قراءات ودراسات

الأســاس الأنــثـــروبــولــوجـي للـفـنّ عـنـد غــادامـيـــر

حمزة فني

1-تَقـديـــــم: أو فـِـي العَـلاقـةِ بـيـنَ الهِرمِنُـوطِـيقـــا والفَـنّ:

تنحدر لفظة “هرمنوطيقا” من الفعل اليوناني Hermeneuein الذّي يعني “يُفسِّر”، وواضحٌ أنّ لهذا الفعل علاقة لغوية ودلالية بــ “هِرمـس” رسول آلهة الأولمب. والهرمنوطيقا هي اتجاهٌ في التفسير/ التأويل ينفر من كل نزعةٍ دوجماطيقية تقوم على إصدار أحكامٍ أو تقريراتٍ تسعى إلى تقديم إجاباتٍ نهائية. كما تقوم على ثلاثة مفاهيم مركزية مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا جدليا وهي: الفهم والتفسير والحوار، فلا تفسير بدون فهم ولا فهم بدون حوار. والهرمنوطيقا تهدف إلى نزع الاغتراب عن الإنسان، أي تلك الحالة التي نستشعرها إزاء موضوعٍ ما لكونه غير مفهومٍ بالنسبة لنا، وبالتالي لا نشعر بنوعٍ من الألفة والتواصل معه. بتعبيرٍ آخر فإن ما تسعى إليه الهرمنوطيقا الغاداميرية هي جعل الإنسان يشعر بالألفة في هذا العالم الذّي ألقي فيه. لكن ما علاقة هذا بالفن؟ يقول غادامير متحدثاً عن ذلك الاغتراب: ’’ إنني أودّ أن أبدأ من خبرتين بالاغتراب نلقاهما في وجودنا العياني، وهما: خبرة اغتراب الوعي الجمالي وخبرة اغتراب الوعي التاريخي‘‘. وما يهمنا هنا هو الخبرة الأولى. وما يعنيه غادامير بالوعي الجمالي هو ذلك الوعي الذي يربطنا بالشكل الخارجي للفن، أي ما يجعلنا نحكم على الفن انطلاقا من شكله الجمالي، فنستحسنه ونقبله أو نستقبحه ونرفضه، دون التوقف لحظة والغوص فيه لاكتشاف مضمونه ورسالته. فكل إبداعٍ فني حسب غادامير قد أُبدِع ليقول شيئاً ما لأُناسٍ يعيشون في عالمٍ مشترك، ولم يُبدَع لأجلِ مُجرّد قبوله أو رفضه. لهذا فنحن عندما نقتصر على الشكل الخارجي أو على الصورة الظاهرة لعمل فني ما لنرى هل ستروق لذائقتنا أم لا دون محاولةٍ للإصغاء إلى ما يقوله ذلك العمل، فإن ذلك يوقعنا في الاغتراب. لهذا فخبرة الفن، باعتبارها خبرة “يُقال لنا فيها شيءٌ ما”، تعتبر موضوعا خصبا للهرمنوطيقا، مثلها مثل خبرة الدين، لأن هذا الشيء يحتاجُ لأن يُفهم ويُفسر، والهرمنوطيقا تعلمنا كيف نفهم وكيف نفسر ما يقال لنا. فتعريفها الأصلي هو: ’’ فن إيضاح وتفسير ما يقال بواسطة أشخاصٍ آخرين نلقاهم في التراث‘‘. هكذا فإن الهرمنوطيقا تسعى إلى فهم ذلك الفن الذّي نجده في التراث الكوني، لكي يصبح مندمجا ومألوفا لنا في عالمنا الحاضر، إنها تهدف إلى إرجاع الدور الحقيقي للفن كما كان يلعبه قديماً، لعلّها تُنقِذه من كونه “أصبح شيئا من الماضي”.

2-عـندما أصبـحَ الفَـنُّ شـَيـئاً مِـن المَــــاضِــــــي:
ما الدور السلبي الذّي لعبه سقراط تُجاه الفن؟ ما الذّي جعل هيغل يقول إن الفن أصبح يمثّل بالنسبة لنا “شيئاً من الماضي”؟ لقد كان الفن منذُ القدم مفهوماً وواضح المضمون والرسالة، لا يحتاجُ لأي تبرير، لكن مع ظهور سقراط وطريقته الجديدة في التفلسف التي تميزت بالتشدد العقلاني وجد الفن نفسه مُطالبا بأن يُبرّر ذاته لأول مرة في تاريخ الغرب، إذ أنّ هذه النزعة السقراطية في التفلسف كانت مُضادة لروح الفن القائمة بطبيعتها على الحدس والإلهام والعاطفة والخيال، ونحن نعرف أن أفلاطون الشاب لما التقى بسقراط لأول مرة أحرق كل ما كتبه من شعرٍ وألقى به في مهب الريح، ثم إنّه طرد الشعراء من مدينته الفاضلة، فهم “يتحدثون عن أشياء لا يعرفونها” والمعرفة التي تأتي عن طريق الشعر، والفن عموماً، ليست حقيقية بل هي مجرد محاكاة للطبيعة، أي أنها وهمُ الوهم أو الوهمُ مُضاعفا، ’’والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ‘‘. إذن ففي هذا الجو الخانق الذّي أنتجه سقراط، كما يبين غادامير، شعر فنانو ذلك الحاضر أن عصرهم قد ولّى، وهذا ما سيؤدي فيما بعد إلى الشعور بالاغتراب تُجاه الفن لأول مرة. وهو ما جعل هيغل بعد زمنٍ طويل يقول في محاضراته التي ألقاها بجامعة هيديلبرج ثم بجامعة برلين حول علم الجمال، إن الفن هو “شيءٌ من الماضي”، وهي قضية اندهش لها غادامير، بعد أن تأملها جيداً، حينما اكتشف كم تُنبئُ بنفس القضية التي يطرحها هو نفسه إزاء الفن. وما يعنيه هيغل بمقولته هذه ليس أن الفن لم يعد له أي دورٍ في عالمنا أو في عصرنا، بل أن الفن لم يعُد يُفهم باعتباره تجلياً للإلهي على النحو الذّي كان يُفهم به في العالم اليوناني بطريقةٍ بديـهيةٍ لا إشكال فيها، ’’فهناك كان الإلهي مُتجلياً في المعبد – الذّي ظلّ صامداً أمام خلفية من مشهد طبيعي بفعل ضوءٍ آتٍ من الجنوب – منفتحاً أمام قوى الطبيعة الأبدية؛ ومتمثلاً في صورةٍ مرئية في النحت العظيم، صورةٍ بشرية شكّلتها أيادٍ بشرية‘‘، وهو ما أصبح مستحيلا التعبير عنه بواسطة الفن في التقليد المسيحي الذّي أعلى وجرّد الإله أكثر. أي أن مقولة “الفن هو شيء من الماضي” تعني أنه مع نهاية عصر القدماء أصبح الفن حتما محتاجا إلى تبرير بعد أن لم يجد لنفسه مكاناً مشروعا في العالم، وهنا يكمن التقارب بين هيغل أستاذ المثالية التأملية الكبير وغادامير في نظرتهما العميقة للفنّ. فمع بزوغ فجر القرن التاسع عشر بطُل ذلك المعنى القديم للفن، فوجد الفنانون العظام أنفسهم مشردين وغريبين في مجتمعٍ يتنامى صناعيا وتجارياً، فحصل الاغتراب، وأدرك الفنان الحديث أنه ’’ لم يعد بمقدوره أن يفترض سلفاً ذلك الاتصال اللاإشكالي السابق الذّي كان يوجد بين الفنان وبين أولئك الذّين عاش بينهم وأبدع من أجلهم‘‘، من هنا خرج الفنان، أو وجد نفسه خارجاً عن الجماعة فخلق لنفسه جماعة خاصة تلائم كينونته. وغادامير يلتزم الصمت البليغ متحسراً وحانياً رأسه تُجاه هذا الموقف بالغ الحرج الذّي وجد فيه هؤلاء الفنانون أنفسهم. كما وجد، في الضفة المقابلة، إنسان القرنين التاسع عشر والعشرين فتورا كبيرا في خبرته الاستقبالية، فحينما يرتد إلى الفن القديم يحاصره ذلك الشعور الذي ينشأ في نفسه بأنه “ترك بالفعل شيئا ما وراءه”، شيئا ما لم يعد بإمكانه التواصل معه وفهمه. من هنا فالفن أصبح قضيةً مطروحة لإعمال الفكر.
في محاولة منه لحلّ تلك المشكلة التي وضعها، مشكلة عبور الفجوة بين الشكل والمضمون التقليديين للفن الغربي من جهة، والنماذج الإبداعية لدى الفنانين المعاصرين من جهة أخرى، أي تلك الهوة التي تفصل بين الفن بمعناه القديم والفن كما أصبح في ذلك العصر، أي “شيئا من الماضي”، يبدأ غادامير بوضع الأدوات البحثية التصورية المتعلقة بعلم الجمال، منطلقا من اعتبار مهمة الفيلسوف هي اكتشاف ما يكون عاماً حتى فيما يكون مختلفاً، أو ما عبّر عنه أفلاطون حينما قال إن مهمة الفيلسوف الممارس للجدل هي أن ’’ يتعلّم رُؤية الأشياء معاً من جهة الواحد‘‘. فهذا ما يحاول غادامير القيام به لحل تلك المشكلة المبنية في جوهرها على تصدعٍ حدث في الفن فأصبح مشتتا.
يعلمنا اليونان، آباء الفكر الغربي كما يصفهم غادامير، أن الفن ينتمي لما أسماه أرسطو بــ “المعرفة الشعرية poietike episteme-” وهي المعرفة والبراعة الخاصة بالإنتاج، أما فيما يخص تعريفه الدقيق فغادامير كان يعرف منذُ البداية أن اليونان لن يقدموا له أي عون مباشر لأنهم فهموا الفن في أفضل الأحوال باعتباره محاكاةً للطبيعة لا أقل ولا أكثر. لكن أرسطو، أستاذ فلاسفة اليونان كما ينتعه البعض، يقدم لغادامير لمحةً أولى في غاية الأهمية، وهي ما يشير له في كتاب الشعر/ البويطيقا – Poetics حيث يقول إن’’ في الشعر فلسفةً أكثر مما يكون في التاريخ‘‘، ذلك لأن التاريخ يحكي لنا فقط الكيفية التي حدثت بها الأشياء بالفعل في حين أن الشعر ينبئنا بالكيفية التي يمكن أن تحدث بها الأشياء، وربما يرجع هذا إلى طبيعة الشعر القائمة على الإلهام والخيال، كما يعلًمنا أيضاً أن ندرك الكلي ’’ في حدثٍ إنساني ومعاناةٍ إنسانية‘‘ كما يقول غادامير. وبما أن الكلي هو موضوع الفلسفة فيبدو جليا أن الفن هو أكثر فلسفة من التاريخ، لأن هدف الفن ليس سوى الكلي والمشترك.
لمحةٌ ثانية سيقدمها التراث اليوناني لحفيده غادامير، وذلك من خلال أفلاطون. حيث أن غادامير ينتقل للبحث في مفهوم الجميل the concept of the beautiful الذّي مازال يحتفظ، في تعبيراتٍ عديدة، بشيءٍ من المعنى اليوناني القديم لكلمة الخير Kalon التي تشير إلى ما هو خيّر أو حسن good. ويمكن تعريف الجميل على نحوٍ مقنع باعتباره’’ شيئا ما يحظى باعترافٍ وقبولٍ شامل‘‘. ومفهوم الجميل قد سُلط عليه الكثير من الضوء في الفكر اليوناني، خاصة في فكر أفلاطون، ففي محاورته الشهيرة “فايدورس Phaedrus” يوضح أفلاطون أن تلك الأرواح التي أتت من العالم المثالي إلى العالم الأرضي قد احتفظت بتذكرٍ غامض له، فقد أصبحت مثقلةً بالهموم الأرضية وفقدت أجنحتها، على حد تعبير غادامير، ولم تعد قادرة على الطيران إلى عالم الحقيقة. لكن هناك خبرةٌ واحدة فقط قد تجعل أجنحتها تنمو وتتيح لها أن ترى عالم الحقيقة مرة أخرى، تلك الخبرة هي خبرة الحب والجميل. فبفضل “الجميل” نحن قادرون على تذكر دائم للعالم الحقيقي. هذا هو ما يتوسل به غادامير ليستخلص رسالة مهمة من هذه القصة التي حكاها أفلاطون، وهي أن ’’ ماهية الجميل لا تقع في مجال ما يكون فحسب مضاداً للواقع. فنحن، على العكس من ذلك، نتعلم أنه مهما كان لقاؤنا بالجميل غير متوقع، فإنه يمنحنا ثقةً بأن الحقيقة لا تقع بعيداً عنا، ولا يتعذّر علينا بلوغها، وإنما يمكن أن نلقاها في اللانظام الذّي نجده في الواقع بكل نقائصه، وفي الشرور والآثام، في كل صور التطرف، وفي الاضطرابات القدرية‘‘. ويواصل غادامير متحدثا عن الوظيفة الأنطولوجية للجميل قائلا إنها هي ’’ عبور الهوة بين المثالي والواقعي‘‘. وهذا هو المفتاح الثاني الذي يعثر عليه غادامير من خلال تأملاته، أي أن الفن باعتباره جميلا يمكننا من عبور تلك الهوة بين المثالي والواقعي، بين الفاني والخالد، بين الدنيوي والمقدس.
ثم يتقدم غادامير أكثر ليصل إلى كانط الذّي أمدّه بلمحاتٍ جديدة، وذلك من خلال تعريف كانط لاستقلالية الجميل بالنسبة للعقل النظري من جهة وللعقل العملي من جهة أخرى. هذا هو المقصود من فكرة كانط التي ترى أن البهجة التي نتلقاها عند رؤيتنا للجميل هي “بهجة منزعة عن الغرض”، وهذه النزاهة تحظر علينا أن نتساءل عن أي غرضٍ وراء ذلك الجميل، أو وراء الفن عموما، فكانط قد عرف الجمال الأصيل باعتباره “جمالاً خالصاً” أي جمالا خالصا من التصور ومن المضمون ذي الدلالة. من هنا انتقاد غادامير لكانط، حيث اعتبر أن الاتجاه نحو الفن من خلال خبرة الذوق الجمالي هو اتجاه “برّاني نسبيا” كما أنه ضئيل الأهمية إلى حد ما. لكن إذا كان الحال هكذا فما الذي قدمه كانط لغادامير؟ يأتي الجواب عندما يصف كانط ذلك الذوق الجمالي بأنه حسٌّ مشترك common sense))، أي أن الذوق له طابع التواصل، ’’ فهو يُمثّل شيئاً ما نمتلكه جميعاً بدرجةٍ أكبر أو أقل‘‘، بعبارةٍ أخرى فإنه لا مجال، بل من اللغو كما يقول غادامير، أن نتحدث عن ذوقٍ فرديٍ خالص وذاتي في مجال علم الجمال. من هنا كان غادامير مَديناً لكانط لأنه مكّنه من فهمِ أوليٍ لمشروعية الدعاوى الجمالية رغم أنها لا تغوص بنا لفهم مضمون أو غرض الفن. فنحن نجد أنفسنا أمام أي عملٍ فنيٍ محصورين بين الجانب المرئي أو الظاهر وبين المعنى أو الباطن الذّي يفهمه ذهننا على نحوٍ غامض. يتساءل غادامير: من أين يأتي ذلك المعنى؟ ما هو ذلك الشيء الإضافي الذي بفضله يصبح الفن ما هو عليه لأول مرة؟ وهذا الشيء الإضافي هو المضمون الذي لم يشأ كانط أن يعرفه. لكن رغم ذلك، رغم مقولة النزاهة في الفن، فإن الإنجاز العظيم، كما يصفه غادامير، لكانط هو أنه استطاع تجاوز تلك النزعة الشكلانية المحضة “لحكم الذوق الخالص” (pure judgment of taste) وتجاوزه “لموقف الذوق” لصالح “موقف العبقرية”. ونحنُ نعرف أنّ مفهوم العبقرية هو الاسم الذّي أطلقه القرن الثامن عشر على ما أنجزه شكسبير الذّي انتهك قواعد الذّوق التي أرستها الكلاسيكية الفرنسية، وقد احتفى لسنج Lessing بشكسبير باعتباره صوت الطبيعة، وكانط أيضاً نظر إلى العبقرية بهذه الطريقة، حيثُ وصف العبقري بأنه “محبوب الطبيعة”. إذن فرغم أن كانط لم يقل بغرضية الفن تحت ذريعة مقولة النزاهة، فإنه قد تجاوز النزعة الشكلانية وقال بالذوق المشترك، أي أن ’’ المثالية بوجهٍ عام قد فطنت أيضاً إلى مظهر المعنى أو إلى الفكرة – أو إلى ما شئت من الأسماء الأخرى التي يمكن إطلاقها هنا – دون أن تجعل بذلك التصور هو البؤرة الحقيقية للخبرة الجمالية‘‘. وهذا كان كافيا لإرضاء غادامير.
لكن كل هذا كان مجرد مصابيح صغيرة ذات ضوء خافت استعان بها غادامير لإضاءة طريقه، إذ بان له أن علم الجمال الكلاسيكي لا يمكن أن يقدم له عونا كبيرا في بحثه عن حل لقضيته. لهذا قرر العودة إلى خبراتٍ إنسانية أكثر أولية لتعينه. أي أنه سيحاول الإجابة عن تساؤل مهم هو: ما هو الأساس الأنثروبولوجي لخبرتنا بالفن؟ وسيُظهر هذه القضية من خلال الاستعانة بثلاثة مفاهيم أساسية هي: اللعب play والرمز symbol والاحتفال festival. ومن خلال هذا الأساس الأنثروبولوجي سيرسم غادامير شرعية جديدة للفن.

3-الــفَـــنُّ بـوصـــفِــه لَــعِــــــبـــــاً:
يؤكد غادامير بداية أن لمفهوم اللعب أهمية خاصة وهو وظيفة أولية جدا للحياة الإنسانية، لدرجة أنه لا يمكن تصور الحضارة بدون هذا العنصر. إن اللعب هو حركة ذاتية لا تهدف لتحقيق أي غاية أو غرضٍ خاص، أي أنه يكشف عن ظاهرة “فائض النشاط”، والشيء المميز في اللعب الإنساني هو قدرته على احتواء عقلنا والتغلب على تلك القدرة العقلانية الهادفة التي تتحول إلى عقلانية لا غرضية nonpurposive rationality كما يسميها غادامير. هذه هي السمة الأساسية في اللعب الإنساني. وفي هذا النشاط اللاغرضي فإن العقل هو الذّي يضع القواعد، فالطفل يبتئس إذا ما فقد السيطرة على الكرة عند النطة العاشرة، وينتشي إذا ما استطاع أن يبقي عليها حتى النطة الثلاثين. لكن غادامير يؤكد أن هذا النشاط اللاغرضي يكون مقصودا بذاته، فهذا النشاط هو ما يهدف إليه اللعب، لهذا يكون اللعب في نهاية التحليل بمثابة تمثل الذات لحركتها الخاصة في اللعب. وهذا الأخير يتطلب دائما “لعبا مشتركا مع”، وهذه المشاركة ليست سوى “متابعة اللعب” نفسها، فالشخص الذّي يتابعُ طفلا ما يلعب أو يشاهد مباراة في كرة القدم فإنه يشارك في ذلك اللعب، وهو لا يستطيع أن يتحاشى تلك المشاركة. لهذا فالمشاهد ليس مجرد ملاحظ لما يحدث بل هو جزءٌ منه. وربما يفطن القارئ أنه من خلال هذا “اللعب” ظهر المسرح لاحقاً. وما يهمنا هنا بدرجة أولى ليس هو اللعب وإنما الفن باعتباره لعباً، فالفن بناء على ما سبق ليس مجرد عمل منغلق على نفسه بل هو مشاركةٌ للمتلقي/ المشاهد، أو بعبارةٍ أخرى فالفن هو فنٌ موجه للآخر بوصفه مشاركا فيه، يقول غادامير: ’’ ومن الخطأ أن نظن أن وحدة العمل الفني تعني أن العمل يشكل مجالاً منغلقاً على نفسه بمنأى عن الشخص الذي يتجه إليه أو يتأثر به‘‘. لكن هذه الخاصية التي ميزت الفن منذ أن كان جنيناً في رحم اللعب لم تعد تظهر في الفترة المعاصرة، حيث أصبحت هناك هوة بين العمل الفني والمتلقي له، لهذا عمل الفن الحديث بكل قوته على أن يحطم تلك المسافة بين المشاهد/ المستهلك والعمل الفني، أي تحويل “مسافة المشاهد” من العمل إلى “تورط المشارك” في العمل.
يمكن القول إن الأساس الذي تقوم عليه “المشاركة” أو الذّي يتطلب المشاركة هو أن العمل الفني يتضمن دائما شيئا يجبُ فهمه بوصفه شيئا ما، أي أن الفن لا يقدم نفسه، بدرجة أولى، لنعجب به أو لا، بل يطالبنا بأن نفهم ما يقوله أو “ما يقصده” على حد تعبير غادامير، ’’ فالعمل يعلن تحدياً ينتظر منا التصدي له. فهو يتطلب رداً – رداً يمكن أن يمنحه فقط الشخص الذّي قَبِل التحدي. وهذا الرد يجب أن يكون ردّه الخاص، وأن يُقدّم على نحوٍ فعّال – فالشخص المشارك هو شخص ينتمي إلى اللعب‘‘. وتلك الخاصية متأصلة في اللعب أيضا قبل الفن، ’’ أعني أنه في اللعب يكون هناك شيء ما مقصودا بوصفه شيئا ما، حتى وإن لم يكن هذا الشيء متصوراً ونافعاً أو غرضياً، وإنما مجرد تنظيم للحركة خالص ومستقل بذاته‘‘. وهذه نقطة بالغة الأهمية في الفن، إذا أخذنا بها وفهمناها جيدا فيمكن تحطيم تلك المسافة بين المتلقي/ المشاهد/ المستهلك والعمل الفني. وما ذكرناه حتى الآن بخصوص علاقة الفن بالمتلقي له هو ما يسميه غادامير بــ “الهوية الهرمنوطيقية”، فهي التي تؤسس وحدة العمل الفني، أي وحدة الفن ومتلقيه/ مستهلكه. لكن هذه الوحدة ليست واحدة، إن صحّ التعبير، بل هي وحدة تختلف بين متلقٍّ وآخر، بين مشاهد وآخر، بين قارئ وآخر، فكل واحد يملأ تلك “المساحة المفتوحة” التي يتركها الفن للذي يُلبّي نداءه. ويمكن توضيح هذه النقطة البالغة الأهمية بنص أدبي من الرواية العظيمة “الإخوة كارامازوف”، حيث نجد فيها هذا السرد المتقن: ’’ إنني أستطيع رؤية درج السلّم السفلي الذّي تدهور عليه زمردياكوف. أين يبدأ، وكيف يزداد إظلاماً، ثم يتجه يساراً. إن كل هذا واضحٌ بالنسبة لي كأوضح ما تكون رؤى العيان، ومع ذلك فأنني أعرف أيضاً أنه لا أحد غيري “يرى” السلم على نحو ما أراه‘‘.
إن ما زاد من تلك المسافة بين العمل الفني والمتلقي المعاصر هو ذلك الفهم الدوغمائي للإدراك الحسي، فذا الأخير، كما يرى غادامير، ليس مجرد انطباعات حسية متفرقة بل هو أكثر وأبعد من ذلك، إنه يعني’’ أن تُدرك شيئا ما بوصفه حقيقياً‘‘، فما يكون مقدما للحواس إنما يجب رؤيته وفهمه بوصفه شيئا ما ذا دلالة، أي عدم النظر إلى الإدراك الحسي كمعيار جمالي. في هذا الصدد يتحدث غادامير عما يسميه بــ “اللاتمايز الجمالي- nondifferentiation aesthetic ” الذي يعني تجريد العمل الفني من كل مضمونه ومغزاه وكل ما يخاطبنا فيه والاقتصار فقط على التقييم “الجمالي الخالص” الذي هو أمر ثانوي، أو بعبارة أخرى فالفن لم يوضع لكي يعجبنا أو لا، أو لكي نرفضه أو نقبله، بل لكي نفهمه، لكي نفهم المضمون أو الرسالة التي يحملها لنا ويخاطبنا فيها وبها. ’’ من الواضح أنه إذا ما سأل سائلٌ قائلا على سبيل المثال: هل يعد تصوير هذا الجواد أمراً موفقا؟ أو حتى تساءل: هل أصاب المصور في تصوير هذا الحاكم – شارل الثامن – وسحنته الخاصة؟ فإن السائل بذلك سيكون غافلاً عن العمل الفني الحقيقي‘‘.
لقد تحدث غادامير عن مفهوم اللعب ليوضح بشكل دقيق أن كل فرد متضمن في اللعب يكون مشاركاً، ومنه فإن أي فرد متضمنٍ في لعب الفن يكون مشاركاً، فلا يوجد أي انفصالٍ جذريٍ بين العمل الفني والشخص الذي يحدث العمل في خبرته. لهذا نادى غادامير بتعلم قراءة الأعمال الفنية الكلاسيكية، لكن القراءة لا تعني مجرد التقصي أو الاستيعاب لكلمةٍ ما تلو أخرى، بل هي ’’ في المقام الأول إجراء حركةٍ هرمنوطيقية مستمرةٍ وموجهةٍ بتوقّع الكل‘‘ لملء تلك الهوة التي أصبحت تفصل بين العمل الفني والمتلقي المعاصر، ومن تم إزالة الاغتراب عنه كما أشرنا لذلك في بداية المقال.

4-الــفـــنُّ بـوصفِــه رَمـــزاً واحـــتِـــفَـــالاً:
لقد بين غادامير أن الفن بوصفه لعبا يحملُ دلالةً معينة يجب أن يَكتشفها المتلقي، لكن بما أن خبرات الأفراد تختلف من واحدٍ إلى آخر، فإننا نجد أنفسنا أمام ما يسميه بــ “لا تحددية الدلالة” التي تميز ذلك الفن، لهذا يعتمد غادامير على مفهوم “الرمز” لتوضيح هذه الدلالة، أو بالأحرى فإنّه يعتمد على المفهوم القديم للرمز. وتعني هذه الكلمة عند اليونان “علامة تذكارية”، حيث كان المُضيف يقدم إلى ضيفه ما يسمى بـعلامة الضيافة، وذلك بأن يقسم شيئا ما إلى نصفين فيحتفظ بنصفه لنفسه ويمنح النصف الثاني لضيفه، ولو قُدّر لأحدٍ من نسل هذا الضيف أن يدخل بيت ذلك المُضيف بعد مرور ثلاثين أو خمسين سنة، فإنه يمكن مطابقة القطعتين معاً مرة أخرى كشكلٍ من أشكال التعرف. ’’ فالرمزُ – بمعناه الاصطلاحي الأصلي – يمثّل شيئاً ما أشبه بنوعٍ من إذن الدخول كان مستخدماً في العالم القديم: إنه شيءٌ ما نتعرّف فيه – ومن خلاله – على شخصٍ كان معروفاً لدينا من قبل‘‘. أي أن الفن باعتباره رمزا هو تلك الكسرة التي تُذكرنا بشيء ما، بشيءٍ كنا قد تعرفنا عليه من قبل. لكن ماذا يعني التعرف؟ يجيبنا غادامير بأن التعرف ليس مجرد مسألة تتعلق برؤية شيءٍ ما للمرة الثانية، ولا هو سلسلة من اللقاءات، وإنما هو معرفةُ شيءٍ ما من ذلك النوع الذّي نكون على معرفةٍ به من قبل، ’’ فالتعرف يعني دائما أننا قد أصبحنا نعرف شيئاً ما على نحوٍ أوثق مما كان في استطاعتنا عندما لفت انتباهنا في أول لقاءٍ به‘‘. وهذه هي الوظيفة الصحيحة للرمز. والفن باعتباره رمزاً يكون هناك جاهزا ليلاقي أي شخصٍ يريد أن يلقاه ويفهم معناه من خلال عملية هرمنوطيقية تربطه بالماضي البعيد، ذلك الماضي الذي نساه، وهذه العملية هي ما يُسميه فالتر بنيامين بالانبثاق الخفي للعمل الفني.
لا يكتفي الفن بمجرد تحقيق تجلٍ للمعنى، بل هو يقوم باحتواء المعنى كي لا يفرّ أو يهرب منا و’’ ليبقى آمناً ومحتمياً داخل السكينة المنتظمة للإبداع‘‘. ولإيضاح الدلالة الصحيحة للفن وحقيقته العميقة بشكل سديد وسليم يتوسّل غادامير بمفهوم الرمزي كما تبناه شيلر وغوته، حيث إن ’’ الرمزي لا يشير ببساطةٍ إلى معنى، ولكنه بالأحرى يَسمحُ لهذا المعنى بأن يُقدّم ذاته‘‘.
ما يريد غادامير استخلاصه من كل هذا هو أن الفن أياً كان نوعه فهو يتطلّب نشاطاً تأسيسياً من جانبنا، أي من جانب المتلقي، وهذه فكرةٌ محورية في دراسة غادامير لخبرة المُشارك أو المتلقي. وقد أشار لهذه الفكرة عندما تحدث عن مفهوم اللعب. لهذا فالتعرف على الرمزي هو المهمة التي يجب أن يأخذها المتلقي على عاتقه، وهي مهمة ليست بالسهلة، فلكي يفك شفرة تلك اللغة غير المألوفة التي يتكلّم بها الفن يجب أن يتعلّم قراءتها بشكلٍ صحيح. لكن ما هي القراءة؟ إنها أن نكُفّ عن ملاحظة الحروف في حدّ ذاتها ونتيح لمعنى ما يُقال أن ينبثق، ’’ وفي كلّ حالةٍ من القراءة، فإن تأسيس معنى متماسك هو ما يتيح لنا أن نزعم أننا قد فهمنا ما يُقال. وهذا وحده هو ما يجعل من لقائنا بلغة الفن لقاءً مُثمراً‘‘. يجب أن نتعلم قراءة الفن لربط البواقي المتحجرة من الماضي، على حد تعبير غادامير، بالحياة التي نحياها اليوم. كل هذا من أجل فهمٍ جديد للفن، وتخليصه من مقولة الوعي الجمالي.
إن ما يميز الخبرات الاحتفالية كلها هو أنها لا تسمح بأيٍ انفصالٍ بين شخصٍ وآخر،’’ فالاحتفال هو خبرة الجماعة، وهو يُمثّل الجماعة في صورتها الأتم‘‘، أي أن الاحتفال يَجمعنا ويوحدنا، فلا نكون منفصلين أبدا بل مجتمعين معاً. ولعل أهم ما يوقفنا عليه غادامير في حديثه عن مفهوم الاحتفال هو “زمانية الاحتفال” أو “البنية الزمانية للاحتفال”، ولفهمها جيدا نعود إلى الكلمة الألمانية Begehung (احتفال) التي تتضمّن فعل gehen (توجه/ ذهب)، والتوجه هنا لا يعني أننا ننطلق من مكان لنصل إلى آخر، لنصل إلى هدف ما، بل على العكس، فالهدف هنا قد تم تحققه في فعل التوجه نفسه. حسب هذا المعنى فالاحتفال حاضرٌ دائما عندما نقوم به، لكن هذا الحاضر ليس مجرد حاضرٍ عادي، ليس كأي حاضر، بل هو حاضرٌ يتكرر فيه الماضي. هذا التكرار هو متشابه ومختلف في نفس الوقت، متشابه لأن نفس الاحتفال يتكرر، ومختلف لأن طريقة الاحتفال تتغير دائما، وكل احتفالٍ له “زمنه الخاص”. وزمن الاحتفال هذا هو زمن يسميه غادامير “زمانا مكتملا” أو “مستقلا بذاته”، أي أنه لا يحدث لأن شخصا أو مجموعةً ما لديهم زمان فارغ ليُملأ. إنه زمان الاحتفال، إنه احتفال الزمان. من هنا فتجربة الاحتفال متشابهة مع تجربة الفن، لأنها تدعونا إلى التوقف والحضور والمشاركة. إنه نفس الشيء في الفن وفي الاحتفال وفي اللعب أيضاً.
وبالمحصلة فقد حاول غادامير الوصول إلى الأساس الأنثروبولوجي للفن من خلال الرجوع إلى الخبرات الإنسانية الأولية وبحثه في مفاهيم: اللعب والرمز والاحتفال. فتوصل إلى أن فائض النشاط الخاص باللعب هو البعد الأنثروبولوجي الأكثر عمقا، موضحا طابع المشاركة الذي يميز العمل الفني بوصفه لعباً. وطابع المشاركة هذا يفترض تأسيسا للفن من خلال فهم دلالته التي وضحها غادامير من خلال المفهوم القديم للرمزي. ليصل أخيرا إلى مفهوم الاحتفال فيبين كيف ترتبط زمانية الاحتفال بزمانية الفن. والغرض من كلّ هذا هو بناءُ شرعيةٍ جديدة للفنّ، وذلك لفهمه ونزع الاغتراب عن الإنسان، اغتراب الوعي الجمالي. وقد حاولنا توضيح هذه المفاهيم الثلاثة وعلاقتها بالفن حسب درجة فهمنا للنص الغاداميري.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق