حوارات المجلة

الأديب المصري أحمد الخميسي للمجلة الثقافية الجزائرية:

القصة القصيرة سوف تبقى رغم “زمن الرواية”..
ليس لدي أي أوهام في خلود الكلمة فتيار الزمن المتدفق لا يبقي على شيء..
المشهد الثقافي المصري لا يدعو للبهجة لأسباب كثيرة في مقدمتها العقلية الأمنية

ضيفنا الأديب المصري الدكتور أحمد الخميسي واحد من كبار الأدباء العرب الجميلين الذين لم يسعوا إلى الجوائز أو الشهرة بل صنعوا الجمال والدهشة ضمن عالمهم الإبداعي حرصاً على إسعاد الناس فقط.. كتب للسينما والمسرح وقدّم العديد من الدراسات الهامة وعمل بالصحافة وترجم الأدب الروسي إلّا أنه بقي منحازاً للقصة القصيرة. من أبرز مؤلفاته: “رحلة إلى الشيشان” و”موسكو تعرف الدموع” و”أوراق روسية” و”نجيب محفوظ في مرايا الاستشراق الروسي” وغيرها، ومن أعماله المترجمة “رائحة الخبز” و”نساء الكرملين”، ومن مجموعاته القصصية نذكر: “قطعة ليل” ، “رأس الديك الأحمر”، “أنا وأنت”. المجلة الثقافية الجزائرية تواصلت مع هذا المبدع الجميل وسألته عن تجربته وذكرياته ورؤاه فكان هذا الحوار:

حاورته: باسمة حامد

لست متعصباً للقصة القصيرة

المجلة الثقافية الجزائرية: تعتبر القصة القصيرة من أهم السرود الأدبية كونها تختزل في كيانها شتى المدارس، كمبدع يفضّل هذا اللون عن الألوان الإبداعية الأخرى.. برأيك هل مازالت القصة القصيرة قادرة على الاحتفاظ بالقارئ في وقتنا الراهن؟

الدكتور أحمد الخميسي: بداية أنا لست متعصباً للقصة القصيرة ، لقد كانت انشغالي الأساسي –ليس لأنني أرى أنها شكل فني أفضل من غيره – لكن لأنها تلائم تكويني النفسي والعقلي وطبيعة استقبالي للعالم والناس. القصة القصيرة تعالج لحظة، وأنا بطبيعتي إنسان انفعالي، أتوهج وأنطفئ في لحظة، وليس لانفعالاتي ديمومة تكفي لعمل روائي، لذلك أجد نفسي في القصة القصيرة، في لحظاتها وومضاتها وتوهجها وانطفائها السريع. وفي اعتقادي أن القصة مازالت قادرة في وقتنا الراهن ليس فقط على الاحتفاظ بالقارئ بل وعلى كسب المزيد من القراء، بل إنها الأقدر على ذلك في عصرنا الذي أمسى فيه الناس يختصرون العبارات الطويلة إلى مجرد رموز وأيقونات في وسائل التواصل الاجتماعي، وبدلاً من جملة طويلة مثل “إنني حزين والأسى يغمرني” أصبحنا نكتفي بأيقونة وجه حزين للتعبير عن ذلك! في وقتنا هذا تبقى وسوف تبقى القصة القصيرة رغم الموجة المرتفعة لما يسمى “زمن الرواية”. وفي هذا السياق لا بد من ملاحظة أن القصة القصيرة ظهرت بعد الرواية بنحو قرن ونصف القرن، ولو أن الرواية كانت تسد الاحتياج الذي تتصدى له القصة القصيرة ما ظهرت القصة أصلاً، لذلك فإن أسباب بقائها تكمن في وظيفتها التي لا تقوم بها الرواية.

أنظر إلى ما أكتبه فحسب

المجلة الثقافية الجزائرية: الدكتور أحمد الخميسي واحد جيل الأدباء المخضرمين الذين أعطوا أشياء جميلة للأدب المصري دون الالتفات للجوائز أو الشهرة.. كيف تنظر إلى نفسك اليوم، من شرفة العمر كمبدع ضمن خارطة الكتابة في مصر والوطن العربي؟

الدكتور أحمد الخميسي: أنا لا أنظر إلى نفسي، ولا أضع نفسي ضمن خارطة، أنا أنظر إلى ما أكتبه فحسب. وليس لدي أي أوهام في خلود الكلمة أو الأدب أو أي أديب، لأن تيار الزمن المتدفق لا يبقى على شيء سوى حركة التطور وتجاوز كل ما يمضي. الأديب يقوم بدوره ” هنا” و” الآن” في زمن محدد وظروف اجتماعية محددة، هذا رغم قدرة الأدب على التدفق إلى المستقبل، لكن ذلك التدفق يظل رهنا بمدى زمني معين. لهذا فإن ما يشغلني هو ما الذي يمكنني أن أقدمه في زمننا وبلادنا للمساهمة في الارتقاء بالشعور وطرح القضايا الحقيقية، ويظل المهم هو التأثير الملموس في مكان محدد وواقع محدد. وحين أفكر في تلك المسألة فإنني عادة ما أتذكر ملاحظة الأديب الروسي العظيم “أنطون تشيخوف” حين قال: “فيما بعد سيختصرون أسماءنا جميعاً في جملة واحدة : كتاب القرن التاسع عشر“. بعد زمن ليس بالطويل سيكتبون عنا جميعاً: أدباء العراق والجزائر وسوريا ومصر جملة قصيرة مشابهة، ربما تكون “ملامح الأدب العربي في القرن 21″. أما عن الجوائز والشهرة فلا أظن أنها تشغل بال أي كاتب حقيقي. الجوائز لا تخلق موهبة ولا كاتبا رغم جمالها، وأحيانا كثيرة يحصل عليها من لا يستحقونها، ويكفي مثلا في هذا المجال التذكير بصموئيل يوسف عجنون الروائي الإسرائيلي الذي فاز بنوبل عام 1966 عن روايته ” تمول شلشوم” وكان ذلك لمجرد أن روايته تضمنت مثل هذه الفقرة : “العرب يشبهون الكلاب في جلستهم، وهم أعداء الحضارة وقد حولوا مركز الحضارة اليهودية في فلسطين إلى إسطبلات لحميرهم”!

الثقافة العامة في المجتمع تستبعد تقريباً اشتهار العلماء أو الأدباء أو المفكرين

المجلة الثقافية الجزائرية: عشرات الأعمال صنعت عالمك الأدبي المميّز، مع ذلك لم تحظى بالشهرة التي تستحقها كتلك التي حظي بها من هم أقل منك إبداعاً وتميزاً ؟ لماذا؟

الدكتور أحمد الخميسي: الشهرة موضوع مركب. هي أولاً مسألة نسبية تماماً، وحتى أعظم المشهورين ولنقل شكسبير فإنه مجهول تماماً في أزقة الكونغو وفي أرياف مصر وقرى العالم العربي. أيضاً لا أحد يعرف الروائي العظيم ماركيز وإذا نطقت اسمه في قرية مصرية سيظن الناس أنه نوع من البسكويت. الشهرة نسبية في كل الأحوال. ثانياً تستلزم الشهرة إلى حد كبير علاقة طيبة مع مؤسسات الدولة الثقافية والإعلامية التي تصنع شيئا من لا شيء. ثالثاً وأخيراً فإن الثقافة العامة في المجتمع تستبعد تقريباً اشتهار العلماء أو الأدباء أو المفكرين، بينما تفتح ذراعيها للمطربين ونجوم السينما ولاعبي كرة القدم، مما دفع توفيق الحكيم للقول: “انتقلنا من عصر القلم إلى عصر القدم”. وأظن أنه من صالح السلطات إلى حد كبير تكريس هذه النوعية من ” النجومية” بعيداً عن نجومية التفكير والثقافة والشعور.

لا شك أنني لم أبلغ ما أريد وما أنشده

المجلة الثقافية الجزائرية: يسعى المبدع دائماً كي تصل تجربته وتبقى كتاباته مؤثرة بعد مرور السنين.. كمبدع ما تزال تواصل عطاءك أي عالم تريد أن تخلّده في أوراقك؟ وهل تعتقد أنك وصلت إلى ما تريد بعد كل ما قدمته من كتابات ضمن مشروعك الإبداعي؟

الدكتور أحمد الخميسي: لا أريد أن أخلد شيئاً ما عدا أن تبقى عذابات الروح الحالية وآمالها مقروءة للناس في ما بعد، ولا شك أنني لم أبلغ ما أريد وما أنشده. نحن جميعاً نحاول. وعلى رأي نجيب محفوظ : “نشتغل، ونشوف الشغل ح يودي لفين”.

قلت لنفسي : “خليك في القصة القصيرة أحسن”

المجلة الثقافية الجزائرية: قبل عشر سنوات اقتنصت جائزة (نبيل طعمة) السورية عن مسرحية (الجبل) وهو العمل المسرحي الوحيد في رصيدك. لكنك لم تكرر التجربة؟ ما السبب؟

الدكتور أحمد الخميسي: نعم. أسعدني ذلك في حينه، ولكني خشيت من الشتات ومن أن أكتب في مختلف الأشكال فأضيع، أولا لأن جهدي قليل، وثانيا لأن والدي عاش ذلك الشتات فكتب القصة القصيرة والسيناريو والشعر والمقالات والمسرح وحتى الأوبريت وأيضا الأغاني، ولم يترك مجالاً إلا وضرب فيه بسهم، لكنه لم يحشد طاقته في مجال واحد، لذلك فإنني بعد أن كتبت المسرحية ونشرتها وفازت بجائزة قلت لنفسي : “خليك في القصة القصيرة أحسن”.

المجلة الثقافية الجزائرية: إذا انتقلنا إلى المشهد الثقافي المصري بالتحديد.. كيف يمكن وصف هذا المشهد حالياً وسط هيمنة الفكر التسويقي؟

الدكتور أحمد الخميسي: المشهد الثقافي المصري لا يدعو للبهجة لأسباب كثيرة في مقدمتها العقلية الأمنية التي تدار بها مؤسسات الدولة الثقافية. السبب الثاني تدمير علاقة الأدب بالمجتمع على المستوى الفكري والنظري وشغل الأدب بقضايا الدوران حول الذات، وألاعيب الشكل، والغرائبية، والانعماس في عالم “الأنا”، والنظر إلى الأدب بصفته مجالا للتنفيس عن الذوات المنعزلة عن سياقها الإنساني والاجتماعي وليس أنه وسيلة تواصل مع الآخرين. ولقد دفع كل ذلك ناقدا كبيرا مثل “تزفيتان تودوروف” لوضع كتاب باسم “الأدب في خطر” يحذر فيه من هجرة الناس للأدب بسبب هجرة الأدب للناس. في هذا الصدد يحضرني ما قاله بريخت ذات مرة : “لماذا يهتم الناس بكلماتي إن كانت كلماتي لا تهتم بالناس؟”. من ناحية أخرى تستقر وترسخ الروح التجارية في التعامل مع الأدب في إطار مجتمعاتنا التي تعلي قيمة الربح فوق أي قيمة، بحيث تحول الأدب عندنا يوما بعد يوم إلى سلعة عليها أن تجتذب المشتري بعناوين صارخة وألوان فاقعة وقضايا على هامش المتن تتعلق بالخرافات، والعجائب الجنسية، والتاريخ المزعوم لفئات وطوائف بلا دور، بينما لا تحتل حقيقة حياة الناس حيزا في ذلك ا كله. ومما يزيد المشهد قتامة أنه حين يظهر أديب حقيقي يتم حصاره بهدوء، وخنقه بمنديل ناعم، وقد يموت من غير أن يسمع به أحد. هناك شاعر عامية عظيم اسمه ” ميدو زهير” توفي منذ شهور وهو في الأربعين من عمره، لم يسمع به أحد حتى في مصر، ولا سمع أحد بروائي مصري عظيم اسمه محمد ناجي، هناك آلية المناديل الناعمة الرسمية لخنق وعزل وتنحية المواهب الحقيقية لصالح كل ما يسبح على وجه الماء، وبالرغم من ذلك تظل تنبت وتبزغ المواهب الحقيقية مثل زهور قليلة في حقول جرداء، لكنها تبقى وحدها تحت شمس حارقة. نعم .. لدينا أدباء يقاومون الفزع والفراغ.

المثقف والسياسة

المجلة الثقافية الجزائرية: توجهاتك السياسية الواضحة تجعلني أسألك عن المثقف والراهن كقضية إشكالية: كيف ترى هذه القضية في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد الذي قسم المثقفين إلى معسكرين: مع السلطة أو ضدها؟

الدكتور أحمد الخميسي: المثقف أو الأديب له دوره، وكان له دوره دائماً، ليس بالحتم أن يظهر موقفه هذا أو دوره في الأطر السياسية المباشرة من أحزاب وبرلمان وجماعات، قد يظهر موقفه أو دوره فقط في الأدب، مثلما فعل نجيب محفوظ، وقد يظهر في الأدب والنشاط السياسي المباشر مثلما فعل عبد الرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس، لكن لا يوجد أديب أو مثقف من دون موقف، هذا كذب، حتى الذين يدعون الحياد فإنهم يعبرون عن موقف التجاهل للصراع لصالح الوضع السائد. الاستقطاب الذي قسم المثقفين ناجم عن الوضع السياسي والاقتصادي الذي يتدهور بشكل غير مسبوق. أنا أظل مع ما قاله يوسف إدريس ذات مرة حين سألوه : “لماذا هجرت القصة وانغمست في كتابة المقالات؟”، فأجابهم: “وكيف أكتب القصص وأنا أرى ستائر منزلي تشتعل في حجرتي؟”، وهو ما عبر عنه الشاعر بابلو نيرودا حين قال : “إذا فتحت النافذة صباحاً ورأيت قتيلاً ورأيت وردة، أفليس من المخجل أن أكتب قصائدي في الوردة؟”. نحن نواجه على امتداد العالم العربي هجمة استعمارية بربرية غير مسبوقة، تسعى لتحطيم كل آمال التطور، والتقدم، ولا يمكن لكاتب أو حتى مواطن بسيط أن يتجاهل ذلك.

الدكتور أحمد الخميسي يضع باقة ورد على ضريح أنطون تشيخوف في موسكو

هز السجن ثقتي في جدوى الكلمة

المجلة الثقافية الجزائرية: في حوار سابق معك قلتَ أن قناعاتك بالكتابة “اهتزّت” كثيراً حين دخلت السجن لأنها لم تمنع سجنك ولا ألمك.. إذاً دعني أسألك السؤال ذاته: ما جدوى الكتابة؟!

الدكتور أحمد الخميسي: نعم. قلت ذلك لأفسر سبب توقفي عن الكتابة فترة طويلة. لقد هز السجن ثقتي في جدوى الكلمة وساقني إلى الظن أن الأمر كله محصور في “القوة”، وهو كذلك بالفعل، ذلك أن القوة هي التي تكمن وراء الثورة، وهي التي تربض خلف التغيير الاجتماعي، ونحن إذا تحدثنا عن التغيير المباشر فإنه مرتبط بالقوة، لكن هذا لا ينفي أبدا جدوى الكتابة وتأثيرها، المشكلة فقط أن الكتابة تؤدي دورها لكن ببطء، على المستوى الروحي والعقلي والجمالي، إن مجدية لكن بطريقتها وبإيقاعها البطيء واشتباكها المتمهل مع النفس، وقد لا تكون للسحب في السماء جدوى مباشرة لكن من دونها لا يكون العالم جميلا. الكتابة ضرورة جمالية وإنسانية وثورية، وإذا كانت ثقتي فيها قد اهتزت في لحظة فقد حدث ذلك في ظرف محدد لا أكثر.

علاقتي بالأدب الروسي قديمة

المجلة الثقافية الجزائرية: الأدب الروسي ذو قيمة كبيرة كونه أدب عريق تمحور حول الإنسان و سعى إلى الارتقاء بالوعي المجتمعي.. كيف ساهمت الثقافة الروسية في تشكيل مشروعك الإبداعي بعد كل ما ترجمته من أعمال تعكس جماليات هذه الثقافة وعمقها؟

الدكتور أحمد الخميسي: عندما يدور الحديث عن الأدب الروسي كثيراً ما أتذكر قول برناردشو: “إن الأدب الانجليزي يبدو شبيها بكوخ صغير أمام قصور الأدب الروسي”، وحتى لو كان في قول برناردشو بعض المبالغة فإنه يعكس قدراً من الحقيقة. ولدينا أديب عظيم مثل همنجواي الذي كتب أنه “لولا أندريه بلاتونوف ما كتبت العجوز والبحر”. وقد سألوا نجيب محفوظ وكان قد أشرف على التسعين يرى ويسمع بصعوبة، سألوه عن الرواية التي مازال في سنه هذه يتذكرها، فأجاب من دون تردد “الحرب والسلام. تولستوي”. ومثلي مثل الكثيرين تأثرت بالأدب الروسي خاصة أن علاقتي به قديمة، حين فتحت عيني منذ صباي ووجدت لدي والدي مكتبة تضم عيون الروايات الروسية مترجمة. قرأت مكسيم جوركي وغيره وأنا مازلت صبياً، ومن جوركي أخذت عبارة “جئت إلى هذا العالم لأختلف معه”، وظللت وأنا أصبي أرسم هذه العبارة بقلم أسود على كل أبواب حجرات البيت حتى صرخت في أمي: “خلاص فهمنا إنك جئت لتختلف.. اترك الأبواب في حالها”! الأدب الروسي لفت انتباهي بشدة بتعاطفه العميق مع الآخرين ومع قضية العدالة في العالم عامة، وكنت أتصور أنني لاحظت ذلك بمفردي، فإذا بي أقرأ في ما بعد لأستاذنا العظيم يحيي حقي نفس الملاحظات على الثقافة الروسية، ولهذا قمت حين استطعت بترجمة قصص أدباء روس كانوا ممنوعين وقتها في الاتحاد السوفيتي، و كتب أخرى.

الدكتور أحمد الخميسي عند ضريح حمزاتوف

المجلة الثقافية الجزائرية: بالحديث عن الأدب الروسي لدي فضول لأعرف منك ماذا تحمل ذاكرتك من صور عن الشاعر رسول حمزاتوف خصوصاً وأنك اجتمعت به في لقاءات عدّة؟
الدكتور أحمد الخميسي: تعرفت إلى حمزاتوف في موسكو وكان وجوده الإنساني يمنحني شعوراً بأن الدنيا بخير وأن الآمال الطيبة كلها سوف تتحقق، وأن الفجر قريب جدا. إنه القائل : “نجوم كثيرة وقمر واحد.. نساء كثيرات وأم واحدة.. بلاد عديدة ووطن واحد”. أسعدني الحظ أن ألتقي به عندما كنت مراسلا صحفيا في موسكو، أظن عام 1980. التقيته في اتحاد الكتاب السوفيت وتوقعت قبل أن أراه أنني سأبصر شيخاً متجهماً، فوجدت أمامي طفلاً ضاحكاً بحكمة رجل عاش ألف عام، يقطر حيوية وتتبدل تعابير وجهه كل لحظة بعمق إنساني غريب. دعاني بعد ذلك لزيارته في منزله بموسكو في شارع جوركي، فذهبت إليه وتقدمني إلى مطبخ واسع أشبه بحجرة ضيافة كبيرة، ثم جاءت زوجته فاطمة فقدمها إلي، وظهرت بعدها ابنته فقال لي: “ابنتي .. هي الأخرى فاطمة”، وجاءت ابنته الثانية فسألته ضاحكا: “فاطمة أيضا؟”. قهقهة: “لا .. هذه اسمها صالحات، ولو أنها كانت فاطمة لكنت أنا دكتور في العلوم الفاطمية”! كان شاعراً فذاً لا يتكرر وإنساناً لا يتكرر، وحينما أحكمت البيرسترويكا قبضتها على البلاد راح الكثيرون يغيرون مواقفهم بسرعة البرق، فكتب يقول: “قد يغير المرء قبعته، لكن ليس رأسه”. سافرت إليه في بلده داغستان في مايو 1955، وحكى لي ضاحكاً كعادته أن والده كان شاعراً يكتب القصائد بالآفارية والفارسية، لكنه كان إذا غازل نساء أخريات يكتب عنهن القصائد بالفارسية لكي لا تتمكن زوجته من ضبطه! بعد عشر سنوات من زيارتي بلده داغستان ذهبت إلى هناك مرة أخرى عام 2013 لكن هذه المرة لأضع باقة زهر على ضريح الشاعر العظيم.

الأدب واللغة

الدكتور أحمد الخميسي مع الروائي الكبير نجيب محفوظ

المجلة الثقافية الجزائرية: اللغة هي الأداة الأهم للمبدع، كيف تفعل هذه الأداة فعلها الجميل في إبداعاتك المختلفة (قصة، ترجمة، دراسات، صحافة، سينما، مسرح) ؟

الدكتور أحمد الخميسي: اللغة ليست الأدب بطبيعة الحال، لكن الأدب لغة. الأدب كله تقريباً لغة. وقد شغلتني ومازالت اللغة الأدبية التي لا بد لها من إيقاعها الشعري داخل النثر، كل نثر، وعلى حد قول يحيي حقي : “لا يوجد أدب من دون عشق اللغة”، لم يقل من دون دراسة أو معرفة بل عشق ولا أقل من ذلك مطلوب للكتابة في كل حالاتها : ترجمة، صحافة، حوار، مقال. أذكر أنني أقمت ورشة للقصة القصيرة في القاهرة وكنت أقول للحاضرين: “اقرؤوا الشعر، وحينما تفعلون رددوه بصوت مرتفع وكفكم تحيط بآذانكم كما يفعل الشيوخ، لكي يتردد بقوة إيقاع الشعر في آذانكم ، وتتسر بحوره إلى داخلكم، وبعد ذلك ستجدون أنكم من دون وعي تصوغون الجملة على الإيقاع الشعري. الأدب صياغة، والمادة التي نصوغه منها هي اللغة. والمقصود هنا ليس النحو والصرف فهذه أبسط الأمور، المقصود أن الأديب من دون لغة يصبح عاجزاُ عن التعبير، وعاجزاً عن نقل “الحقيقة” الفنية والموضوعية. على سبيل المثال إن أراد أديب أن يصف حمالة صدر فتاة تنزلق في موضع محدد ما بين كتفها وذراعها، فإنه لن يتمكن من ذلك ما لم يكن مهموما باللغة، لكن الروائي السوري الكبير عبد السلام العجيلي يصف ذلك في قصة له قائلاً: ارتخت حمالة صدرها عند منزلق الكتف”! هاهي عبارة “منزلق الكتف”، وهاهي كلمة ” منزلق” التي يفتش عنها ويجدها كاتب كبير، وبفضل تلك الكلمة تصبح الصورة الأدبية محددة بدقة. وفي تاريخ الأدب العالمي والعربي لا يوجد أديب كبير إلا وهو لغوي كبير, انظر نجيب محفوظ أو شكسبير. بصدد اللغة وما تفتحه من إمكانيات رسم الصورة الأدبية تقول الكاتبة المعروفة إيزابيل الليندي: “يمكن لقرائي أن يفاجأوا عندما يعرفون أنني أقرأ الفقرة بصوت عال، وإذا كانت هناك كلمات مكررة فهذا لا يعجبني.. وعندما أجد كلمة لا تتطابق والمعنى الذي كنت أرمي إليه أستعين بالمعاجم.. من المهم جدا بالنسبة لي أن أجد الكلمة المحددة التي تخلق الشعور أو تصف الحالة. أنا انتقائية جداً في هذا الجانب لأن الكلمات هي المادة الوحيدة التي نمتلكها”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق