قراءات ودراسات

التجاذبات السّياسية موضوعا للرّواية الجزائرية

بقلم د. طلحة عبد الباسط

توطئة:
لقد أصبحت السياسة محورا فكريا في الرواية المعاصرة، مهما تنوعت مواضيعها، وتعددت أبعادها الاجتماعية والواقعية، وجنحت إلى الحداثة الشكلية والتنويع الفني. فإن الرواية تعبر عن الأطروحة السياسية إما بطريقة مباشرة وإما بطريقة غير مباشرة. لذلك نقول: إن السياسة حاضرة في كل الخطابات والفنون والأجناس الأدبية.
1. الأدب والوعي الاجتماعي:
تعتبر علاقة الأدب بالمجتمع علاقة جدلية تفرضها مقومات النشأة والتطور داخل هذا الوسط الذي ينتمي إليه الأديب، والأدب منذ نشأته هو ارتباط مباشر بالذات في اتجاه نفسها وارتباطها بالمجتمع، فهو ينطوي على هذه الحياة، فلكل فرد منا كم هائل من المشاعر ينسج خيوطها، كما أن لكلمنا تعبيره الخاص بمفردات ما عن هذا العالم الذي نعيشه أو الذي نتصوره فعلاقة الأدب بالمجتمع موضوع خلق الكثير من التساؤلات و أخد قسطا وافرًا من البحث وأسال الكثير من الحبر، كغيره من الفنون الأخرى والعلوم كعلم النفس والتاريخ…الخ، يقول في هذا الصدد محمد الأمين شيخة:« الأدب فن من فنون الحياة، وصلته بهذه الفنون متداخلة ومعقدة، بسبب أشكال ومظاهر علاقته بها، فالأدب يستوحي أحيانا كثيرة بعض موضوعاته من الفكر أو الفلسفة أو الثقافة والعادات».
وينبغي التأكيد في هذه الحال، على أن الفن بصورة عامة، وعبر تطوراته المرحلية، كان وثيق الصلة بالواقع الاجتماعي لأنه يمثل نشاطا اجتماعيا ويعكس نوعية العلاقات السائدة بين أفراد المجتمع الواحد، سواء من حيث تحديد أنماط الصراع، أو من حيث رصد تطورات العلاقات الاجتماعية في ذاتها.
إن وظيفة الأدب تكمن في فهم خصوصيات المجتمع والتجاوب معها، إذ لا يكفي أن يكون الفهم متكاملا، بل ينبغي أن يكون متطورا كذلك، وهذه هي النظرة الوحيدة التي تحترم حياة الإنسان وتؤمن بمستقبله، وهي نظرة تجعل من صناعة الأدب رسالة، ومن الأديب رسولا مسؤولا، ولذلك فإن: «اجتماعية الأدب تتحدد بعلاقته العلية بالمجتمع، إذ لا يكون النص وقتها، ومن خلال مجمل تعابيره سوى محصلة لعلاقاته الاجتماعية».
وهكذا يصبح دور العمل الأدبي دورا متميزا داخل المجتمع ووعي الأفراد به باعتباره وسيلة من وسائل بث الوعي الفكري والجمالي بالرسائل الأدبية والجمالية له، وتظل العملية الإبداعية في حقيقتها عملية تأسيسية تأخذ ماهيتها من الواقع- مهما كان نوعه- باعتباره مرجعية أساسية، ومنطلقا بديهيا، فالأدب هو عالم الإنسان، يقول الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا: «أظن الإنسان قد خلق الأدب في اليوم الذي أدرك فيه أن عالمه كان ضيقا جدا عليه، ففتح خفيا ليذهب نحو المتخيل، والمتخيل مثل الفضاء الخارجي، لا نهاية له».
ومن هنا فإن الأدب لا يبلغ مبلغ الروعة الخالدة إلا إذا تحلى بالوضوح والعمق والسمو، فالأدب كائن حي ذو كيان خاص وشخصية خاصة، وهو شديد المرونة يتكيف بتكيفات الزمان والمكان، لذلك فإن: «الكاتب يعبر عن تجربته وفهمه العام للحياة، والأدب تصوير لفهم الأديب ونقل له، إنه قيمة إنسانية اجتماعية».
غير أن للآخر دور في تنمية وعي الأديب وتوجيهه أيضا لما يغفل عنه أحيانا، لأن «الكاتب يعطي وجهة نظره معايشا الآخرين بحثا عن المتناقضات الإنسانية السخيفة أو الجادة، محتكًا بهم ليسمع تجاربهم عن الذين لم يعرفهم ولم يلتقي بهم وهم أصناف وألوان»
غير الآخر الذي يعايشه الأديب ويحتك به لفهم قضايا المجتمع يصبح له دور مغاير هدفه شل حركة الأديب، فبعض الآخرين لهم رغبة ملحة في إعاقة ذات الكاتب وجمح إرادته ووعيه على تحقيق مشروعه، لأنهم ببساطة يبدعون في العراقيل.
فعلى الكاتب أن يتطور في ذاته وفكره لتجاوز تلك العقبات وألا يلتفت إليها أبدا، محاولة منه للعلو والارتفاع عن ذاته ليتذوق بعض ثمرات طريق الكمال الذي لا كمال له وليعفو عن السلوك والفعل الظالم المقترف في حقه.
فالأديب يعيش دوما في حركية وصراع بين الواقع الكائن من جهة والواقع الممكن من جهة أخرى، وهذا الصراع هو في حقيقته نتيجة حتمية لعدم رضاه وقناعته بالحالة التي يوجد عليها مجتمعه سواء على المستوى السياسي أم الاجتماعي أم الثقافي، فتراه دوما في حالة من التوتر الفكري باحثا عن تناغمية بين الحقيقة والواقع بطرح أسئلة الذات والوجود وأسئلة التحول والمستقبل، إنه بذلك يعيش وعيا شقياﱠ.
إن الحديث عن علاقة الأدب بالمجتمع يقودنا إلى إشكالية أخرى وهي علاقة الأديب بالمجتمع ودوره وعمله، يقول خالد ساحلي:« عمل الكاتب الحقيقي مشروع أساسي موضوع بمقتضى حل مسألة الوجود وتثبيتها واقعا وتحولا من لحظة الاختيار في مراجعة ماضي الذات، أعمالها ومشاريعها المعرفية قديمة أو حاضرة أو مستقبلية»فلا بد على الأديب الربط بين القديم والحاضر والمستقبل، لتحقيق مشروعه الأساسي المتمثل في التعبير عن الذات والواقع والمجتمع والوجود.
فعلاقة الأديب بالمجتمع ليست علاقة طبيعية وعادية كغيره من أفراد المجتمع، بل إنها علاقة توجيهية قيادية نظرا لما يملكه من صفات وإمكانيات تؤهله لتحمل المسؤولية.
إن المطلوب من الأديب في شتى الأحوال أن يجعل من لغته السلاح الذي يمارس به ثورته على الكائن ويبدع بها واقعا جديدا يفترضه أكثر إنسانية وعدالة لهذا الإنسان الذي أصبح يعيش حربا قوية ومعلنة من جوانب شتى فلا يجب على الأديب أن يهاب الموت وهو يكتب عن الظلم والبطش، حتى و لو أفشى أسرارا مميتة في ذكرها ذكر للموت، وقد نقل الكاتب محمد حسين طلبي قولا في هذا الصدد على لسان الروائي الطاهر وطار :« قال لي يومها بأنه لا يخشى الموت أبدا لأنه أحد الواجبات التي على الإنسان أن يؤديها في أية لحظة، فالخوف يجعل البلد أكثر مما يكون على الأشخاص ».
فهذه هي إذا سمة الأديب الحقيقي الذي لا يخضع للزخرف وإلى ما يجنيه من ماديات، وإلى ما يقف بينه و بين الحقيقة الإبداعية التي يتبناها بل إنه يتفرغ لقضايا مجتمعه وإن الأديب وحده من يملك وسيلة مؤثرة في المجتمع، فكل شيء يمكن أن يزول إلا اثر الكلمة ولا يتغير شيء إلا عن طريق الكلمة، لذلك فالمطلوب منه أن يكون أكثر التزاما بقضايا مجتمعه.
وقد فرضت ظروف التحولات المجتمعية ظهور نوع جديد من الالتزام المحدد بالأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تتحول وتتغير باعتبارها صيرورة وجودية إن سلبا أو إيجابا.
والمقصود بالالتزام ذلك المفهوم المباشر الذي يستوجب انصهار الأديب في مجتمعه وانشغاله بقضاياه التي تعد جزءا من يومياته الطبيعية، فهذا المفهوم البسيط للالتزام هو مفهوم موجود منذ وجود الأدب، إلا أن مصطلح الالتزام بحد ذاته لم يظهر إلا في العصر الحديث عكس لب المصطلح الذي تفطن له الأديب القديم من خلال الالتزام بقضايا القبيلة مثلا يقول عز الدين إسماعيل في هدا الصدد :« فكرة الالتزام في الأدب فكرة حديثة، والمصطلح نفسه – أي الالتزام – مصطلح جديد في ميدان الأدب، لم يستخدمه الأقدمون ولم يعرفوه، والواقع أن مفهوم الالتزام قد ارتبط إلى حد بعيد بمفهوم الأدب نفسه، ومدى علاقته بالحياة، وبالدور الذي يقوم به الأدب في توجيه هذه الحياة».
فعز الدين إسماعيل يربط الالتزام بالعصر الحديث مع نفيه لوجوده في العصر القديم، وربما يرجع هذا إلى طغيان الذاتية في الأدب القديم والموضوعية في العصر الحديث، وعليه ففكرة الالتزام هي التي أنتجت أدبياتهم بطرح الأزمة إبداعيا.
لقد نشأت فكرة الالتزام في العصور الحديثة نتيجة لاحتكاك الأديب بمشكلات الحياة التي يعيشها وإدراكه لخطورة الدور الذي يقوم به إزاء هذه المشكلات، ولكن بدايات نشوءها كانت تحت معيار الأدب نقد للحياة أو تفسيرها .
إن تعدد مفاهيم الالتزام أدى إلى تشابك المعطيات حيث يعرفه مثلا أحد الكتاب الجزائريين بقوله:« أن يتمسك الكاتب بآرائه و يدافع عنها بكل وسيلة دون تنازل و لو كلفته حياته هذا لا يبدو غيبا لأن الكتابة جزء من ذات صاحبها».
فالالتزام إذن يكون بقضايا الذات و الآخر، لأن الأديب يحس أن مشكلاته لا تنفصل عن مشكلات الناس، بل ربما كانت مشكلات الناس بالنسبة إليه هي محور مشكلاته.
غير أن مفهوم الالتزام لدى البعض هو تقديم الحلول الناجعة لمشكلاتهم من طرف الأديب وهذا ما نلقاه عند عز الدين إسماعيل بقوله :« وإنما يتحقق الالتزام عندما يقدم الأديب للآخرين أعمالا إيجابية في تأثيرها، تمس حياتهم ومشكلاتهم مسا مباشرا، فالناس في حاجة دائما إلى من يمهد لهم الطريق إلى الحلول الناجزة لقضاياهم ومشكلاتهم التي يحسون بوطأتها عليهم، و هم تن يكونوا متأهبين لاستيعاب قضية عامة قبل أن يفرغوا من قضاياهم الخاصة».
بيد أنه لا يجب على الأديب ألا يتقوقع على نفسه بتناوله فقط للقضايا المحلية، بل يجب التطرق لموضوعات إنسانية عامة، على شاكلة صنيع كبار الأدباء العالميين.
إن الأديب بمنطلق التزامه وبحكم موقعه مدعو ٳلى متابعة صيرورة مجتمعه ومعايشتها وتأريخها أدبيا.
فلا يمكن أن نتصور أي إنتاج أدبي ما دون أن يكون على ارتباط بالمجتمع في مختلف أشكاله وصوره، لكن ليس معنى هذا أن يكون الأدب شعرا كان أم نثرا صورة فوتوغرافية ومرآة مسطحة عاكسة لهذا الواقع، وإنما وجب أن يتسلح بفنون الجماليات والرؤى الفنية التي تحيل الواقع الحقيقي إلى واقع لغوي فني جميل يحمل رسالة إنسانية عامة.
غير أن هناك من يعتقد أن المشكلات اليومية المعاشة تؤثر بشكل سلبي على الجانب الفني للأدب، يقول عز الدين إسماعيل في هذا الشأن:« هذا التصور خاطئ بطبيعة الحال، فالفن لا يستمد جلاله وروعته من خلال من جلال الموضوعات وروعتها، هذا شيء أكدته فلسفة الجمال الحديثة…وإذا كان المفروض في الأدب والفن بعامة أن ينفي هذه الصورة من الشوائب أو يعمل على تنقيتها».
لذلك فالأديب مطالب بتحري الالتزام والجانب الفني معا للوصول بالأدب إلى صورة أرقى، وتحقيق أجل الغايات.
إن الملتمس للأعمال الأدبية الحديثة يلاحظ كما هائلا من الأعمال الأدبية التي تمس جانب الحياة مسا عميقا، وتنعكس على مشكلات فردية ومجتمعية على السواء، على الجانب الآخر نجد أعمال أدبية قليلة لم تتحقق فيها هذه الظاهرة.
إن الالتزام الموضوعي هو ما يسعى إليه الأديب دائما، إلا أن هناك بعض الأعمال التي يبدو فيها الالتزام متكلفا، فتفقد إثرها الأديب الفنان، الذي يستطيع أن يجعل التجربة الفنية تنطق وحدها بكل ما يريد.
وبذلك فإن أصل الجدل حول قضية الالتزام في صميمه جدل بين الإيديولوجية*والفن، فالإيديولوجية تمثل تفكيرا أو موقفا فكريا محددا، في حين أن أفق الفن طليق لا يمكن أن يحد، وإخضاع الفن للإيديولوجية إذن معناه إخضاع المطلق للمحدود، أو الحرية للقيود.
ومنه فإن:« الالتزام جزء من واقعية ذاتنا، هو الحامل لأمانة العقل والمعرفة ولو كانت وسائله ضعيفة، الالتزام يرفض غرائز الظلم والجهل لأنه يقدس العلم ولا يغيب الضمير لأجل تحقيق الفضيلة »، ولذلك فالالتزام أمانة ووديعة من الله استودعها عباده.
ولم يتخلف المبدع الجزائري، وعلى الأخص الروائي منه الذي أرخ لأدب التسعينات؛ أو ما يعرف بالعشرية السوداء، أو الحمراء كما يحلو للبعض تسميتها فقد تسللت الرواية إلى يوميات الإنسان الجزائري وكان ذلك كافيا لتتخذ مادة دسمة استهلكت في العدد من الكتابات، حيث دور النشر داخل الجزائر وخارجها عناوين عدة، تبحث في دقائق الأزمة، وتحاول تفكيك، وتحليل ومحاورة الواقع الجزائري بمختلف مستوياته بحثا عن الحقيقة وعرضا لها.
وقد كانت فترة التسعينات العصر الذهبي بالنسبة للرواية الجزائرية وهذا راجع لطبيعتها التي مكنتها من احتواء تلك التجربة الإنسانية، زيادة على تميزها بتوفير مجالات أوسع للبحث عن الذات، وقدرتها العجيبة على احتواء هموم الإنسان ماضيا وحاضرا ومستقبلا، رغم انطلاقها في ظروف اجتماعية وأمنية متأزمة، عالجت صورة الموت اليومي و الدمار الذي طال الوطن، ولقد شهدت تلك الفترة غزارة في الإنتاج خلال العشريتين الأخيرتين فظهرت روايات عديدة شغلت الحقل الأدبي الجزائري، ولذلك فإن:« الذي يجمع بيننا جميعا هو هذا الحس القوي في التعامل مع واقعنا الجزائري الغني، بما فيه من تنوع، ومع قضاياه الكبرى».
ومنه فإن تصوير الواقع بعمق هو ما جعل الرواية الجزائرية أكثر إقناعا لأن الرواية الناضجة تتفاعل عناصرها بتأثير أحداث معاشة.
2. الرواية الأدبية وجلاء السياسة:
إن الأديب وباعتباره فرد من أفراد المجتمع فانه يتأثر بالعوامل الموجودة في محيطه كانت اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية ويبرز هذا التأثر من خلال كتاباته وإبداعاته، ومن أهم العوامل المؤثرة في الأديب نجد العامل السياسي يتصدر القائمة، فغالبا ما ترتبط روايات الأدباء بالظروف السياسية المعاشة، مما أدى إلى ظهور علاقة وطيدة بين الأدب والسياسة، لأن العوامل والتحولات السياسية تكون موضوع كتابات الأدباء، محاولين دراسة طبيعتها وأسبابها فأبرز قطاعات الشعوب التي مقاومة للاستبداد والظلم هم الأدباء والمفكرون، لكن يوجد نوعان من الأدباء، « فقد نجد مئات الكتاب وأشباه المفكرين يركعون على سجاجيد السلطة في فروض عمياء…كاذبة، في سبيل الحصول على المال والشهرة، ويعلنون الحرب على دعاة الديمقراطية والتغيير، في حين نجد نخبة ممن يلجئون للكلام، وهؤلاء هم دعاة الديمقراطية والتغيير الذين مازالوا يناضلون في سبيل تـأسيس دولة الحرية والقانون والعمالة»؛ فالفئة الأولى من الأدباء هم الذين ارتموا في أحضان السياسة وباعوا أنفسهم من أجل مصالحهم والخضوع لأصحاب السلطة، في حين أن الفئة الثانية فهم أولئك الذين حافظوا على مبادئهم وأفكارهم من أجل خدمة مجتمعهم، دون التأثر بالإغراءات التي يتعرضون لها.
الرواية وليدة الأديب، وتعتبر من أهم الأجناس الأدبية التي تجسد الواقع السياسي، وهذا التجسيد يكون وفق ما عايشه الروائي في المجتمع من تطورات وتغيرات، هذه التغيرات هي التي حددت أنماطا معينة من الممارسات السياسية.
فالظروف والصراعات التي خلقتها السياسة، في كل جوانبها أدت ﺇلى ظهور ما يعرف بالرواية السياسية، وهي تلك الرواية التي تلعب فيها الأفكار السياسية الدور الغالب أو المهيمن أو بمعنى آخر، « فهي الرواية التي تنصب على مناقشة الأفكار السياسية وبرامج الأحزاب النظرية والعملية، وتحديد تصورات المذاهب السياسية وتبيان مواطن اختلافها وتشابهها على المستويين النظري والتطبيقي، مع رصد جدلية الصراع بين الحاكم والمحكوم والعامل مع أصحاب وسائل الإنتاج وأرباب العمل واستجلاء الفكر النقابي والنضال السياسي وما يتتبع ذلك من اعتقال وقمع وقهر»، فالسياسة إذن هي مصدر العنف الموجود في المجتمعات، وانقسام أفراده إلى جماعات مؤيدة أو رافضة للوضع الذي يعيشونه. كما تنبني هذه الرواية على كشف السلطة والحكم مصورة مظاهر العنف والاستغلال ومصادرة حقوق الإنسان الناتج عن العوامل السياسية.
الرواية الجزائرية المعاصرة تعتبر كغيرها من الروايات العربية التي تأثرت بالعوامل السياسية، وتجلى ذلك التأثر من خلال مؤلفات الأدباء في فترة معينة، « ومن الأسباب المباشرة لكتابة الروايات التي توظف العنف هو الواقع المأساوي الذي عاشته الجزائر في مطلع الثمانينات وانتقال مقاليد الحكم إلى مقاليد أخرى لا نعرف عنها الكثير وظهور الاضطرابات نتيجة تصادم التوجهات السياسية وتناحر الرؤى الإيديولوجية المتصارعة على السلطة، كل هذه الظروف والملابسات وجهت الكتاب الجزائريين إلى الكتابة عن هذا الوضع والتنبؤ من خلالها بمستقبل الجزائر»، فالعنف الناتج عن تضارب المصالح في المجتمع هو الذي دفع الأدباء إلى محاولة وصف هذا الواقع، ووضع تكهنات لما قد يحدث في المستقبل، لأنه « لم يكن مثقفو الجزائر يوما غرباء عن معمعة السياسة، ولم يقفوا على الحياد خلال الأحداث الكبرى التي شهدها الوطن في السنوات الأخيرة »، بل حاولوا محاربة هذه الظاهرة ألا وهي ظاهرة العنف في وقت معين أو بعبارة أخرى قد بحثوا في دقائق الأزمة التي عرفتها الجزائر رغم علمهم بعقبات عملهم وما ينجر عنه.
الحديث عن العوامل السياسية وتأثيرها على الأدباء يقودنا مباشرة للحديث عن السلطة باعتبارها أهم العوامل السياسية التي تخلق العنف في المجتمع، « فالسلطة السياسية تقوم على مبدأ التداول، حيث تتاح الفرصة للمتنافسين عن طريق النشاط السياسي، وإما تكون استبدادية يسيطر عليها فرد ما يسمى دكتاتور، أو جماعة ما، أو حزب ما، بقطع الطريق أمام الآخرين مستعملا شتى وسائل القمع، أي عن طريق العنف الذي يتخذ أشكالا مختلفة، يطال كل من يهدد استقرار، أو بقاء القوة المستولية على السلطة»، فالسلطة إذن لا تخرج عن مفهوم الإخضاع والسيطرة وتحقيق المصلحة الخاصة ونفي مصلحة الآخر، وسيلتها في ذلك القوة.
استطاع النص الروائي الإشارة ﺇلى عنف السلطة، وكشف الممارسات القمعية التي تمارسها، هناك من شكلت عنف السلطة موضوع رواياتهم، في حين هناك من احتلت فصلا أو أكثر فقط مثل رواية ”ذاكرة الجسد“ ، ”الشمعة والدهاليز“.
وقد ارتبطت جذور الأزمة ارتباطا شديدا ومباشرا بطبيعة السلطة التي أدينت، واعتبرت المسبب الرئيسي للعنف، مما جعل الروائي يتأمل السلطة في مختلف الأزمنة، فرأى بأنها مصدر للعنف، وهذا العنف ناتج عن فسادها مما يؤدي إلى القمع والاعتقال وحتى الاغتيال ويتمثل هذا الفساد في سوء استخدام السلطة كتسخيرها لتحقيق أهداف خاصة، « والمقصود بالسلطة كل مسؤولية من أعلى هرم السلطة إلى أدنى مسؤولية محلية، وهو ما أشارت إليه الرواية، فلم تترك منصبا ﺇلا وعرته، وهي بذلك تنتقد نظاما سياسيا وليس أفرادا، وإن لم تقدم بدائلا، مكتفية بالتوصيف، معتبرة نفسها ليست طرفا سياسيا، ينتمي إلى هيئة أو مؤسسة سياسية، أو سلطوية، مع أنها جزء من واقع معيشي، يشكل أعلى مستوى للتعبير عن وعي الجماعة»، فالرواية إذا لا توظف الشخصيات السياسية، التي لها علاقة بالسلطة والتي تعتلي مناصب معينة داخل هرمها، توظيفا صريحا يرمز إلى فسادهم، وإنما يكون التوظيف مبهما، فتكتفي بتوظيف ضمير الغائب ”هم“.
إن الرواية الجزائرية المعاصرة تتجنب التفصيل والتمثيل أثناء حديثها عن فساد السلطة، مكتفية بالمجمل تاركة التفصيل للقارئ لأنه على دراية ولو بقليل بما يجري في مجتمعه، وهذا الغموض في الكتابة ناتج عن الخوف من القمع والقتل الذي قد يتعرض له الأديب جراء جرأته.
وفي حديثنا عن القمع والقتل والاعتقال فإنه« الرواية تحضر القمع السياسي في السلطة، وأسلوبها في التعامل مع الخصوم السياسيين والناس عامة، يتخذ في الرواية العربية عامة شكلا هرميا يبدأ من الأعلى إلى الأسفل مؤكدا أن عنف السلطة هو المسبب الحقيقي للعنف العام إذا وجد في العالم العربي، ويتوسع القمع ليشمل حتى أفراد السلطة، حيث يقمع بعضهم بعضا، إلى جانب ممارسته ضد الناس»، إذن فالقمع الناتج عن فساد السلطة لا يمارسه أفراد السلطة ضد عامة الناس فقط، بل يمارس أيضا القمع بين أفراد السلطة بسبب النزاعات القائمة بينهم.
ويعرض النص الروائي شكلين من القمع تمارسها السلطة أحدهما يكون في الحياة اليومية العامة خلال فترة العنف، أما الثاني فيتمثل في الاعتقال ضد السياسيين والآخر المختلف إيديولوجيا، لذلك فإن رجل السلطة–في الرواية- متهم بالقمع يؤديه جزء من وظيفته.
أما فيما يخص القمع الذي يحدث داخل السجون فإنه الرواية الجزائرية لم تتطرق إليه كثيرا، والسبب قد يعود إلى افتقار الروائي الجزائري لتجربة السجن خلال فترة العشرية السوداء، إذ لم يتعرض كثيرا للاعتقال بسبب هروب بعضهم إلى الدول الأخرى والكتابة عن الأزمة من هناك، ورغم ذلك فإن السجن يبقى أعلى درجات القمع لارتباطه بالتعذيب.
إذن فالروايات خاصة تتطرق ﺇلى المواضيع السياسية تشهد بكل صدق على تعفن الواقع العربي وترديه على جميع المستويات ولاسيما المستوى السياسي، نظرا لغياب حقوق الإنسان وغياب الديمقراطية وفشل التجارب السياسية المستوردة وتفشي ظاهرة البيروقراطية والانتهازية والأصولية والتسلق المنفعي على حساب المبادئ والقيم، خاصة في الفترات الماضية الفترات التي تلت الحروب العربية، وفترة العشرية السوداء في الجزائر.
الهوامش والإحالات:

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق