المجلة الثقافية الجزائرية

التاريخ والعمران في فلسفة ابن خلدون التاريخية (2)

ميثم الجنابي

لقد حاول ابن خلدون البرهنة على ضرورة المعيار الحق والصحيح الذي ينبغي للمؤرخ الاعتماد عليه، أي كل ما يتطابق مع كمية ومنظومة القواعد والمبادئ الضرورية التي تعادل معنى المنهج الضروري لفلسفة التاريخ. وهي قضية كان ينبغي لها أن تثير العقل النظري عند القدماء في مختلف الحضارات السابقة، إلا انه لم ير منها شيئا، ولم تصل إليه، كما يقول ابن خلدون. ومن ثم فإن ما يضعه هنا هو من إبداعه الذاتي الخالص وقريحته العلمية. ومن ثم أصالة ما في فكرته أو فلسفته للتاريخ، رغم \”أن العلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون\”. وينطبق هذا على حصيلة الفكر اليوناني. إذ أن إلقاء نظرة على ما في كتبهم بهذا الصدد يشير إلى أنهم نظروا إلى فن التاريخ بوصفه ثمرة، وأن هذه الثمرة هي الأخبار وتصحيح الأخبار، كما يقول ابن خلدون. من هنا مناقشته للمناهج أو الأفكار الكبرى الثلاث بهذا الصدد وهي كل من الفكرة الدينية، والسياسية (الوضعية الدنيوية)، والفلسفية.
فالفكرة الدينية التي يمثلها الفقهاء تستند الى \”أن البشر متعاونون في وجودهم، فيحتاجون فيه إلى الحاكم والوازع\”. و\”أن الظلم مؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع\”. بمعنى أنها تشدد على أولوية الحاكم والوازع.
أما الفكرة الدنيوية (السياسية) فيقدمها على ما هو مشهور في الثقافة الإسلامية آنذاك على نموذج بهرام، مستندا إلى ما أورده المسعودي في تاريخه عن حكاية البوم والتي تقول:\”ايها الملك! إن الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه. ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عزّ للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة الا بالعدل…\”. بمعنى تركيزها على أولوية العدل. أما على نموذج انوشروان، فإنها تشدد على هذا الترابط يالشكل التالي: \”الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج،، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل\”.
أما الفكرة الفلسفية كما نراها عند ارسطو في كتابه (السياسة) فيجري عرضها بالشكل التالي:\”العالم بستان سياجه الدولة. الدولة سلطان تحيا به السنّة (قانون الحياة). السنّة سياسة يسوسها الملك. الملك نظام يعضده الجند. الجند أعوان يكفلهم المال. المال رزق تجمعه الرعية. الرعية عبيد يكنفهم العدل. العدل مألوف وبه قوام العالم، والعالم بستان…\”. وقد انتقد ابن خلدون آراء ارسطو بصدد التاريخ، رغم ما في كتاب (السياسة) نفسه من آراء يمكنها أن تخدم في هذا المجال، إلا أن ما فيه حسب عبارة ابن خلدون \”غير مستوفي، ولا يعطي حقه من البراهين\”، وذلك لأن مفاهيم ارسطو تدور في حلقة مفرغة، لا يمكن الاستناد إليها وعليها في ما يخص تفسير التاريخ والعمران فيه.
ولم يقف ابن خلدون عند هذا الحد بل يتعداه في تناول مختلف النظريات والمواقف والآراء في مجرى اشاراته إلى الكتب الموسوعية التي حاولت الاجابة على القضايا المتعلقة بالتاريخ من حيث كونه علما أو فنا أو إشكالية، كما هو جلي في موقفه من كتاب ابو بكر الطرطوشي (سراج الملوك). وذلك لأن جميع هذه الكتب، كما يقول ابن خلدون \”لم تصب الشاكلة، ولا استوفت المسائل، ولا أوضحت الأدلة. إنما بوبت الباب للمسألة ثم استكثرت الأحاديث والآثار، ونقل كلمات الحكماء\”.
يحتوي مصطلح وفكرة العمران على جوانب إضافية وفرعية مهمة من اجل فهمه بوصفه فكرة منظومية، منها تفريقه وتدقيقه لمفاهيم العمران البدوي، والأمم الوحشية، والقبائل، وتقسيم العمل الذي يتناول بالأساس مهنة الفلاحة والرعي، وفائض الانتاج. فهي المفاهيم المفصلية الأولية لإدراك حقيقة العمران بوصفه ظاهرة تاريخية ثقافية ملازمة وموافقة للوجود الإنساني.
ينطلق ابن خلدون من أن البدو والبداوة درجة ضرورية وطبيعية في تطور الإنسان ونوعية تعامله مع الطبيعة. وفيها وضمنها تولد وتعيش القبائل و\”الأمم الوحشية\”. وهذه بدورها ليست أحكاما قيميية بل مفاهيم اجتماعية وثقافية. من هنا فكرته عن أن البداوة هي الدرجة الأولية والضرورية للعمران أو للمدنية والحضارة. أما فكرة \”فائض الإنتاج\” فإنها تتحول إلى المعيار الأكبر لمستوى التطور الثقافي والحضاري وأسلوب العيش. فازدياد الثروة أو \”الثروة الزائدة عن الضروري\” حسب عبارة ابن خلدون هو الذي يحدد مدى الابتعاد عن البداوة.
وجعل ابن خلدون من مفهوم \”فائض الإنتاح\” المفتاح المنهجي لرؤيته عن التاريخ والحضارة. إذ يشكل الإنتاج المقدمة التي على أساسها بنى ابن خلدون فكرته عن طابعه الجوهري بالنسبة لبناء صرح تعايش البشر وعلاقاتهم، وكذلك نمط حياتهم. فاختلاف حياة الأجيال يتحدد أساسا بأساليب عملهم وبطريقة حصولها على وسائل العيش. بل ونراه يؤكد على أن هذه العلاقات التي تنشأ بين الناس تحددها الضرورة الحياتية نفسها. وذلك لأن \”اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نِحَلهم في المعاش. فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله والابتداء بما هو ضروري منه قبل الحاجي والكمالي\”. فالقائمون على الزراعة والرعي كما يقول ابن خلدون \”تدعوهم الضرورة ولابد إلى البدو، لأنه متسع لما لا يتسع له الحواضر من المزارع\”. بعبارة اخرى، حالما يتحدث ابن خلدون عن انعكاس الضرورة الحياتية بأثر شكل الإنتاج، فإنه يحدد هذا النمط ويستخرجه من أرضية وأسبقية الطبيعة ومستوى التطور. فالعلاقات الجماعية بين البدو يحددها مستوى تطور الإنتاج ومقدار الفائض الشحيح فيه. لكنها علاقة قابلة للتغير بالارتباط مع زيادة الإنتاج. وهي الأفكار التي وضعها في تقريره عن أن \”اختصاص هؤلاء البدو أمرا ضروريا لهم. وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم في القوت والسكن والدفء إنما هو بالمقدار الذي يحفظ الحياة من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك\”.
تتبع ابن خلدون العملية الضرورية في تطور الإنتاج الاجتماعي. واعتبر انتقال المجتمعات البشرية من حالة نوعية إلى أخرى عملية اجتماعية اقتصادية حضارية. ولا يحدث هذا التحول ما لم تبلغ القوى المنتجة حدا معينا تتجاوز فيه خضوعها المباشر للطبيعة، أي من دون أن تنتج فائضا عن حاجتها، بحيث تبرز معها إمكانية مناسبة ووقت اضافي لتطوير الإنسان والمجتمع، مع ما يترتب عليه من تفاضل المجتمع وتخصصه، بوصفها مقدمات ظهور الحضارة. وكتب بهذا الصدد قائلا \”إذا اتسعت الأحوال بالنسبة هؤلاء المنتحلين للمعاش، وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفاه دعاهم ذلك إلى السكون والدعة\”. وقد استفاض نسبيا بصدد هذه القضية في أحد فصول (المقدمة) تحت عنوان \”في أن من طبيعة الملك الدعة والسكون\”، حيث أوضح فيه، بأن الحصول على الملك يؤدي إلى توحيد القوى صوب المسكن والمأكل والفنون والعلوم. ولا تعني الدعة والسكون ضمن مفاهيم ابن خلدون الكسل والخمول، على العكس، إنها تعادل معنى النشاط الحضاري الأرقى. فهو الأسلوب الذي يتطابق مع ظهور الحضر (بدو الأمس). انه الشكل الحضاري العملي الذي يلازم تطور الاقتصاد والقوى الاجتماعية ذاتها في عملية تطورها التاريخي.
غير أن ابن خلدون لا يضع علامة مساواة بين البدو – الضروري والحضر – الكمالي، رغم دقتها العلمية، بل يشير إلى أصل وجذر ومقدمة وأولوية الضروري على الكمالي. فالحضارة استمرار للبداوة ولكن على نحو أرقى. وأفرد لهذه القضية أحد الفصول النظرية في (المقدمة) ووضعها في صورة بيانية استنادا إلى البيت الشعري القائل
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر.
وقرر هنا وحدد استنتاجه بهذا الصدد قائلا بأن \”البدو أصل للمدن والحضر، وسابق عليهما، لأنه أول مطالب الإنساني الضروري. ولا ينتهي إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا. فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة. ولهذا نجد التمدن غاية للبدوي يجري إليها وينتهي بسعيه إلى مقترحه منها\”. وليس هذه الاستنتاج سوى الصيغة العامة التي تحدد فكرة الترابط التاريخي والانتقال العضوي في المسار التاريخي.