيري “، فماذا ستقول عنه؟

الأديب مصطفى لغتيري: كاتب مغربي من مواليد 1965، يعشش في قلبه وذهنه أن الحلم والكتابة يشكلان الطريق المثالي لاقتراف جريرة الوجود.. ويحاول – بالتالي-  صوغ ما يحيط به  ويترسّخ في عقله ووجدانه في كلمات، قد  تستطيع الحفاظ على طراوة الدهشة التي رأى بها أول ما اكتحل به البصر.

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت قاص وروائي أيضا.. كيف تلتقي ذاتيا مع القصة والرواية في نفس الوقت؟

الأديب مصطفى لغتيري: طبعا  تلاحظ معي انك تتحدث عن غصنين في شجرة السرد، المتعددة الأفنان، لذا فالانتقال من فنن إلى آخر لا يشكل لي مشكلة، طبعا أنا أومن بالفروقات الكبيرة والصغيرة ما بين الأجناس الأدبية، فللقصة القصيرة خصائصها المائزة التي تجعلها تختلف جوهريا عن الرواية، بيد أن الكاتب بعد الخبرة التي يستحصدها من خلال طول الممارسة، يصبح  لديه  الوعي بالاختلاف ما بين الأجناس بديهيا، بالنسبة لي أشعر وكأن النص – وهو يختمر في الذهن والوجدان- يختار الجنس الذي يرغب الانكتاب ضمنه.. بالطبع تمنح الرواية مجالا واسعا وخصبا للكاتب من أجل بناء عالمه بحرية أكبر، أما مع القصة القصيرة، فأستمتع بتكنيك الكتابة وقدرتها على التكثيف، لذا أظن إن القصة القصيرة أكثر فنية من القصة القصيرة وأكثر صعوبة في كتابتها.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعل ما يبدو “ظاهرة” أن الشعراء هم الأكثر “هربا” من القصيدة نحو الرواية، بينما كتاب القصة فغالبا ما يعتبرون الرواية أشبه بتحصيل حاصل.. كيف تفهم هذه الإشكالية؟

الأديب مصطفى لغتيري: أعتبر أن ظاهرة لجوء الكتاب من جنس إلى آخر والانتقال بينهما ظاهرة عادية جدا بل صحية كذلك، لا أذكر اسم كاتب عالمي قال يوما ما مفاده أن الكاتب الذي لا يكتب في جنسين مختلفين لا يعتبر نفسه كاتبا.. طبعا يمكن اعتبار هذا الكلام مبالغا فيه، لكن الملاحظ قد يسجل أن أعظم الكتاب عبر التاريخ كتبوا في أكثر من جنس أدبي واحد.. ومن هذا المنطلق نفهم هجرة الأدباء “عبر الأجناسية”.. فهناك شعراء كثر لجؤوا نحو الرواية وكذلك فعل القصاصون.. ربما تغريهم الرواية بشعبيتها أقصد ارتفاع مقروئيتها بالمقارنة مع باقي الأجناس، لذا هناك من اعتبر أن القصة القصيرة مثلا مجرد تمرين للمرور نحو كتابة الرواية، هذا أمر غير دقيق، وغير سليم، فالانتقال من جنس إلى آخر يجب أن تحكمه الضرورة، ولا أن يكون مجرد ترف أو تنويع، فالقصة القصيرة أو الشعر قد يخلقان للكاتب مجدا أدبيا لا تخلقه الرواية لكاتبها، في المغرب مثلا فأشهر كاتب داخل البلاد هو كاتب قصة قصيرة بامتياز وهو الكاتب أحمد بوزفور.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع أن القصة القصيرة تعتبر من أهم وأخطر السرود الأدبية، إذ تختزل في كيانها كل المدارس أحيانا، فكيف استطعت أن تحافظ على نسقك داخل القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، وداخل الرواية ببعدها الطويل؟

الأديب مصطفى لغتيري: أتفق معك كثيرا في هذا الأمر فالقصة القصيرة” خطيرة جدا”، وهي جنس هجين شبهته ذات حوار بالزرافة، فهذا الحيوان الجميل استعار صفاته الخلقية من حيوانات أخرى دون أن ينقص ذلك من جماله، وكذلك فعلت وتفعل القصة القصيرة.. تقتبس الحوار مثلا من المسرحية والسرد من الرواية ، والتكثيف من الشعر وهكذا.. و كما قلت سابقا فبعد عدد كبير من النصوص التي كتبتها أستطيع أن أنتقل بسلاسة ما بين الأجناس الأدبية التي ذكرتها، حتى أنني أشعر بأن  ما يمور داخلي من أفكار و ثيمات خحين تعتورني حالة الكتابة يختار الجنس الذي يكتب فيه، ربما إطلاعي العميق على النقد يساعدني في ذلك، قد تكون هناك أمور أخرى يصعب تفسيرها، لكن ما هو ثابت أن هذه الاختلافات ما بين الأجناس تصبح مستبطنة لدى الكاتب، ولا يشعر بأن ذلك يخلق لديه أي إشكال أو صعوبة.

المجلة الثقافية الجزائرية: دائما عن القصة القصيرة جدا.. كيف تصنفها إبداعيا، وكيف تفسر أنها ما تزال في طور “البداية” على المستويين الإبداعي والنقدي في الوطن العربي؟

الأديب مصطفى لغتيري: طبعا يتفق الكثير من النقاد والمبدعين والمتتبعين أن القصة القصيرة جدا جنس وافد على الساحة الأدبية العربية  في إطار ما يسمى “المثاقفة ” أو “الاستعارة الثقافية” قد عرف هذا الجنس الأدبي ازدهاره في أدب أمريكا اللاتينية، وقد تعرفنا عليه نحن في المغرب بواسطة الترجمة، التي تنشط فيها جمعية ثقافية جادة، وهي “مجموعة البحث في القصة القصيرة في المغرب” التي أسسها العميد أحمد بوزفور، ولازال يرعاها بحضوره الفعلي و الرمزي.. بالطبع لازال هنا نقاش حول طبيعة هذه ال “القصة القصيرة جدا ” فهناك من النقاد من يعتبرها جنسا أدبيا قائم الذات وهناك من يعتبرها تنويعا من القصة القصيرة، كما هو الشأن بالنسبة للتسمية، التي لا زالت تسيل بعض المداد وإن بدرجة أقل في المدة الأخيرة، لأنه يبدو أن مصطلح القصة القصيرة جدا ” قد حسم الصراع لصالحه.. كما أن هناك من النقاد من يحاول تأصيلها في التراث الأدبي العربي القديم أو الحديث، لكن الثابت أن” مقصدية” الكتابة ضمن جنس القصة القصيرة جدا لم تظهر إلا حديثا و حديثا جدا. ومن حظ هذا الجنس الأدبي أن حظي بأقلام جادة وموهوبة إبداعا ونقدا، فاستطاعت أن تفرض نفسها في وقت قياسي، حتى أنها أضحت تغري الكثيرين بالارتماء في أحضانها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ألا يعيش هذا النوع من السرد الأدبي واقعا أشبه بقصيدة النثر التي إلى الآن لم يفصل في ماهيتها، وفي قواعدها وفي أبعادها وحتميتها من عدمه؟

الأديب مصطفى لغتيري: نعم يمكن الاتفاق مع هذا الطرح بشكل من الأشكال خاصة على مستوى التجليات الخارجية، أقصد ردود الفعل التي صاحبت الجنسين معا عند ظهورهما، وإن كانت الحملة  الرافضة لقصيدة النثر أكثر قوة من تلك التي واجهت القصة القصيرة جدا، أظن أن من حظ القصة القصيرة جدا أن النقاد الذين تعاطوا معها هم من الجيل الجديد من الكتاب، مثل مبدعيها، لذا كان التعاطي معها يتميز بكثير من الحماس و التفهم، بل و الحدب والعطف أحيانا، ويمكن هنا أن أذكر بعض  النقاد الذين يرجع لهم الفضل في تبوؤ القصة القصيرة جدا المكانة التي تحتلها الآن فعندنا في المغرب مثلا لمع نجم الناقد د جميل حمداوي والدكتورة سعاد مسكين  ود محمد رمصيص ود عبدالعاطي الزياني  وقد اكتفيت بأصحاب الكتب أما إذا أضفنا  الذين لم يجمعوا مقالاتهم  بعد في كتب فاللائحة ستطول ، ومن سوريا هناك أحمد جاسم الحسين الذي يعتبر صاحب أول كتاب نقدي عربي اهتم بالقصة القصيرة جدا و يوسف حطيني …أما مغاربيا فهناك الناقد التونسي عبد الدائم السلامي، الذي بحث عن شعرية الواقع في القصة القصيرة جدا من خلال نماذج قصصية مغربية وفي العراق هناك جاسم خلف، و غيرهم.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أنتقل إليك.. لعل من يطلع على النص الأدبي عند مصطفى لغتيري، لا بد أن يكتشف تلك التيمات الأساسية التي تنطلق من البيئة المغربية، بكل تناقضاتها وإسقاطاتها الفكرية والحضارية حتى.. ما الذي يجعل البيئة نصا أدبيا خالص الإبداع في نظرك؟

الأديب مصطفى لغتيري: سوف لن أضيف شيئا إذا قلت الكلام المأثور” الأديب  ابن بيئته”.. طبعا هذا كلام عام ويحتاج إلى تدقيق وربما إلى مراجعة ليس المجال مجالها، لكن يبقى أن للبيئة قوة ارتكاز لا يستهان بها في العملية الإبداعية، بالطبع  يظل الخيال حاسما، لكنني أومن بأن الكاتب كلما انطلق من شيء ملموس وقوي و يقع ضمن مجال خبرته ضمن لنفسه كثيرا من أسباب النجاح.. البيئة المغربية كباقي البيئات يتداخل فيها عناصر عدة، اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وهلم جرا، والكاتب يستقبل هذا الخليط الغريب العجيب ويتأثر به، و منه يصوغ مادته الأولية في الكتابة، وأظن أن الأمر الحاسم بالإضافة إلى الخيال طبعا، هو انبثاق الوعي  من خلال  إكساب معنى ما لهذا الخليط المربك.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يخلط بين البيئة والموروث الشعبي كإرث أكثر منه حضارة.. ما رأيك؟

الأديب مصطفى لغتيري: أظن أن الموروث الشعبي جزء من البيئة التي يحيا بين ظهرانيها الأديب، فالكاتب – كما سبق وتحدثت عن ذلك –  يضطرب ضمن خليط عميق ومركب يصعب الفصل بين مكوناته، ومن ثمة قد يقع هذا النوع من اللبس الذي أشرت إليه في سؤالك، خاصة إذا كان هذا الموروث الشعبي لا يزال حيا ويتمتع بقوة خارقة للاستمرار، كما يحدث في مجتمعاتنا العربية، حيث هناك كائنات تراثية تسعى بيننا، بل و تفرض أسلوب تفكيرها وحياتها على الباقين.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقتراب مصطفى لغتيري من الموروث الشعبي، ومن التاريخ الإنساني للمغرب أدبيا؟

الأديب مصطفى لغتيري: قبل أن أجيب على هذا السؤال، أود التنويه إلى أنني أصنف نفسي ككائن إنساني، بما يعني أنني معني جدا بالتراث الثقافي الإنساني، وأنظر إلى التراث المحلي كجزء لا يتجزأ من التراث الإنساني، وتشغلني القضايا الإنسانية العامة التي تشغل الإنسان في كل زمان و مكان، ولكن حتى يكون ما أكتبه ذا معنى، فإنني بالطبع أهتم أكثر بالجانب الذي يقع في مجال خبرتي، ومن هنا اهتمامي بالتراث المغربي  والعربي والإفريقي عموما، وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن روايتى “عائشة القديسة” التي استثمرت فيها  أسطورة “عيشة قنديشة ” التي تعشش في أدمغة الكثير من الغاربة، و روايتي “ليلة إفريقية ” التي حاولت فيها إثارة الانتباه للبعد الإفريقي في الهوية المغربية.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يغريني لأسألك كيف تكتب عادة؟ هل لديك طقوس قبل وأثناء وبعد الكتابة مثلا؟

الأديب مصطفى لغتيري: في الحقيقة أنا متخفف جدا من الطقوس بشتى أنواعها بما فيها طقوس الكتابة، فقط أحتاج إلى الهدوء، وفنجان قهوة، ومقهى بدون تلفاز، و بعض السجائر التي حاولت التخلص منها خلال هذا الشهر أقصد  شهر رمضان، والأهم من ذلك أن أشعر بأنني في حالة كتابة.. تلك الحالة التي أصبحت أعرف أوقاتها بالتحديد وغالبا ما تبدأ مع تباشير فصل الربيع وتنتهي منتصف فصل الصيف، لأتفرغ بعد ذلك للقراءة والكتابة عن إبداعات الآخرين.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف يقرأ مصطفى لغتيري زملاءه الأدباء، وكيف تقرأ مستوى الرواية الراهنة في المغرب اليوم؟

الأديب مصطفى لغتيري: طبعا أنا كباقي الكتاب أقرأ بنهم.. وفي جميع المجالات،  لكن بحكم أنني أكتب أدبا، فالكتب الأدبية مهيمنة على قراءاتي، رواية و قصة قصيرة وقصة قصيرة جدا وشعرا، كما أقرأ في علم الاجتماع والفلسفة وعلم النفس والكتب التراثية بصفة عامة ناهيك عن الجرائد، التي تجعل المرء في تماس مع ما يحدث في مجتمعه.. كما أقرأ زملائي الكتاب بحب، لأنني معني بذلك، ودوما أتلمس الطريق الذي يمضي فيه الأدب من خلالهم، وتكتمل فرحتي حينما أتمكن من الكتابة عن أحدهم، بعد أن يعجبني كتابه، وأجد فيه إضافة ما لا بد من إبرازها.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن ينتشر الأدب المغاربي الفرانكفوني في أوربا، ويتم تداوله نقديا وإعلاميا، ولا ينتشر الأدب المغاربي العربي في المشرق العربي بالصورة اللائقة على الأقل؟

الأديب مصطفى لغتيري: أظن أن الأمر مرتبط بشيء آخر غير الأدب ، ففرنسا – كما تعرف- حريصة على لغتها، لذا فهي تروج لها بكل ما تملك من قوة، هذا لا يعني أن الأدب المكتوب بلغة أجنبية غير ذي قيمة، أبدا لكنني فقط أشير إلى عوامل غير أدبية قد تكون في صالحه، للأسف لغة الضاد مضطهدة، فلو قيد لكثير من النصوص المكتوب بالعربية أن تترجم  لوجدت لها مكانة متميزة هناك، أضرب مثالا واحدا ب”الخبز الحافي ” لأحمد شكري.. أما بخصوص علاقتنا بالمشرق فذلك مشكل حقيقي، فلقد حكمت علاقتنا بهم لمدة طويلة المقولة المجحفة “المشارقة يكتبون والمغاربة يقرؤون” ، أظن أنه قد آن الأوان لينال الأدب المغاربي مكانته التي يستحقها، وبالفعل لقد بدا ذلك وأنا متفائل بالمستقبل.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يقول إن الأديب المغاربي إنسان كسول، اتكالي، يشتغل دائما على القضايا الشخصية الضيقة على حساب قضاياه الحقيقية.. ما رأيك؟

الأديب مصطفى لغتيري: طبعا هذه من الكليشيهات الجاهزة، وإن انطبقت على البعض فلا تنطبق على البعض الآخر.. فقط هناك مشكل تواصل وإعلام، للأسف السياسة تخنقنا هنا والآن، ونحن خاضعون لها، فالمشاكل السياسية التافهة تنعكس سلبا على صورة الأديب، وإذا ما تحدثت مثلا عن المغرب، و قد ينطبق الأمر على باقي البلدان المغاربية، فالأدباء يبذلون مجهودات فردية عظيمة في غياب المؤسسات، المكبلة ببنيتها المتخلفة  العقيمة ، فما نراه الآن من ازدهار نسبي للأدب المغاربي يرجع الفضل فيه إلى الأديب المغاربي، فالجمعيات الثقافية في المغرب مثلا تحمل على كاهلها تنظيم الندوات والاحتفاء بالأجناس الأدبية، وتصدر الكتب، بل يتفوق ماتنجزه على ما تقوم بها المؤسسات الرسمية، ويكفي أن نعرف رقما واحدا معبرا جدا في هذا المجال، فما يطبعه الكتاب على نفقتهم الخاصة يفوق بكثير ما تنشره دور النشر ووزارة الثقافة مجتمعتين .

المجلة الثقافية الجزائرية: في إحدى مداخلاتها قالت الكاتبة المغربية لطيفة باقا أنها تستبعد أن يكون للمثقف شرف صناعة الوعي في الواقع العربي.. هل توافق هذا الطرح؟

الأديب مصطفى لغتيري: لقد قرأت الحوار الذي تضمنه هذا القول في حينه، وفهمت منه أنه رد فعل احتجاجي وتحريضي أكثر من أن يكون معبرا عن حقيقة واقعة، فالصديقة لطيفة من الكاتبات المغربيات اللواتي ينسجن سمفونيتهن الإبداعية بكثير من الألق والتفوق المستحق، وفي قولها الكثير من المرارة على واقع الحال.. المثقف- شئنا ذلك أم أبينا- هو مبلور للوعي والأفكار، ربما لا يحدث ذلك بشكل مباشر  وفوري، لكن لا أحد ينكر مثلا دور نجيب محفوظ أو حنا مينة أو منيف  و العروي و طيب تزيني  وفرج فودة و الطاهر وطار في تشكيل الوعي بالمرحلة، والصراعات التي تتخللها، واتخاذ موقف منها.. ينخدع من يظن أن الشباب الذين خرجوا للتظاهر جاؤوا من فراغ، يكفي أن تنصت إليهم لتتأكد أنهم قرؤوا لكتابنا وأدبائنا ومثقفينا وتأثروا بهم، بل كان شعارهم الأبرز ” الشعب يريد إسقاط النظام ” مستوحى من قول الشاعر أبي القاسم الشابي .

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يتوجب أن يحدث للمثقف كي يستطيع صناعة الوعي في مجتمعه على الأقل؟

الأديب مصطفى لغتيري: المثقف مغلوب على أمره و مهمش، لكنه يشتغل في صمت و يمانع ضد التدجين، يكفي أن يحرص المثقف على حاسته النقدية والتحليلية متألقة في أوجها، فذلك مفيد جدا..طبعا لا يمكن أن نحن إلى المثقف بالمعنى الغرامشي، لأن مياها كثيرة جرت من تحت الجسر وأمورا كثيرة تغيرت.

المجلة الثقافية الجزائرية: الآن أسألك عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

الأديب مصطفى لغتيري: كما قلت سابقا إننا نؤدي ثمن السياسة وقبحها وأنانيتها، نحن شعب واحد تقريبا، نشترك في كثير من الأمور، حتى أنك لا يمكنك أن تميز بين المغربي والجزائري إلا بصعوبة، لكن للأسف فالتواصل بين الأدباء في القطرين شحيح جدا، حتى معرض الكتاب في الدار البيضاء يكون الحضور الجزائري فيه رمزيا جدا و محدودا، مما يحرمنا من الإطلاع العميق على الأدب المغاربي، بالطبع قرأت لكتاب جزائريين  وعلى رأسهم الطاهر وطار الذي قرأت كل كتبه تقريبا، وقد صدرت له في المغرب روايتين على الأقل ، كما قرأت لواسيني لعرج و عبد المالك مرتاض ..كما حاولت أن أكون فكرة عن مسار القصة القصيرة في الجزائر من خلال مختارات للقصة الجزائرية تجمع كتابا من أجيال مختلفة وأنجزها ابراهيم صحراوي، ومن بين الاستنتاجات التي وصلت إليها طغيان السياسي على الأدبي ، فالقصة القصيرة  في الجزائر كانت وسيلة لنقل الصراع السياسي والاجتماعي داخل القطر الجزائري، وهذا الأمر ينطبق على المغرب كذلك قبل الثمانينات، لكن القصة في القطرين بدأت بشكل محتشم تتخلص من ذلك لتهتم بتكنيك الكتابة، أي بالقصة كغاية وليست وسيلة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

الأديب مصطفى لغتيري: أعيد قراءة ما تحصلت عليه في المعرض  بالدار البيضاء، فبعد إعادة قراءة كتاب “القصة القصيرة جدا في المغرب ” للدكتورة سعاد مسكين، أعيد الآن قراءة كتاب “في نظرية القصة- مقالات مترجمة” الصادر عن مجموعة البحث في القصة القصيرة  في المغرب” وهو  كتاب يستحق القراءة مرات متعددة..

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

الأديب مصطفى لغتيري: انتهيت قبل أسبوع من كتابة رواية جديدة تحمل عنوان” امرأة تخشى الحب” قد تصدر مستقبلا عن “أفريقيا الشرق”.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة لقراء موقعنا الثقافي؟

الأديب مصطفى لغتيري: والله لقد أسعدني هذا الموقع بظهوره القوي والمتواصل، لقد حافظ على زخمه، وانفتاحه على كتاب الوطن العربي، مع تخصيص لكثير من صفحاته للكتاب المغاربيين، أتمنى لكم التوفيق .. بكم  ومعكم نشعل فوانيس الأدب في دربنا المغاربي المؤمن بمستقبله.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق