أحمد بابكر حمدان
– مدخل:
إن المعـرفة سلاح التقدم وعماد الارتقاء، وهي وسيلة الأمم لتحقيق ذاتيتها، وسبيلها لحجز مواقع متقدمة في سباق الإسهام المعرفي والحضاري. والشباب بما ينتظرهم من مستقبل، هم أجدر من غيرهم بارتياد آفاق المعرفة وامتلاك أسرارها.. ويكثر الحديث عن إهمالهم للمعرفة وانصرافهم عن الاطلاع والقراءة الجادة.. ولا أميل إلى أسلوب لوم الشباب والقرع على نواصيهم، دون الالتفات إلى ابتداع برامج عملية أكثر فاعلية، أو الكتابة إليهم بدلًا عن الكتابة فيهم.
– ما المعرفة؟
المعرفة هي ما يمكننا الحصول عليه أو إنتاجه من معلومات بواسطة مصدر أو أكثر من مصادر المعرفة (الكون والوحي) وأدوات تحصيلها (العقل والحس،…) وتطلق المعرفة كمرادف للعلم في الفضاء الثقافي العام وإن كانت للساحات الأكاديمية رؤيتها وتفريقها بين المصطلحين. ولكل من مصادر المعرفة وأدواتها قيمة خاصة.. فما كان مصدره الوحي ليس للعقل إدراكه إلا عن طريق الوحي، وما نيط بالحس والتجربة فإنه يتوقف عليهما.. وقد وهب الله عز وجل- الإنسان العقل وجعله مناط التكليف، حيث به يفهم خطاب الشرع، وبه يستخدم ما سُخر له في الكون الفسيح.
– دوافع المعرفة:
ولعل من أهم دوافع المعرفة أن يتعرف الشخص على ذاته وقدراته.. فيعرف موقعه من الكون والمجتمع ومهمته في كليهما.. وما يتبع ذلك من مسؤوليات وواجبات تعرف إجمالا برسالة الحياة. إن رسالة الحياة مهمة اجتماعية في المقام الأول، وذات ارتباط مباشر بالقيم والاعراف الاجتماعية الخاصة بكل مجتمع على حدة. وتستقي مجتمعات المسلمين بصفة عامة، قيمها وآدابها وعاداتها من دائرة الحضارة والثقافة الإسلامية، لذا فإن مدخلنا إلى المعرفة ينبغي أن يرتكز على هذه الدائرة الحضارية الكبيرة.
– في الدائرة الحضارية:
إن حضارة الإسلام كأسلوب حياة ونظام مجتمع وطريقة تفكير، تعني مجموعة الأفكار والقيم والتشريعات التي يعتقد بها المسلمون وتضبط سلوكهم، والمنبثقة عن نظرة الإسلام الشاملة للوجود والكون وموقع الإنسان بالنسبة إليه. (انظر يوسف محمود- الإنجازات العلمية في الحضارة الإسلامية). والمصدران الأساسيان للحضارة الإسلامية هما القرآن الكريم والسنة المشرفة، والاستظلال بظلالهما الوارفة، خير معين للإبحار الآمن في المحيطات المعرفية الواسعة. وتضيف المعرفة الحضارية للمثقف، بعدًا مهمًا، وهو تحقيق الانتماء الواعي لحضارته؛ مما يزيد من ثقته بنفسه ووعيه استقلاليته. إضافة إلى منحه أبعادًا متعددة أخرى للنظر؛ مما يمكنه من توسيع آفاقه ومداركه بصورة كلية، ولعل طلبة المساقات التطبيقية يدركون أهمية النظر الكلي للظواهر الطبيعية أو المعملية للوصول إلى نتائج دقيقة، وبالمقابل يدرك طلبة الدراسات الأدبية والاجتماعية أهمية النظرة الشاملة عند دراسة الظواهر الاجتماعية أو دراسة المجتمعات.
تتسم الدائرة الكبيرة للحضارة الإسلامية بسمات متميزة، فهي توائم بين المادة والروح، والعقل والوحي، وتجمع بين الثبات والتطور، وتدعو للعلم والعمل، والدنيا والآخرة (انظر محمد قطب- الثبات والتطور).
إن المدرك لطبيعة التصور الشامل للحضارة الاسلامية، يصبح مزدوج الحركة فعالًا منتجًا.. كيف لا، وقد أطلقت عقله وحررته من الخرافات والجهل، وفتحت أمامه آفاقًا واسعة للانطلاق والتجريب والمعرفة، وقد أمدته بتصور صادق عن الكون وخالقه، فوفرت عليه طاقة هائلة كانت وما زالت تستنزف قدرات الإنسان وهو يضرب يمنة ويسرة في ظلمات التيه والشك والاضطراب والحيرة. إن الدائرة الحضارية هي ركن الزاوية في البناء المعرفي، وصمام الأمان للإبحار العميق المتواصل.
– من أنا.. من نحن؟
إن من سمات الصراع والتشابك الحضاري، دفع الأفراد والمجتمعات إلى الاستفهام والتساؤل.. وعادة ما يكون السؤال الرئيس لذلك الاستفهام المفصلي هو: من أنا.. ومن نحن؟.. إلا أن المؤسف حقا أن تنطبق هذه السمة في مجتمعات المسلمين.. وان تصدر عن أفرادهم.. الأمر الذي يتطلب توعية شاملة لأجيال الجديدة للإجابة عن تساؤلاتها بدرجة تضمن الحفاظ على توافقها النفسي وثقتها بذاتيتها وإحساسها بالانتماء إلى الإسلام وحضارته وثقافته وقيمه السامية الفريدة.. ولن يتأتى ذلك إلا بالعلم والمعرفة..
– الآخر يعترف بتميزك:
وحسب الشباب الناشئ أن يدرك- في هذا الإطار- أن ما يقوله أعداؤهم من قبيل: (إن المسلمين ليس لديهم في الوقت الحاضر إلا التغني بأمجاد أجدادهم..).. حسبهم أن يدركوا أن مثل هذا القول في حقيقة الأمر- اعتراف ضمني موثق بفترة (العبقرية والعطاء والإسهام الإسلامي) التي أفرزت أسماء خالدة ما زالت تذكر في قاعات الأكاديميات العالمية.. واعتراف كذلك بأن العصور الإسلامية الأولى كانت فترات زاهرة وزاهية عمرانيا وعلميا وإنسانيا أيضا.. والاعتراف سيد الأدلة والفضل ما شهدت به الأعداء.. والمنصفون منهم كثر بفضل الله..
– التاريخ خير معـلم:
وبالمعرفة والاطلاع على بعض الدراسات التاريخية- وما أصدق التاريخ- يمكن لناشئنا الصاعد أن يبتني جانبا مهما من ثقته بذاته الحضارية.. ويستعيد جانبا من أصالته وشخصيته.. إذ يستحيل على من لا يملك عدة تاريخية مناسبة أن يبني شخصية خاصة مستقلة ذات ملامح متميزة.. فضلا عن أن يكون مجددا أو راغبا في التجديد الاجتماعي والثقافي والإنساني العام.. وما الدين إلا رحمة للعالمين..
– لا حيرة مع المعرفة:
والعلم وبالمعرفة والاطلاع والتثقف.. تتناقص الأسئلة الحائرة.. وتتزايد في نفس الوقت- الرغبة في المعرفة وفي اكتشاف المزيد من الأفكار والوقائع والرموز والعلاقات.. وكلما قدمت المعرفة إجابات أكثر عن تساؤلات الناشئة والشباب.. ازداد تعلقهم بها وحبهم لها وتفاعلهم مع ما يرتشفونه منها..
– بكّار على خط المعرفة:
وليس أدل على أهمية القراء والتثقف في الحضارة الإسلامية- من أن كلمة (اقرأ) كانت أول كلمة تنزل على حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.. وينبغي أن نفهم الدلالة العميقة لهذا الأمر.. وذلك في صورة اكتشاف لأهمية العلم والمعرفة في وجودنا المادي والمعنوي على حد سواء.. فنحن بحاجة إلى العلم لإخضاع الطبيعة.. وللحصول على فرص عمل.. وقبل ذلك نحتاجه لفهم أنفسنا.. وفهم طبيعة علاقتنا بخالقنا سبحانه وتعالى.. إلى جانب حاجتنا لفهم العصر الذي نعيشه.. ومن ذلك بالطبع: فهم التحيات التي تواجهنا وتهدد وجودنا المادي والمعنوي المشار إليه سابقا.
– القراءة.. وسيط معرفي:
إن أذهاننا لا تدرك الأشياء على نحو مباشر.. وإنما عبر وسيط معرفي مكون من (مبادئ علمية وعقلية ومعارف وخبرات حياتية).. لذا يتحتم علينا أن نقرا.. ونتعلم.. ونجرب.. لنحسن من مستوى الوسيط المعرفي.. وبتحسنه يتحسن فهمنا للوجود.. وتتحسن بذلك نوعية الحياة.
– والغـزالي أيضاً ..
لأمر ما.. أراد الله أن تكون أول كلمات الوحي القرآني \”اقرأ باسم ربك الذي خلق\”.. ولأمر ما أيضا.. أراد الله أن يكون القسم القرآني بالقلم.. وإننا نعتقد اعتقادا راسخا أن لا وجود للإسلام إلا في جو المعرفة والعلم.. وكما أن السمك يموت إذا أخرج من الماء.. كذلك الإسلام يموت في جو الجهل والأمية والتخلف الذهني.. ولا تعرف مفاهيمه وأحكامه وحكمه التشريعية البليغة إلا في جو العلم الغزير والثقافة الرحبة..
– خطوات عملية وموضوعية:
وأشير هنا إلى ضرورة أن يعمق الناشئ في نفسه معاني الانتماء إلى أمة الإسلام وحضارته وفكره.. وإن كانت مسؤولية القيام بهذه المهمة هي من مهام التربية ومؤسساتها في المقام الأول.. لكن التعامل مع واقع الحال يظل دائما هو الأقرب إلى الصواب والموضوعية.. إن الناشئ المسلم وقد تجاوز الرابعة عشرة.. بإمكانه أن يثقف عقله وينمي ذاته ويكمل ما قصرت فيه الجهات التربوية المعنية.. وإن كنت مستوعبا ومدركا لصعوبة ما أقوله نسبة لكثرة الجهات التي سيقوم ناشئنا بأدوارها الغائبة ولكن: إذا لم إلا الأسنة مركبا.. فما حيلة المضطر؟
– الثقافة.. مرجعية وجدار حماية:
وإلى جانب تعميق معاني الانتماء.. وتأصيل الذاتية الحضارية والثقة بالنفس- يجدر بالناشئ تعلم القيم الإسلامية والأخلاق الفاضلة.. والتمثل بها في سلوكه.. ومن استخدامها كمرجعية وجدار واق في عصر طابعه: الغزو والتدجين الثقافي والفجور الغرائزي والتفسخ..
– من (بكار) إلى فكار:
تأصيل الانتماء الحضاري.. وتنمية السلوك.. ووضوح المرجعيات التي يحتاجها الذهن في نموه المعرفي.. كلها أمور في غاية الأهمية. يقول الدكتور رشدي فكار: اعتقد أن المرجعية التي تكونت لي في طفولتي من خلال القرآن والحديث والفقه وألفية ابن مالك وغير ذلك- قد أدت دورا مهما في تكويني الذهني.. كانت نتائجه النهائية لصالحي لا لتدميري.. وفي اعتقادي أن العالِم حين يصل إلى درجة من النضج.. لا بد له أن يفعل شيئا: فإما أن يبني وإما أن يدمر.. وقد تؤول به القضية إلى أن يدمر ذاته القادرة.. وتجدني التمس عذرا للعديد من الذين تمردوا الآن في الغرب (أي أحسوا بعدم الانتماء).. فإنهم قد نشأوا في أُسر مهتزة إلى حد ما.. فلم يتكون لديهم انتماء محدد ولا مرجعية للإحالة حين وصلت أذهانهم إلى قمتها.
– خاتمة:
لنجدد العزم على الانطلاق في فضاءات المعرفة الإنسانية الواسعة، نستقي من الحكمة أينما وجدناها وحيثما حلت، نطيل البحث ونجيل النظر، ساعين لرفعة أوطاننا وتنمية مجتمعاتنا، وهي تنتظر منا الكثير.. ولنبدأ بالتعرف على حضارتنا لنحقق ذواتنا وندرك أقدارنا.
———————-
* معلم سوداني





